أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - ضجيج إسباني عنوانه «ملف تجنيس الصحراويين» يدخل البرلمان الخميس المقبل ..... ملف يمتد من ترتيبات الإدارة الإسبانية للصحراء في الستينيات إلى مرسوم الجنسية لسنة 1976 ومشروع اليوم… مسار قانوني يخص الأفراد ولا علاقة له بسيادة المغرب على صحرائه















المزيد.....


ضجيج إسباني عنوانه «ملف تجنيس الصحراويين» يدخل البرلمان الخميس المقبل ..... ملف يمتد من ترتيبات الإدارة الإسبانية للصحراء في الستينيات إلى مرسوم الجنسية لسنة 1976 ومشروع اليوم… مسار قانوني يخص الأفراد ولا علاقة له بسيادة المغرب على صحرائه


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 19:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قبل الضجيج… ماذا يوجد فعلاً فوق طاولة البرلمان الإسباني؟

منذ أيام، ارتفع منسوب الحديث داخل إسبانيا وخارجها عن «تجنيس الصحراويين»، وبدأت بعض العناوين والتدوينات تتحدث عن الخميس المقبل، 10 شتنبر 2026، وكأنه موعد حاسم ستجلس فيه الدولة الإسبانية أمام لائحة تضم نحو 80 ألف صحراوي لتوقع في جلسة واحدة قرار تحويلهم جميعاً إلى مواطنين إسبان، بينما الحقيقة القانونية، التي ينبغي أن تسبق أي موقف سياسي أو إعلامي، تقول شيئاً مختلفاً تماماً: الخميس هو موعد برلماني لمناقشة والتصويت على مشروع قانون قطع مراحل داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية، وليس موعداً لتجنيس جماعي، ولا لتسليم جوازات سفر، ولا لإدخال عشرات الآلاف دفعة واحدة إلى السجل المدني.

والتنبيه إلى هذه النقطة ليس مجرد تصحيح تقني، لأن تضخيم محطة الخميس يحجب عنا جوهر الملف الحقيقي: نحن أمام قضية إسبانية قديمة تعود إلى الحقبة التي كانت فيها مدريد تدير الصحراء، وإلى ترتيبات قانونية وإدارية تراكمت منذ الستينيات، ثم إلى الانسحاب الإسباني سنة 1976 وما رافقه من إشكالات في وضع السكان والوثائق والجنسية، وصولاً إلى مشروع اليوم الذي تحاول من خلاله بعض القوى السياسية الإسبانية معالجة ما تعتبره آثاراً قانونية وتاريخية بقيت معلقة لما يقرب من نصف قرن.

ومن هنا يبدأ الفرق بين قراءة هادئة تقرأ القانون، وقراءة تبحث عن عنوان سياسي مثير: الموضوع في جوهره ملف جنسية إسبانية يخص أشخاصاً، وليس نصاً يغير حدود المغرب ولا قراراً يعيد تعريف السيادة على الصحراء.

الملف أقدم من البوليساريو وأقدم من ضجيج اليوم

من يقرأ بعض النقاشات الحالية قد يظن أن فكرة منح الجنسية الإسبانية للصحراويين وُلدت بعد نشوء نزاع الصحراء أو صُممت حصراً لخدمة فئة سياسية بعينها، بينما تاريخ العلاقة القانونية والإدارية بين إسبانيا وسكان الصحراء أقدم بكثير من ذلك.

فمنذ المرحلة التي كانت فيها إسبانيا تدير الإقليم، خضع السكان لترتيبات إدارية ومدنية ووثائقية مختلفة، وبدأت مدريد خلال الستينيات في تطوير مؤسسات محلية وتنظيمات إدارية خاصة بالصحراء وربط عدد من السكان بمنظومتها المدنية والإدارية، سواء عبر بطاقات تعريف أو دفاتر عائلية أو شهادات ميلاد أو وثائق عمل ودراسة وصحة وتقاعد وغيرها من الوثائق التي ستعود اليوم لتظهر من جديد باعتبارها وسائل محتملة لإثبات الصلة بالإدارة الإسبانية السابقة.

وهذا مهم جداً، لأن مشروع اليوم لا يولد في فراغ ولا ينشئ علاقة لم تكن موجودة أصلاً، وإنما يعود إلى إرث إداري خلفته إسبانيا في منطقة كانت تديرها، ثم غادرتها تاركة وراءها آلاف الأشخاص يحملون وثائق إسبانية وروابط قانونية وإدارية متفاوتة لم تُغلق جميع ملفاتها بصورة نهائية.

وبالتالي، فإن تحويل الملف اليوم إلى مواجهة بين مدريد والرباط أو إلى ورقة جديدة في النزاع السياسي حول الصحراء يختزل تاريخاً أطول بكثير من النزاع الحالي نفسه.

سنة 1976… حين غادرت إسبانيا وبقي السؤال معلقاً

توجد في قلب الملف محطة لا يمكن تجاوزها: سنة 1976.

فإسبانيا أنهت وجودها الإداري المباشر في الصحراء في فبراير من تلك السنة، ثم أصدرت لاحقاً المرسوم الملكي رقم 2258/1976 المتعلق بحق بعض أهالي الصحراء في اختيار الجنسية الإسبانية، ودخل المرسوم حيز التنفيذ يوم 29 شتنبر 1976، مانحاً الفئات التي يشملها مهلة سنة لممارسة هذا الخيار.

وهنا تظهر واحدة من مفارقات الملف التي ينبغي تحميل مسؤوليتها إلى صاحبها التاريخي الحقيقي: كيف يمكن لدولة أن تنسحب من إقليم، ثم تفتح لاحقاً أمام سكانه مهلة لممارسة خيار قانوني يرتبط بها بينما الإدارة التي يفترض أن تساعدهم على استكمال الإجراءات لم تعد موجودة على الأرض؟

هذه ليست مشكلة صنعها المغرب.

ولم يكن المغرب هو من أصدر المرسوم.

ولم يكن المغرب هو من حدد أجل السنة.

ولم يكن المغرب هو القوة الاستعمارية التي رتبت الوضع الإداري والقانوني لسكان الصحراء خلال عقود وجودها هناك.

ولذلك، إذا كانت إسبانيا ترى اليوم أن آلاف الأشخاص حُرموا فعلياً من فرصة ممارسة خيار الجنسية أو وجدوا أنفسهم في ظروف سياسية وأمنية وإدارية جعلت الاستفادة من مرسوم 1976 شبه مستحيلة، فمن حقها أن تعالج آثار قرارها؛ لكن لا يجوز أن يتحول إصلاح خطأ إسباني إلى منصة لتحميل المغرب مسؤولية خطأ لم يصنعه.

لماذا 29 شتنبر 1977؟

اختيار التاريخ ليس اعتباطياً.

فالمشروع الحالي يجعل من 29 شتنبر 1977 تاريخاً مرجعياً، وهو مرتبط عملياً بمرور سنة على دخول مرسوم 1976 حيز التنفيذ، أي بانتهاء المهلة التي كانت مقررة لممارسة خيار الجنسية.

وهذا وحده يكشف الطبيعة الحقيقية للمشروع: نحن أمام محاولة تشريعية لإعادة فتح باب قانوني أغلق قبل نحو نصف قرن، انطلاقاً من تصور إسباني مفاده أن ظروف تلك المرحلة لم تسمح للكثيرين بممارسة حقهم بصورة طبيعية.

إذن، السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: ماذا يفعل المغرب في مشروع القانون؟

بل: ماذا تفعل إسبانيا اليوم لمعالجة ملف إسباني بدأته هي ولم تغلقه؟

المحكمة العليا الإسبانية نفسها فرقت بين الميلاد والجنسية

ولعل من أكثر النقاط أهمية في فهم الملف أن القضاء الإسباني نفسه لم يقل إن كل من وُلد في الصحراء خلال مرحلة الإدارة الإسبانية كان مواطناً إسبانياً أصلياً بصورة تلقائية.

فالمحكمة العليا الإسبانية سبق أن اعتبرت أن مجرد الميلاد في الصحراء خلال تلك المرحلة لا يكفي وحده لاكتساب الجنسية الإسبانية الأصلية وفق القواعد العامة للقانون المدني، وهو ما يعني أن المشروع الجديد لا يأتي ببساطة لـ«إرجاع جنسية مؤكدة قانونياً لكل الصحراويين»، كما يحاول بعض الخطاب السياسي تقديمه، وإنما ينشئ مساراً استثنائياً جديداً لمنح الجنسية على أساس الظروف التاريخية والوثائق والروابط السابقة بالإدارة الإسبانية.

والفرق بين الأمرين جوهري.

فمنح الجنسية اليوم بقرار تشريعي استثنائي حق سيادي تمارسه إسبانيا على مواطنيها المحتملين.

أما تحويل ذلك إلى اعتراف سياسي بسيادة طرف على الأرض فهو استنتاج آخر لا يقوله النص ولا ينتجه قانون الجنسية في حد ذاته.

80 ألفاً… رقم إعلامي وليس قرار تجنيس

رقم «80 ألف صحراوي» أصبح الأكثر تداولاً، حتى كاد يغطي على نص القانون نفسه، بينما لا توجد في المشروع مادة تقول إن إسبانيا قررت منح الجنسية لثمانين ألف شخص محددين، ولا توجد لائحة رسمية منشورة تضم هذا العدد من الأسماء، ولا توجد عملية جماعية ستتم بمجرد رفع الأيدي داخل البرلمان.

الحديث يدور عن تقديرات لعدد المستفيدين المحتملين، أي أشخاص قد تتوفر فيهم شروط التقدم، أما المستفيد الفعلي فهو من يقدم ملفاً فردياً، ويثبت صلته بالفئة التي حددها القانون، ويجتاز عملية التدقيق الإداري والأمني، ويحصل على قرار إيجابي، ثم يستكمل إجراءات القسم والتسجيل.

وبين الرقم النظري والنتيجة النهائية توجد سنوات من الملفات والوثائق والتحقق والقبول والرفض والطعن.

لذلك فإن أول خدمة يمكن للإعلام تقديمها للرأي العام هي الفصل بين «من قد يكون مؤهلاً للتقدم» و**«من أصبح مواطناً إسبانياً فعلاً**.»

المفاجأة: القانون لا يقول إن المستفيد يجب أن يكون في تندوف

وهنا نصل إلى النقطة التي تكشف هشاشة الكثير من القراءة السياسية المتداولة.

المشروع، في صيغته التي خرجت من لجنة العدل، لا يقول إن المستفيد يجب أن يكون مقيماً في مخيمات تندوف، ولا يشترط الانتماء إلى جبهة البوليساريو، ولا يربط الاستفادة بموقف سياسي من المغرب، ولا يفرض الإقامة في الجزائر، ولا يستبعد المواطن المغربي لمجرد أنه يحمل الجنسية المغربية أو يعيش داخل الأقاليم الجنوبية.

المعيار الأساسي يتعلق بالولادة في الإقليم قبل التاريخ المحدد وبإثبات الصلة المطلوبة عبر الوثائق القانونية.

وبالتالي فإن صحراوياً مغربياً يعيش اليوم في العيون أو الداخلة أو السمارة أو بوجدور، ويحمل وثائق إسبانية قديمة أو شهادات ميلاد أو دفاتر عائلية أو وثائق عمل أو دراسة أو علاج تعود إلى الإدارة الإسبانية، يمكن من حيث نطاق النص أن يكون معنياً تماماً كما يمكن أن يكون معنياً شخص يقيم في مخيمات تندوف أو إسبانيا أو موريتانيا أو فرنسا أو غيرها.

وهذه الحقيقة وحدها تكفي لإسقاط فكرة أن المشروع «مكافأة سياسية للبوليساريو»

فإذا أصبح القانون نافذاً وفق صيغته الحالية، فإن المستفيد لن يُسأل أولاً: ما موقفك من نزاع الصحراء؟

بل سيُطلب منه: أثبت أنك تندرج ضمن الفئة القانونية المحددة.

وهنا الفرق كله.


من العيون إلى تندوف… الوثيقة هي التي تتكلم

المشروع يضع مجموعة من وسائل الإثبات التي تكشف مجدداً ارتباطه بالإدارة الإسبانية السابقة أكثر من ارتباطه بأي تنظيم سياسي نشأ لاحقاً.

ومن بين هذه الأدلة بطاقات الهوية الإسبانية القديمة، وشهادات الميلاد، ودفاتر العائلة، ووثائق العمل لدى الإدارة الإسبانية، ووثائق الدراسة، ورخص السياقة، ووثائق العلاج أو الاستشفاء، ومعاشات التقاعد، إضافة إلى إمكانية الاستناد إلى تسجيلات مرتبطة بإحصاء الاستفتاء الموثقة من الأمم المتحدة وفق الشروط المحددة.

وهذا يعني أن الملف الذي سيقدم من العيون يمكن أن يحمل الوثائق نفسها التي يقدمها شخص في تندوف، لأن الإدارة التي أصدرت كثيراً من تلك الوثائق كانت إسبانية واحدة قبل سنة 1976.

ولذلك فإن من يحاول اليوم تقسيم المستفيدين سياسياً قبل حتى بدء العملية يضع السياسة قبل القانون.


وثائق البوليساريو… ماذا بقي من التعديلات؟

من بين أكثر الجوانب حساسية أن بعض التعديلات البرلمانية التي طرحت أثناء دراسة المشروع اقترحت الاعتراف صراحة بشهادات ميلاد صادرة عن سلطات مخيمات تندوف ومصادق عليها من تمثيلية البوليساريو في إسبانيا باعتبارها وسيلة إثبات.

وهذه النقطة كانت ستمنح، لو بقيت بهذه الصيغة، جهة سياسية طرفاً في النزاع دوراً مباشراً في إنتاج وثيقة تساعد في إثبات الأهلية للجنسية الإسبانية.

لكن الصيغة النهائية التي خرجت من لجنة العدل لم تحتفظ بهذا الترتيب بهذه العبارة الخاصة والمباشرة، وعادت إلى صيغ أوسع تتعلق بشهادات الميلاد الموثقة والوثائق الإسبانية وإثباتات الأمم المتحدة.

وهذا التفصيل ليس ثانوياً، لأنه يوضح أن النقاش داخل البرلمان نفسه أدرك حساسية تحويل تنظيم سياسي إلى مرجع مستقل في إثبات الهوية أمام دولة أوروبية.


الأبناء أيضاً… لكن ليسوا مواطنين إسباناً منذ الآن

المشروع لا يتوقف عند الجيل المولود في الفترة التاريخية المعنية، بل يفتح الطريق أيضاً أمام الأبناء المباشرين للأشخاص الذين يحصلون على الجنسية بموجب المسار الاستثنائي، ويمنحهم إمكانية اختيار الجنسية الإسبانية خلال أجل محدد يبدأ بعد تسجيل جنسية الأب أو الأم.

وهذه نقطة قد توسع العدد الإجمالي للمستفيدين بمرور الوقت.

لكن حتى هنا، ينبغي رفض التعبير الفضفاض عن «تجنيس جميع أبناء الصحراويين»، لأن الابن لا يحصل على الجنسية تلقائياً بمجرد صدور القانون، بل يرتبط حقه أولاً بحصول الأصل على الجنسية ثم بممارسة حق الاختيار وفق المسطرة والأجل المحددين.

مرة أخرى، نحن أمام ملفات فردية وليس أمام قرار سياسي جماعي بتغيير جنسية مجتمع كامل.



سنتان بدل عشر… أثر طويل المدى

ويحمل المشروع مساراً آخر أقل إثارة في الإعلام لكنه ربما يكون أكثر أهمية على المدى الطويل، إذ يقترح إدراج الصحراويين ضمن الفئات التي يكفيها عامان من الإقامة القانونية في إسبانيا قبل طلب الجنسية عن طريق الإقامة، بدلاً من القاعدة العامة الأطول.

وهذا التعديل، إذا بقي في القانون النهائي، يعني أن الملف لن ينتهي بانتهاء النافذة الاستثنائية الخاصة بالمولودين خلال الحقبة الإسبانية، بل سيخلق وضعاً قانونياً مميزاً لفئة من الصحراويين داخل قانون الجنسية الإسباني مستقبلاً.

لكن حتى هذا الأمر يبقى شأناً إسبانياً داخلياً يتعلق بمن تسمح لهم الدولة باكتساب جنسيتها، وليس نصاً يعيد تعريف حدود المغرب.

الملف الأمني والإداري حاضر أيضاً

من الخطأ تصوير المسطرة وكأن الشخص سيقدم ورقة قديمة فيحصل فوراً على جواز إسباني.

المشروع يتحدث عن فحص السوابق الجنائية في البلدان التي أقام فيها طالب الجنسية خلال السنوات السابقة، وعن تقارير من الجهات الإسبانية المختصة، وعن آجال للبت، وعن إمكان رفض الطلب، وعن إجراءات تسجيل لاحقة، وعن أداء القسم أو التعهد بالولاء لملك إسبانيا واحترام الدستور والقوانين.

ومن ثم، فحتى إذا أصبح القانون نافذاً، سيظل الفرق شاسعاً بين من يقول «أنا صحراوي» ومن يستطيع أن يثبت أنه يندرج قانونياً ضمن الفئة المعنية وأن يجتاز بقية متطلبات المسطرة.

سؤال الجنسية المغربية يحتاج بدوره إلى جواب دقيق

وهنا يوجد ملف لا ينبغي القفز فوقه: ماذا عن الشخص الذي يحمل الجنسية المغربية ويحصل لاحقاً على الجنسية الإسبانية عبر هذا المسار؟

القانون المدني الإسباني يتضمن قواعد عامة مرتبطة بإعلان التخلي عن الجنسية السابقة في بعض طرق اكتساب الجنسية، مع وجود استثناءات مرتبطة بفئات ودول معينة؛ وقد ظهرت خلال النقاش البرلماني مقترحات تتعلق بتكييف هذه المسألة لفائدة المستفيدين الصحراويين، لكن الأمر يحتاج إلى قراءة الصيغة النهائية التي ستخرج من المسار التشريعي وإلى معرفة طريقة تطبيق الإدارة الإسبانية لها.

لذلك من السابق لأوانه أن يقال اليوم إن جميع الصحراويين المغاربة المستفيدين سيصبحون تلقائياً مزدوجي الجنسية، كما لا ينبغي الجزم في الاتجاه المعاكس قبل اكتمال النص.

وهذه واحدة من النقاط التي يفترض أن تتابعها الدبلوماسية والإدارة المغربية بهدوء، لأن القانون سيهم، إذا دخل حيز التنفيذ، مواطنين مغاربة محتملين وليس فقط أشخاصاً يقيمون في الجزائر.

بعض الخطاب الإسباني يحاول خلط الملفات

المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى المغرب لا توجد بالضرورة في أن تمنح إسبانيا جنسيتها لمن ترى أنه يستحقها، فذلك قرار سيادي إسباني، وإنما تبدأ المشكلة عندما يحاول بعض النواب أو التيارات توظيف مشروع الجنسية كمنصة سياسية لإطلاق مواقف تتعلق بنزاع الصحراء، أو استعمال تعبيرات ضد المغرب ثم تقديمها للرأي العام وكأنها جزء من الحكم القانوني نفسه.

هنا يجب الفصل بوضوح بين أمرين.

الأول: مشروع قانون جنسية.

والثاني: مواقف سياسية لأحزاب ونواب.

قد يقف نائب إسباني داخل البرلمان ويصف الوضع بالصحراء بالطريقة التي يريد، وقد يدافع آخر عن أطروحة البوليساريو، وقد يرفض ثالث هذا التوصيف؛ لكن تصريحات النواب ليست في حد ذاتها نص القانون، ولا يصبح موقف حزب إسباني قاعدة من قواعد القانون الدولي بمجرد نطقه داخل قاعة البرلمان.

ومن هنا على الإعلام المغربي أن يحسن اختيار معركته: الرد على التصريحات السياسية باعتبارها تصريحات سياسية، وقراءة القانون باعتباره قانوناً.

مدريد تريد إصلاح إرثها؟ فلتبدأ بالاعتراف بصاحبه

إذا كانت إسبانيا مقتنعة بأن أشخاصاً من سكان الصحراء حُرموا من الجنسية بسبب طريقة انسحابها أو بسبب قصر المهلة أو بسبب فوضى المرحلة التي أعقبت خروجها، فمن حقها أن تعيد فتح الملف.

لكن من الإنصاف أيضاً أن تسمي الأشياء بأسمائها.

هذه نتيجة لمرحلة استعمار إسباني.

وهذه وثائق إسبانية.

وهذا مرسوم إسباني.

وهذه مهلة حددتها إسبانيا.

وهذا انسحاب نفذته إسبانيا.

فلماذا يُستدعى المغرب كلما أرادت بعض القوى السياسية الإسبانية الحديث عن «الذنب التاريخي»؟

المغرب لم يكن مستعمِراً للصحراء تحت العلم الإسباني.

ولم يصدر بطاقات الهوية الإسبانية.

ولم يفتح أو يغلق باب الجنسية الإسبانية.

وإذا كانت مدريد تريد اليوم معالجة ما تعتبره خطأً أخلاقياً أو قانونياً، فالمسؤولية تبدأ من تاريخها هي.

الجنسية للأفراد… والسيادة على الأرض ملف آخر

هذه في نظري أهم جملة في كل النقاش.

منح الجنسية لشخص لا يعني منح السيادة على الأرض التي وُلد فوقها.

الجنسية رابطة قانونية بين فرد ودولة.

أما السيادة فهي علاقة قانونية وسياسية وتاريخية بين دولة وإقليم.

وخلط الأمرين يخدم التطرف في الاتجاهين: طرف قد يرى في حصول صحراوي مغربي على الجنسية الإسبانية مساساً بمغربية الصحراء، وطرف آخر قد يقدم القانون وكأنه اعتراف إسباني بدولة أو سيادة منافسة.

وكلا الاستنتاجين أكبر مما يسمح به النص.

فإسبانيا يمكنها غداً، وفق قوانينها، منح الجنسية لأشخاص ولدوا في مناطق كانت تخضع سابقاً لإدارتها، من دون أن يترتب عن ذلك تلقائياً أي تغيير في الوضع القانوني لتلك المناطق أو سيادة الدول القائمة عليها اليوم.

والمغرب أيضاً ليس مطالباً بأن يعتبر كل شخص يحصل على جنسية أجنبية قد تخلى عن انتمائه الوطني أو عن موقفه من الوحدة الترابية.

لا علاقة للمشروع بسياسة المغرب على صحرائه

سياسة المغرب في الصحراء ليست معلقة على قانون الجنسية الإسبانية.

المغرب يمارس إدارته على أقاليمه الجنوبية، وينظم فيها الانتخابات، وتعمل بها مؤسساته وإداراته وقوانينه، وتوجد فيها استثمارات ومشاريع وسكان يحملون الجنسية المغربية، كما يقدم دولياً مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية باعتبارها الحل السياسي الذي يدافع عنه.

وكل ذلك ملف قائم بذاته.

أما أن تمنح إسبانيا جنسيتها لصحراوي مغربي ولد زمن إدارتها للصحراء، فهذا لا يجعل العيون مدينة إسبانية، ولا يغير الخريطة المغربية، ولا يلغي الجنسية المغربية من تلقاء نفسه، ولا يحول صاحب الجواز الإسباني إلى ممثل سياسي للبوليساريو.

ولهذا فإن من الخطأ أن يستدرج المغرب إلى التعامل مع المشروع وكأنه تهديد سيادي في ذاته.

الموقف الأقوى هو أن نقول ببساطة: إسبانيا حرة في معالجة إرثها القانوني مع الأشخاص، والمغرب ثابت في سيادته وموقفه من أرضه.




والمغرب أمام فرصة لقراءة الملف لا للخوف منه

بل إن المشروع، إذا طبق بنزاهة ودون انتقائية سياسية، قد يكشف حقائق ربما لا تناسب بعض من يحاولون توظيفه ضد المغرب.

فقد يتبين أن عدداً مهماً من المتقدمين يعيشون في العيون والداخلة والسمارة ويحملون الجنسية المغربية ويمارسون حياتهم الطبيعية داخل المملكة، وأنهم يطالبون بالجنسية الإسبانية باعتبارها حقاً شخصياً مرتبطاً بوثائق أسرهم وتاريخهم خلال الحقبة الاستعمارية، وليس باعتبارها إعلاناً عن موقف انفصالي.

وقد تظهر عائلات داخل الأقاليم الجنوبية تحمل وثائق إسبانية أكثر وضوحاً من بعض الملفات القادمة من مخيمات تندوف.

وقد يصبح الواقع نفسه أقوى رد على من يحاول احتكار صفة «الصحراوي» وربطها تلقائياً بالبوليساريو.

فالصحراوي ليس مرادفاً للانفصالي.

والصحراوي المغربي لا يفقد صحراويته لأنه مغربي.

وهذه ربما من النتائج السياسية غير المقصودة التي يمكن أن ينتجها القانون إذا تم تطبيقه وفق معايير قانونية موحدة على الجميع.

المطلوب مغربياً: اليقظة لا الانفعال

المغرب لا يحتاج إلى ضجيج مضاد، بل إلى متابعة دقيقة للنص النهائي، وللتعديلات التي قد يدخلها مجلس الشيوخ، ولطريقة تعريف المستفيد، وللوثائق التي ستقبلها الإدارة، وللوضع المتعلق بازدواج الجنسية، ولطريقة معالجة الملفات القادمة من تندوف، ولما إذا كانت أي جهة سياسية ستحاول الحصول على امتياز غير متاح للمواطنين الصحراويين المغاربة.

كما ينبغي متابعة الأرقام بعد بدء التطبيق لا قبل ذلك.

كم طلباً سيأتي من المغرب؟

كم طلباً سيأتي من الجزائر؟

كم شخصاً من المستفيدين يحمل الجنسية المغربية أصلاً؟

كم ملفاً سيستند إلى وثائق إسبانية أصلية؟

كم طلباً سيرفض بسبب ضعف الإثبات؟

تلك هي الأرقام التي ستصنع الحقيقة، لا رقم 80 ألفاً الذي يطوف اليوم بين العناوين.

الخميس ليس نهاية الملف… بل مرحلة أخرى فيه

الخميس المقبل سيكون محطة سياسية وتشريعية مهمة، ولذلك يستحق المتابعة، لكن لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل.

إذا وافق مجلس النواب، لا يعني ذلك أن 80 ألف شخص أصبحوا إسباناً في اللحظة نفسها، لأن النص ما يزال مرتبطاً بمراحل تشريعية أخرى، ثم بالنشر، ثم بدخول القانون حيز التنفيذ بعد الأجل المقرر، وبعد ذلك تبدأ الطلبات الفردية والفحص الإداري والقانوني.

إنها عملية يمكن أن تمتد سنوات.

ولهذا فمن الأفضل التعامل مع الخميس باعتباره يوماً في مسار بدأ قبل عقود وليس يوماً يولد فيه فجأة ملف جديد.

الخاتمة: لإسبانيا أن تسوي حسابها مع ماضيها… وللمغرب سيادته التي لا يمنحها جواز سفر ولا يسحبها

في النهاية، ينبغي إعادة الملف إلى حجمه الحقيقي.

«تجنيس الصحراويين» ليس قراراً بتغيير سيادة الصحراء، وليس تفويضاً للبوليساريو، وليس تجنيساً جماعياً لسكان تندوف، وليس إعلاناً إسبانياً جديداً في نزاع المغرب حول وحدته الترابية.

إنه ملف إسباني يعود بجذوره إلى مرحلة كانت فيها إسبانيا تدير الصحراء، ويمتد عبر الترتيبات الإدارية التي عرفتها المنطقة في الستينيات، ثم مرسوم سنة 1976 ومهلة الخيار التي انتهت في 1977، وصولاً إلى مشروع اليوم الذي تريد مدريد من خلاله إعادة فتح باب قانوني أغلق قبل نصف قرن.

وإذا كانت إسبانيا ترى أن لديها ديناً تاريخياً تجاه أشخاص عاشوا تحت إدارتها، فلتسدده.

وإذا كانت ترى أن إجراءاتها القديمة أضرت بهم، فلتصلحها.

وإذا أرادت منح جنسيتها لمن تتوافر فيه الشروط، فهذا شأنها السيادي.

لكن عليها، وعلى من يناقش المشروع داخل مؤسساتها، أن يميزوا بين تصحيح آثار استعمار إسباني وبين محاولة كتابة موقف سياسي جديد حول سيادة المغرب على صحرائه.

فالجنسية الإسبانية يمكن أن تغير جواز سفر شخص.

وقد تغير حقوقه داخل إسبانيا وأوروبا.

وقد تغير وضعه القانوني الفردي.

لكنها لا تغير خريطة المغرب.

ولا تمنح السيادة على الأرض.

ولا تسحبها.

ولا تجعل من مواطن صحراوي مغربي يحمل جوازاً إسبانياً خصماً لوطنه.

لهذا، قبل أن يتحول ضجيج الخميس إلى حقيقة مزيفة، ينبغي تثبيت الحقيقة البسيطة التي يختصرها تاريخ الملف كله:

إسبانيا تناقش اليوم آثار ماضيها في الصحراء، بينما سيادة المغرب على صحرائه قضية أخرى لا تُحسم ببطاقة هوية، ولا بجواز سفر، ولا بقانون جنسية يصدر من مدريد.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب ليس 12 جهة فقط… من سبتة ومليلية إلى الصحراء الشرقية ح ...
- تمزيق العلم المغربي ورفع شعارات «إسبانية سبتة ومليلية»… من ي ...
- مغاربة العالم… ملايين يصنعون صورة المغرب وقلة تقتات على محاو ...
- أوروبا تغلق أبواب الهجرة… ثم تبحث عن العمال من النوافذ..... ...
- من يطرق أبواب حكومة تستعد للرحيل يناضل في الوقت الضائع…. الم ...
- «سنطفئ المغرب في 24 ساعة»… صحيفة إسبانية تخوض حربًا لم يعلنه ...
- أمام الحياة الأبدية تذوب الحياة الفانية… ما الفرق بين ثراء ع ...
- هل تعلمون ؟... منذ 26 غشت دخلنا منطقة الحظر فهل دخلت معها ال ...
- براميل مقابل المواقف… حين يتحول النفط والغاز الجزائريان إلى ...
- الأدوية ليست سلعة عادية… اخفضوا الأسعار ولكن لا تجعلوا الدوا ...
- دفاعًا عن سراق الزيت… المتهم الذي حُكم عليه بالإعدام قبل أن ...
- حكايات مؤلمة من قلب الهشاشة .... مهن وخدمات مصنفة في المنطقة ...
- حكاية زر قميص الوزير… التفاصيل التافهة تلتهم قضايا الناس.... ...
- حكايات مؤلمة من قلب الهشاشة مهن وخدمات مصنفة في المنطقة الرم ...
- مذكرة وسيط المملكة تعيد سؤال الإدارة إلى الواجهة.. .. متى يص ...
- شتنبر موعدكم... لا تطلبوا من الملكية إصلاح ما قد تفسده التزك ...
- قصة وعبرة : أزمة الكرسي بين زعيم سياسي ومضيفه الاعلامي تعصف ...
- المعادلة الصعبة: الإضراب حق مشروع..
- المدارس الأوروبية والأمريكية بدأت تستعيد تلامذتها من قبضة ال ...
- ثورة الملك والشعب… محمد الخامس الذي حوّل عرشًا محاصرًا بالحم ...


المزيد.....




- السعودية.. مشاهد توثق الأضرار إثر الاستهدافات الحوثية (صور) ...
- فستان مكشوف وقبلات على السجادة الحمراء.. هكذا ظهر بروكلين بي ...
- خطط تحضرها السعودية للرد على هجمات الحوثي.. ماذا نعلم للآن؟ ...
- السيناتور تيد كروز لـCNN: الولايات المتحدة ليست في حالة حرب ...
- الخارجية الفلسطينية ترحب بقرار بريطانيا حظر بضائع المستوطنات ...
- هل في بيتنا -ابن مفضل-؟
- -حرب السفن- تشعل الشرق الأوسط مجدداً.. ضربات أميركية إيرانية ...
- -البديل من أجل ألمانيا- يتقدم في الشرق.. هل يتسع شرخ الثقة ب ...
- ردّد وهو يهذي: -أعيدوا إليّ جحافلي-!
- الدفاع الروسية: استهداف مراكز لوجستية يستخدمها الجيش الأوكرا ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - ضجيج إسباني عنوانه «ملف تجنيس الصحراويين» يدخل البرلمان الخميس المقبل ..... ملف يمتد من ترتيبات الإدارة الإسبانية للصحراء في الستينيات إلى مرسوم الجنسية لسنة 1976 ومشروع اليوم… مسار قانوني يخص الأفراد ولا علاقة له بسيادة المغرب على صحرائه