أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بوشعيب حمراوي - أمام الحياة الأبدية تذوب الحياة الفانية… ما الفرق بين ثراء عمر كامل وثراء حلم عابر ؟ ..















المزيد.....

أمام الحياة الأبدية تذوب الحياة الفانية… ما الفرق بين ثراء عمر كامل وثراء حلم عابر ؟ ..


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 09:25
المحور: قضايا ثقافية
    


أمام الحياة الأبدية تذوب الحياة الفانية… ما الفرق بين ثراء عمر كامل وثراء حلم عابر ؟

الرياضيات تقولها بوضوح: Lim (a/x)=0 عندما x→∞… حيث يمثّل «a» عمر الإنسان المحدود في الدنيا، ويمثّل «x» امتداد الحياة الأبدية نحو ما لا نهاية.

بقلم: بوشعيب حمراوي

ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نخرج من ضجيج الحياة قليلًا، وأن ننظر إليها لا بعين من يعيش داخل تفاصيلها اليومية، وإنما بعين من يرى بدايتها ونهايتها معًا؛ لأن كثيرًا مما يبدو لنا اليوم عظيمًا وضخمًا ومصيريًا، من مال وملكية وثروة وخصومة وربح وخسارة، قد يفقد جزءًا كبيرًا من حجمه بمجرد أن نضعه أمام الحقيقة الوحيدة التي لا يستطيع أحد تغييرها: أن عمر الإنسان محدود، وأن كل ما يقع داخله محدود بانتهائه.

نحن نقيس ثراء الإنسان بعدد السنوات التي عاشها مترفًا، ونقيس نجاحه بما امتلكه من أموال ومنازل وأراضٍ، ونقيس أحيانًا قيمته الاجتماعية بحجم ما راكمه، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصورة مختلفة هو: ماذا تبقى من ثراء رجل عاش ثمانين سنة كاملة في النعيم بعد أن أصبحت تلك الثمانون سنة كلها ماضيًا؟ وما الفرق، من موقع اللحظة التي انتهى عندها كل شيء، بينه وبين إنسان نام ليلة واحدة فرأى في حلمه أنه يملك القصور والثروات، ثم فتح عينيه فانتهى الحلم؟

قد يبدو السؤال لأول وهلة مبالغًا فيه، لأن من عاش الثراء ثمانين سنة لم يكن يحلم، بل عاش وأكل وسافر وامتلك واستمتع حقيقة، بينما الآخر لم يعش ذلك إلا في خياله لساعة أو ساعات؛ لكنني لا أقارن بين التجربتين وهما مستمرتان، بل أسأل عنهما بعد انتهائهما.
الأولى انتهت. والثانية انتهت. الأولى أصبحت ذكرى. والثانية أصبحت ذكرى.

وهنا تبدأ الرياضيات في قول شيء يستحق التأمل.

درس بسيط في النهايات قد يغيّر نظرتنا إلى عمر كامل
يتعلم تلميذ الرياضيات في درس النهايات قاعدة تبدو في ظاهرها مجرد علاقة حسابية بسيطة:
إذا كان a عددًا ثابتًا، وكان x يتجه نحو ما لا نهاية، فإن:

Lim (a/x) = 0 عندما x → +∞

ولتبسيط الأمر لغير المتخصصين، لنفترض أن العدد الثابت a = 100.
إذا قسمنا 100 على 10 نحصل على:

100 ÷ 10 = 10

وإذا قسمناه على 100:

100 ÷ 100 = 1

وإذا قسمناه على 1000:
100 ÷ 1000 = 0.1

وإذا قسمناه على مليون:

100 ÷ 1,000,000 = 0.0001

وكلما جعلنا المقام x أكبر وأكبر وأكبر، أصبحت النتيجة أصغر وأصغر وأصغر، مقتربة باستمرار من الصفر.
فماذا لو جعلنا هذا العدد الثابت a يمثل عمر الإنسان في الدنيا؟
لنكن أسخياء جدًا في الحساب.
لنفترض أن إنسانًا عاش 100 سنة كاملة.
مئة سنة من الأكل والسفر والعمل والزواج والأبناء والمال والنجاح والمرض والفرح والحزن والامتلاك.
مئة سنة تبدو بالنسبة إلينا عمرًا طويلًا جدًا.
لكن ضع هذه المئة أمام ما لا نهاية... ماذا تصبح؟
رياضيًا، إذا جعلنا a ثابتًا يمثل العمر المحدود، وجعلنا x يتجه نحو اللانهاية، فإن:

Lim (a/x) = 0

وهنا لا تعود المعادلة مجرد تمرين على السبورة.
تصبح سؤالًا في معنى الحياة نفسها.
عمرك هو «a»… وما لا نهاية له هو «x»
لنجعل سنوات حياتك في الدنيا هي العدد a.
ولنجعل امتداد الحياة الأبدية هو x.
عمرك معلوم ومحدود. قد يكون ستين عامًا. أو ثمانين. أو مئة.
لكنه في كل الحالات عدد محدود.
أما الأبدية، ففكرتها نفسها قائمة على غياب النهاية.
وحين تضع المحدود أمام غير المحدود، فإنك تدرك مدى ضآلة الأول بالنسبة إلى الثاني.
وهذا بالضبط ما تقوله النهاية الرياضية:

Lim (a/x) = 0 عندما x → ∞

لا يعني ذلك أن عمر الإنسان يساوي صفرًا في ذاته، ولا أن سنوات الدنيا بلا قيمة؛ بل العكس تمامًا، فهي ثمينة لأنها محدودة ولا تتكرر، وإنما المقصود أن حجمها النسبي أمام اللانهاية يتضاءل إلى حد مذهل.
ثمانون عامًا قد تكون بالنسبة إلينا حياة كاملة.
لكن ما قيمة ثمانين أمام ألف؟. ثم ما قيمة ثمانين أمام مليون؟.. ثم مليار؟.. ثم أمام زمن لا يوجد أصلًا رقم أخير يمكن أن نصل إليه ونقول عنده: انتهى؟
هنا تصغر الدنيا، لا لأنها بلا معنى، وإنما لأننا وضعناها أخيرًا أمام المقياس الذي يكشف حجمها الحقيقي.
إذا فهمنا المعادلة… فلماذا نعطي أشياء الدنيا قيمة اللانهاية؟

هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا.

إذا كان عمر الإنسان نفسه، بكل ما يحمله من أحداث، محدودًا إلى هذا الحد أمام الأبدية، فكيف يمكن أن تتحول قطعة أرض داخل هذا العمر المحدود إلى سبب لخصومة تستمر عشرات السنين؟
وكيف يتحول المال إلى غاية يستهلك الإنسان من أجلها عمره كله؟
وكيف يستطيع شخص أن يقضي سنوات يجمع ويكدس ويحسب ويمنع ويخاصم، وكأن الثروة ستخرج من حدود العدد a وترافقه إلى مجال x؟
المعادلة لا تقول للإنسان: لا تعمل. ولا تقول له: لا تنجح. ولا تقول: لا تكن غنيًا. بل تقول له شيئًا أكثر عمقًا: لا تخلط بين المحدود واللامحدود.. لا تمنح شيئًا ينتهي مع حياتك قيمة الشيء الذي لا ينتهي.. ولا تجعل الوسيلة أكبر من الغاية.
ولا تجعل مالًا سيغادر يدك عاجلًا أو آجلًا يدفعك إلى خسارة شيء قد تكون قيمته أبعد من المال نفسه.

اسألوا الأثرياء كبار السن: أين ذهبت كل تلك السنوات؟
اسأل رجلًا بلغ الثمانين وكان ثريًا منذ شبابه: أين أول سيارة فاخرة قدتها؟. وأين البيت الأول الذي اشتريته؟ وأين الرحلة التي سافرتها قبل خمسين سنة؟. وأين الفندق الذي أقمت فيه؟. وأين الوليمة التي أنفقت عليها مالًا كثيرًا؟..وأين فرحة الصفقة التي ربحتها سنة كذا؟
سيقول لك عن معظم ذلك: كان.
وهذه الكلمة الصغيرة مخيفة:كان.
كان لدي بيت...كانت لدي سيارة..كنت أسافر..كنت شابًا..كنت أملك.
كنت أستطيع. لقد تحولت عقود كاملة إلى فعل ماض.
واسأله عن شبابه، فقد يحدثك عنه وكأنه مر بالأمس؛ لأن عشرات السنوات، حين ننظر إليها من آخر الطريق، تنكمش بصورة لا نشعر بها ونحن في بدايته.
فالطفل يرى السنة طويلة. والشاب يعتقد أن أمامه عمرًا لا ينتهي.
والشيخ ينظر خلفه فيرى سبعين عامًا وكأنها عبرت بين نوم واستيقاظ. وهنا يصبح سؤال الحلم أكثر قوة.

رجل عاش ثريًا ثمانين عامًا… ورجل كان ثريًا ليلة واحدة في حلمه
تخيل رجلين.
الأول عاش ثريًا عشرات السنين، امتلك البيوت والسيارات والأموال، وأكل ما اشتهى، وسافر حيث أراد، ونام فوق أفخم الأسرّة. والثاني رجل فقير نام ليلة، فرأى في منامه أنه أصبح ثريًا جدًا، وأن لديه قصرًا وخدمًا وسيارات وأموالًا لا تنتهي، وعاش داخل حلمه لذة الشعور بالثراء كاملة، ثم استيقظ صباحًا فلم يجد شيئًا.

أثناء التجربتين هناك فرق واضح. الأول عاش ثراءً حقيقيًا وفق مقاييس الدنيا. والثاني عاش ثراءً في الحلم.
لكن دعونا لا نقارن بينهما أثناء استمرار التجربة.
دعونا نقارن بينهما بعد انتهائها.
الثري الأول وصل إلى نهاية العمر. انتهت السيارات..انتهت القصور..انتهت الولائم..انتهت الحسابات بالنسبة إليه..انتهى إحساسه اليومي بامتلاكها.
وصاحب الحلم استيقظ..انتهى القصر..انتهت السيارات..انتهت الأموال.انتهى الحلم.

كلاهما يستطيع الآن أن يقول فقط: لقد كان ذلك موجودًا في زمن مضى. هذا عاشه ثمانين سنة. وذاك عاشه ساعات.
لكن إذا كان أمام الاثنين امتداد لا نهاية له، فماذا تمثل ثمانون سنة أمام اللانهاية، وماذا تمثل ثماني ساعات أمامها؟
حتى الفرق بين الثمانين سنة والثماني ساعات يذوب أمام اللانهاية
وهنا نعود إلى الرياضيات، لأن الرياضيات هذه المرة تمنح السؤال وضوحًا أكبر.
لنفترض أن:

a₁ = 80 سنة

وأن:

a₂ = 8 ساعات

الفرق بينهما داخل مقاييس حياتنا هائل.ثمانون عامًا ليست ثماني ساعات. ولا يمكن رياضيًا ولا واقعيًا أن نقول إنهما متساويتان في الدنيا. لكن ماذا يحدث عندما نقارن كل واحدة منهما بما يتجه نحو اللانهاية؟

لدينا:

Lim (a₁/x) = 0

وكذلك:

Lim (a₂/x) = 0

عندما:

x → ∞

وهذه هي الفكرة التي أريد الوصول إليها. ليس معنى ذلك أن ثمانين عامًا وثماني ساعات متساويتان حسابيًا.
بل معنى ذلك أن كلتيهما، حين تُنسبان إلى اللانهاية، تؤول نسبتهما إلى الصفر.
وهنا تصبح المفارقة مدهشة: الفرق الذي يبدو لنا هائلًا داخل الدنيا يفقد ضخامته عندما يتغير مقياس المقارنة من العمر المحدود إلى الأبدية.

ومن هنا أقول: إذا انتهى ثراء الاثنين، وإذا كانت أمامهما حياة أبدية، فما الفرق في النهاية بين من عاش الثراء عمرًا كاملًا ومن عاشه في حلم ليلة؟
الفرق كان كبيرًا وهما داخل الزمن. لكنه يصغر كلما ابتعدنا عن ذلك الزمن. ثم يصبح أمام اللانهاية شيئًا متناهي الصغر.
الثراء الحقيقي ليس أن تجعل «a» ممتلئًا… بل أن تفكر فيما بعده
وهنا لا يصبح السؤال: هل كنت غنيًا أم فقيرًا؟
بل: ماذا صنعت خلال العدد المحدود الذي أعطي لك؟
فقد يعيش إنسان فقيرًا، لكنه يعطي من القليل الذي عنده، ويسامح الناس، ولا يحمل الحقد، ويرحم مخلوقات الله.
وقد يعيش آخر ثريًا، لكنه يجعل ماله سببًا للغرور والقسوة وقطع الناس. فأي الاثنين كان أغنى حقًا؟

إذا كان الاثنان سيتركان المال، وإذا كانت سنوات الرفاه كلها ستتحول إلى ذكريات، فإن الثروة التي تستحق أن ينشغل بها الإنسان ليست فقط ما يستطيع جمعه داخل a، وإنما ما يستطيع أن يجعل له قيمة بعدما تنتهي a.

ومن هنا تصبح العبارة بسيطة: كن سخي العطاء مع الناس، لأن المقابل قد لا يأتيك من الناس، ولكنه يأتيك من خالق الناس.
لا تجعل معروفك تجارة. ولا تنتظر من كل إنسان أحسنت إليه أن يرد إحسانك.
فالناس قد تنسى. وقد تتغير. وقد تعجز عن رد الجميل.
لكن ما قدمته من خير لا يفقد قيمته لمجرد أن البشر لم يعوضوك عنه.
التسامح أيضًا مسألة حساب… فلماذا تنفق من «a» على الحقد؟
إذا كان عمرك هو a، وهو عدد محدود، فكل سنة تنفقها في الحقد تُقتطع من هذا العدد الذي لن يزيد.
حين تحمل خصومة عشر سنوات، فأنت لم تعاقب خصمك فقط؛ بل أنفقت عشر سنوات من رصيدك المحدود على خصومة.
وحين تضيع ليلة كاملة غاضبًا، فقد خسرت جزءًا من a.

والعمر لا يسمح بإعادة الحساب.لا تستطيع بعد بلوغ الثمانين أن تقول: أعيدوا إليّ السنوات الخمس التي ضيعتها في كراهية فلان. ولا تستطيع شراء شهر من الشباب بالمال الذي جمعته في الشيخوخة.
لذلك: كن مسامحًا مع الناس، لأن التسامح يكسبك حب الناس، ويحرر ما بقي من عمرك من حمل لا فائدة منه.
فالحقد استثمار سيئ جدًا في زمن محدود.

حتى النملة والنحلة تذكرانك بوهم الملكية

وقد تبدو النملة بعيدة عن درس النهايات، لكنها ليست بعيدة عنه كما نتصور.
تبني بيتًا فوق قطعة أرض، فتحصل على وثيقة تقول إن المنزل ملك لك، وهذا حق معتبر بين البشر.
لكن هل أصبحت الأرض بهذا ملكًا لك في نظام الكون؟
النملة لا تعرف وثيقتك. والنحلة لم تحضر عقد الشراء.
وكل كائن مسالم دخل بيتك لا يعلم أن البشر اجتمعوا يومًا واخترعوا نظامًا اسمه الملكية العقارية.
ملكية المنزل تنظيم صنعه البشر، أما الأرض التي بنيت عليها المنزل فهي من خلق الله، وقد كانت قبل عقد ملكيتك، وستبقى بعد انتهاء عقد حياتك.
وأنت نفسك، صاحب الرسم العقاري، لست خالدًا فوق تلك القطعة.
ستأتي إليها يومًا وقد جئت بلا شيء، وستغادرها يومًا تاركًا كل شيء.
فلماذا تتحول الملكية المؤقتة إلى ترخيص بالقسوة على كل كائن صغير مر بالمكان؟
لا تكن عنيفًا مع نملة أو نحلة أو كائن مسالم لم يؤذك.
أبعده إن احتجت. أخرجه من منزلك إن أردت. لكن لا تجعل قدرتك على قتله سببًا لقتله.
فحتى هذه الرحمة الصغيرة قد تكون جزءًا مما فعلته داخل a القصيرة التي مُنحت لك.
نحن لا نملك الأرض… نحن نمر فوقها قد يملك شخص أرضًا خمسين سنة. ثم يموت فيرثها أبناؤه. ويموت الأبناء فتنتقل إلى الأحفاد. ثم تباع لشخص آخر.
فمن كان المالك الحقيقي؟
كل واحد منهم كان مالكًا وفق قانون عصره، لكنه في ميزان الزمن لم يكن سوى مستعمل مؤقت لجزء من أرض عمرها أطول من عمره بما لا يقاس.
وهنا يظهر غرور الإنسان عجيبًا: يكتب اسمه فوق الأرض ويقول «ملكي». ثم يموت. ويبقى التراب.كأن الأرض تقول في صمت:
مر قبلك غيرك ممن قالوا الجملة نفسها. وسيأتي بعدك آخرون يقولونها.

في النهاية… ماذا يريد أغنى إنسان؟

قد يقضي الإنسان خمسين عامًا ليضيف بيتًا إلى بيت، وأرضًا إلى أرض، وصفرًا إلى حساب، ثم يصل إلى مرحلة من العمر يتغير عندها معنى الثراء كله.
اسألوا كبار السن، وخصوصًا من عاشوا الثراء طويلًا.
هل يتمنى أحدهم وهو في أواخر أيامه سيارة خامسة؟
أم يتمنى يومًا إضافيًا بصحة جيدة؟
هل يحتاج إلى قصر أكبر؟
أم إلى ليلة ينامها بلا ألم؟
هل تشغله مساحة الأراضي التي يملكها؟
أم مساحة الزمن الذي بقي له؟

هناك، قرب نهاية a، تنهار مقاييس كثيرة كانت تبدو ثابتة في بدايتها.
ويكتشف الإنسان أن المال الذي يستطيع شراء آلاف الأشياء لا يستطيع شراء الرقم الأهم:
زيادة عمر a بوحدة واحدة عندما يحين أجله.
الثراء الأخير… مرقد بسيط
وهكذا نصل إلى المفارقة الأخيرة.
يقضي الإنسان حياته كلها يبحث عن المساحة الأكبر. منزل أكبر.
أرض أكبر. رصيد أكبر. مكتب أكبر. ثروة أكبر.
ثم لا يحتاج جسده في نهاية رحلته إلا إلى مرقد بسيط.
وهنا ربما يوجد المعنى الأشد قسوة والأشد جمالًا في الوقت نفسه:
أن الثراء ليس أن تقضي a القصيرة كلها تجمع ما ستتركه عند نهايتها، بل أن تعمل خلالها من أجل الوصول إلى ذلك المرقد البسيط وقد تركت وراءك خيرًا أكثر مما تركت أذى، وقلوبًا تحبك أكثر من قلوب تألمت بسببك، ودعوات أكثر من الخصومات.

لذلك أعطِ الناس. فليس كل ما تعطيه خسارة. وسامح الناس. فليس كل تنازل هزيمة. وارحم النملة والنحلة والكائن المسالم. فالأرض التي تمشي فوقها لم تخلق لك وحدك، وملكيتك عليها مؤقتة بقدر عمر a الذي منح لك.
وكلما أغراك مال أو ملك أو ثراء بأن تعتقد أن الدنيا اتسعت لك إلى ما لا نهاية، عد إلى السبورة، واكتب ببساطة:

Lim (a/x) = 0 عندما x → ∞

ثم قل لنفسك:

a هو عمري في الدنيا.

عمر محدود، مهما طال.

وإذا كان أمام هذه الحياة المحدودة امتداد أبدي لا نهاية له، فإن ثمانين سنة من الثراء ستصبح يومًا ماضيًا، كما تصبح ليلة الحلم ماضيًا، وسيختلف طول التجربتين داخل الدنيا، لكنهما أمام اللانهاية تؤولان معًا إلى الضآلة نفسها.

وعندها قد نفهم السؤال الذي لا يتعلق بالفقر أو الغنى بقدر ما يتعلق بحقيقة الزمن:

ما الفرق، بعد أن ينتهي كل شيء، بين رجل عاش ثريًا طوال عمره ورجل عاش ثريًا في حلم ليلة واحدة؟
كان الأول يقول وهو يعيش: أنا ثري.
وكان الثاني يقول وهو يحلم: أنا ثري.
ثم انتهى عمر الأول واستيقظ الثاني.
فأصبح كلاهما يقول: كنت.
وبين «أنا» و**«كنت»** تختبئ فلسفة الدنيا كلها.
أما الثراء الذي يستحق أن نبحث عنه حقًا، فهو أن نحسن استثمار ذلك العدد الصغير المسمى a، حتى إذا انتهى الحساب وتركنا البيوت والأموال والأراضي لأصحابها الجدد، وجدنا لأنفسنا مرقدًا بسيطًا… لكنه غني بما قدمناه من عطاء، وبما تركناه من تسامح ورحمة وخير.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تعلمون ؟... منذ 26 غشت دخلنا منطقة الحظر فهل دخلت معها ال ...
- براميل مقابل المواقف… حين يتحول النفط والغاز الجزائريان إلى ...
- الأدوية ليست سلعة عادية… اخفضوا الأسعار ولكن لا تجعلوا الدوا ...
- دفاعًا عن سراق الزيت… المتهم الذي حُكم عليه بالإعدام قبل أن ...
- حكايات مؤلمة من قلب الهشاشة .... مهن وخدمات مصنفة في المنطقة ...
- حكاية زر قميص الوزير… التفاصيل التافهة تلتهم قضايا الناس.... ...
- حكايات مؤلمة من قلب الهشاشة مهن وخدمات مصنفة في المنطقة الرم ...
- مذكرة وسيط المملكة تعيد سؤال الإدارة إلى الواجهة.. .. متى يص ...
- شتنبر موعدكم... لا تطلبوا من الملكية إصلاح ما قد تفسده التزك ...
- قصة وعبرة : أزمة الكرسي بين زعيم سياسي ومضيفه الاعلامي تعصف ...
- المعادلة الصعبة: الإضراب حق مشروع..
- المدارس الأوروبية والأمريكية بدأت تستعيد تلامذتها من قبضة ال ...
- ثورة الملك والشعب… محمد الخامس الذي حوّل عرشًا محاصرًا بالحم ...
- من سيكون رئيس الحكومة؟.. الجواب يبدأ من المعزل وليس من التكه ...
- عيد الشباب .. سبعون سنة من رهان المغرب على شبابه.. من شباب ح ...
- للأسف : لا نحتاج إلى أعداء… نحن نتكفل بالباقي .... نترصد أخط ...
- القانون المتعلق بحماية الحيوانات الضالة بلا أرضية للتنفيذ .. ...
- مضيق هرمز على حافة الانفجار.. حرب إيران وأمريكا تهدد العالم ...
- الجزائر الغنية التي ينهكها نظامها: ثروات هائلة وشعب محروم ود ...
- ابتسم… فقد تكون ابتسامتك أجمل شيء تهديه لنفسك وللعالم من الط ...


المزيد.....




- خبراء روس: قمة -شنغهاي- في بيشكيك قد تُدخل تعديلات على ميثاق ...
- لندن تلوح لإسرائيل بسيف العقوبات
- موسكو: سفارتنا في ستوكهولم تعرضت لـ25 هجوما بالمسيّرات خلال ...
- الولايات المتحدة.. مقتل شخصين وفقدان ثالث بفيضانات اجتاحت أر ...
- الحرس الثوري يعلن استهداف ناقلة تحت عين الحراسة الأمريكية
- معمر القذافي وأسطورة نسب الدم الكورسيكي!
- -شاومي- تكشف عن أول شريحة للقيادة الذكية بتقنية 3 نانومتر من ...
- ما سبب قلق نتنياهو؟
- معركة داؤود وجالوت: إسرائيل تطرد الأوروبيين
- واشنطن تعوّض في فنزويلا ما خسرته في الشرق الأوسط


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بوشعيب حمراوي - أمام الحياة الأبدية تذوب الحياة الفانية… ما الفرق بين ثراء عمر كامل وثراء حلم عابر ؟ ..