|
|
تقاسمُ الحِكمة
نورالدين حنيف
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 14:10
المحور:
الادب والفن
يقدّم الشاعر "سعيد فكاكة" النازح من مدينة "تارودانت" مشروعه الفني داخل جبهتيْن: واحدة يتألّق فيها بحرفٍ نوعيٍّ ضارِبٍ في الوجدان الشعبي عبر إبداعه اللهجيِّ القائم على الإخلاصِ لنسْغِ التراب الروداني. و ثانيةٌ يُسهم من خلالِها في تأثيثِ فضاءات الزجل عبر ربوع الوطن وهو يمسِكُ بجودة الحرف للإسهام في بناء منظومة لهجية تتعالى على أصواتِ الرّداءة لتعانق سديم الفنّ في عوالمِ الزجل الحقيقي و الماسك بجوهر القول في فنّ القول. - زجل التقاسم: الشاعر سعيد فكاكة لا يبني بزجله قلعات معزولة من الفن السديمي العائم في ضبابيات المتخيل الحالم. و هو لا ينفصل عن الآخر، سواء أكان قارئًا أم كان شاعرا أم ناقدا أم متذوّقا... إنه زجلُ التقاسم الّذي يربط بين الذات و الغير في بناء المنظومة و اجتِناء لذائذها. (آجي قرّبْ عمّرْ الحلقَة مْعانا تزْهى و تْفوّجْ تسمعْ شلّا هْتوفْ يهْنا الْبالْ تْباتْ الدّاتْ فرْحانَة) يبني الشاعربالزجل جسور تواصل بينه كمتكلم بالفن اللهجي و بين المتلقّي لهذا الفن. في دعوةٍ واضحةٍ لممارسة العمار الفنّي (عمّرْ الحلقة)، اعتبارًا لشرط اكتمال نسغِ الحلقة التي نعتبرها ملفوظًا تجاوز مفهوم الدائرة الصغيرة التي تضمّ مجموعة من المتفرجين على عرضٍ شعبويٍّ معيّن، إلى دائرة كبرى هي الحياة التي تستدعي أن نعمرها جميعًا كلٌّ حسب طاقته. من هنا قوة الزجل عند سعيد فكاكة الّذي يتعامل بذكاء مورِّط مع الظاهرة الاجتماعية. ذلك أن المكتسب الزجلي لا يخصه وحده، بل يخص غيره، و هو و الغير يتساويان في قضمِ لذّة الزجل و تداعيات هذه اللذّة (الزْهو و التفواجْ و لهتوفْ و لهْنا و الفرحة و...). فتموت بذلك النزعة البرناسية القائلة بالفن للفنّ في انطوائية سالبة تعزل الفنّ عن المتلقي و لا تعتبرهُ لا من قريبٍ أو من بعيد، كما تموت النزعة الفردانية التي تتقوقع على خصوصيتها في انغلاقٍ نسقيٍّ أو في نسقٍ مغلقٍ يستمتِعُ بذاتِهِ وحدها، ولا يُبشّر بانفتاح أو شبهِ انفتاح. - زجل التقويم: و الزجل في منظور الشاعر (س. ف) ليس ثقافة تدور حول ذاتِها في خواء وظيفي. الزجل هنا فعلٌ إبداعيٌّ يتجاوزُ مجال استيطيقا الجمال إلى وظيفة الجمال. من هنا خروج الشاعر إلى مهمّة الفن التي تقوم على التقويم والتصحيح و التعديل و التصويب و غيرها من أفعال التربيب للمتلقي في شتّى مناحيه و نواحيه. قال الزجال (س.ف): (لابدْ يومْ حرفكْ يسڭّمْ الوْقُوفْ) على اعتبار أن الأصل في الإنسان هو التعثّر، و الميلُ إلى السقوط... ويكون في مسارِ و صيرورةِ وجودهِ محتاجًا إلى ما يقوّم مشيتَه الوجودية، و يراقبها و يحميها من الزلل. يحوّل الشاعر (س.ف) مجرى الاستمتاع بفن الزجل من الفن إلى وظيفة الفن، و من ثمّة فالزجل الّذي لا يقوّم وقفة الإنسان هو زجل لابد أن نعيد فيه النظر. و التقويم هنا وجدناه يمتحُ مادّتَه من فعل دارجٍ ولهجيٍّ مشبَعٍ بحمولته الشعبية الضاربة في الوجدان المغربي: (يسڭّمْ) و هو مضارع من فعل (سڭّمْ) النازح من التوارد اللغوي مع العربية المعربة (قوّمَ وأقامَ واستقام). فتأتي تلكم (الڭّافُ) اللهجية العجيبة بحمولتها الصوتية المتميّزة، لتلقيَ بظلالِها على المعنى فترفده بالدلالة في أقصى معانيها وفائض معانيها، أكثر ممّا لو استعمل الشاعر فعل (قوّمْ) بالدارجة. إلا أن الأمر مختلف جدّا بين مفردة غائرة في الشعبية وأخرى ماتحة مادّتها من اللسان العربي... هذا الاختيار لطبيعة المفردة الضاربة في لغة المرڭد هو الفيصلُ بين زجلٍ وزجل، و في كلٍّ خير، و في كلٍّ جمال... و التقويم هنا أو (التسڭامْ) لا يقف عند حدود الوقفة الثابتة للقصيد اللهجي، بل يتجاوزه إلى صناعة البصمة الخاصة به داخل ثراءِ و غِنى الموجودات اللهجية في فن الزجل، بحيث يجد القصيد مكانه لا من باب المقارنة من أجل الإقصاء، و لكن من باب المفاضلة من أجل التنويع. فلا حق لقصيدٍ أن يدّعيَ التفوق و ملكية الجودة، لأن فوق كل ذي علمٍ عليم وفوق كل زجّال ماهرٍ زجّالٌ أمهر... و الفضل هنا متعلّقٌ بالبصمة التي لخّصَها الشاعر (س.ف) في شرطيْن: هما شرط ( الْهمّة) ثمّ شرطُ (الرْزانَة) ملمّحًا إلى تجنّب الطيشِ والخبلِ والميوعة في بناء أيّ مشروع زجلي لشاعر أو شاعرة رامَ أو رامتْ جودةً و تميّزًا في المجال. - زجل القطيعة و الوصل: ينظم الزجال (س.ف) زجله في سِمتَيْن تداوليَتَيْن: واحدةٌ ترقى بالذوق الفنّي إلى مراتب الشِّعرية حيث استيطيقا الكلام عبر الانزياحات البلاغية الممكنة، و ثانيةٌ تتوسّل اللهجةَ أداةً لنقل هذه الحمولة الذوقية والبلاغية. و بين هذه وتلك يظنّ القارئ الساذج أن الزجلَ هو نظمٌ في مكنةِ أيٍّ كانَ أنْ يتذوّقه ويستوعب أبعاده الدلالية و دلالاته البعيدة. من هنا نفهم مقولة القطيعة والوصل التي تعني في منظورنا النقدي ما يلي: 1 يمارس الزجال (س.ف) قطيعةً مع القارئ العادي عبر الارتقاء بالملفوظ اللهجي من لغة التخاطب اليومي إلى لغة الشعر. فلا يستطيع تذوق الكلام إلا قارئٌ متمكّن من رصيدٍ ثقافيٍّ في الأقلّ الضروري، يسعفه في فكّ رموز الزجل الماتح مصداقيته الفنية من التوسّل ببلاغة الكلام و سباحته في جميل و عميق الانزياحات التي تحلّق عبر المخيال الشعري بالذائقة الممكنة. 2 كما يمارس الزجال (س.ف) شرطَ الوصل لأنه يستعمل لغةَ العامّة ولهجتهم، و بالتالي فهو يتواصلُ معهم في مقاربةِ وجدانهم و حياتهم المباشرة. إلا أن هذا الوصل لا يعني ابتذال الكلام إلى درجة الإسفاف نزولًا عند عيون المتلقي الشعبي، بقدر ما الأمر متعلّقٌ بدعوةٍ ضمنيّة إلى هذا الوجدان أن يرقى إلى جمالية الزجل حتى لا يسقط الإبداع في مقولة الرداءة النابعة من اعتبار البعض أن الزجل أمر سهلٌ اقْتِرافُهُ مادامَ يُصاغُ بالدارِجة... و هذا عطب في الرؤية الفنية الظالمة للزجل ولأهله أيّما ظلم. من هنا شموخُ الحرف الزجلي عند (س.ف) و سموقِهِ في أزمنة القطيعة الفنية: (يا الحرف يا شامخ لقدرْ يا سلطان لمعاني تاجْ الملاحْ) في مقابل عوم الحرف الزجلي في ماء المتلقي، في أزمنةِ الوصل التخاطبي: (يا الْقاري سْطوري كلنا ف سْفينة مْواجها عالية حالْها ما يشبهْ حالْ) - زجل الحكمة: لا يرغب الشاعر (س.ف) في القول من أجل القول، ثم مغادرة الميدان تاركًا خلفهُ حمولةً زجليةً تفرحُ داخل المنابر و حفلات التوقيع وبهرجات التصفيق. الزجال (س.ف) يرومُ تثبياً لفعل القول اللهجيِّ لديه، لا في كراسات الورق، بل في ضمائر الناس و وجدانهم... من هنا ميلهُ إلى بناء الزجل داخل احتفالية الحكمة التي تسري في عروقِ المتلقي عبر تاريخ التجلّي. إن طبيعة البناء اللغوي، و بعبارة أدق (البناء اللهجي) عند الشاعر (س.ف) تنحو منحى التعزيز لمضامين القول في الذاكرة الشعبية. و هو بناءٌ يتوسّلُ الخطفَ في التعبير البعيد عن الإسهاب المُمّلّ و الداعي إلى النسيانِ. فالحكمةُ و الذاكرةُ وجهان لعملة واحدة، و من ثمّةَ جاء بناء العبارة الزجلية في هذا الديوانِ بناءً ذكيًّا يراعي شروطَ التلقّي والتداول: 1 - شرطُ الكثافة اللغوية: و هو المتعلّق بشحن كثيرِ المعنى في قليل اللفظ. فتأتـي العبارة مشحونَة بالدلالة أكثر من شحنِها بالمعنى. قال الشاعر: (هيَ الشّبْهة ساكنَة بين الحرامْ ؤ الحلالْ) (الخيّالْ الحرْ مْكانو وسط السّرْبة) (الشّوفة لمْعاوْدة ما تبرّدْ الدّاتْ الملهوفَة) (العطشْ ما يطْفِيهْ الْما من بْحر مالحْ) (الحرفْ هْيامْ عْطية، لِيهْ ناسُو) 2 - شرطُ الانسيابية: و هو المتعلق باختيار المفردات المتجاورة والمتعالقة بينها في انسجام صوتي ينساب مثل رقراق الماء دون تعثّرٍ أو عيّ. و الأمثلة في هذا المقام غزيرة جدًّا نكتفي فيها بما يلي: (ساسْ سْطورها قْوِي، صحّة ومْتانَة) (يا حرْفِي يا الوردْ الحرْ نْسايمْ الياسْمينْ من جْناحكْ فاحْ) 3 – شرطُ الموسيقى: فضلًا عن التزام الشاعر الزجال (س.ف) بأوزان (لمْبِيّتْ) عبر تقنية صِواتية مبهرة هي (فْراشْ ؤُ غْطا)، و فضلًا عن إخلاصه الجمالي لوحدة الروي، فإن نظمَه اللهجي يخلصُ لنسغِ الشّعر في تجلّيهِ الخالص، و لا أدلّ على ذلك من حضور هالاتِ الموسيقى الآخذة في انسِرابِها في وجدان المتلقي عبْر مسربيْن: واحِدٌ متعلّقٌ بقدرةِ الأبنية الإيقاعية على ممارسة التشنيفِ السمعي القادر على نقل السامع إلى فضاءات المحكي في قصائد الزجال (س.ف)... و ثانٍ مرتبطٌ بقدرة الاختيارات الموسيقية، و منها تقنيات التوازي و التقابل و التجانس و التكرار الوظيفي و غيرها، على نقل المتلقّي من حالات الاستمتاع إلى حالات الاعتبار. و نضرِبُ لذلك شواهدَ تمثيلية لا حصرية، ذاك أن الديوانَ غتنيٌّ و غزيرٌ في هذا البعد الموسيقي: (حرفي هو رقّاصِي صبعانْ لِيا تْشِيرْ هدا يكونْ اللّوّلْ هدا يكونْ خْتامْ) (حْروف يقْراها الصْحيحْ و يسمعها لبْصيرْ قْياسْ و رنّة هْديو لمْوالِيعْ لكْلامْ) - خاتمة: و الأمثلة على ذلك حدّث و لا حرج. يبقى السؤال مفتوحًا في مقاربة زجل الشاعر العميق (س.ف) داخل مقاربات تختار فيه بعدًا آخر من أبعاده المتعددة، سواء تعلّق الأمر بالتركيب أم بالبلاغة أم بالترميز... ذلك أن زجله يشكل استثْناءً قويّا في مضمارِ فن الزجل، لاعتبارات بعيدة عن التعاطف الوجداني، و منها اغترافُ شعرِه مادتَه من قلب التراب الروداني الذي حافظ و يحافظ على نسغِهِ في غيرِ ابتذالٍ أو إسفاف... و بمعنى آخر، فالزجال (س.ف) يمثّل حساسيةً فنيّةً قادرة على اعتلاء منابر الزجل في إشراقاته الإبداعية الممكنة داخل التعدد اللهجي المغربي، إضافةً نوعيّةً لا تكرر ذاتَها و لا تنسخُ غيرَها، و إنّما تثبِتُ أصالَتَها من باب الكتابة الحرّة و المستقلّة بامتياز، والباصِمة باقتِدار وجدانَ المتلقي المغربي ببصمتِها الخاصّة.
#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجسد يُنتج القيمة
-
اِهْمِسْ كيْ أسْمَعَك
-
اِهْمِسْ كيْ أسْمًعَك
-
اِسْتِعارَةٌ مَائِيّة
-
تأويلُ الجسدِ في فنّ الأيكيدو
-
وِصايَة
-
في الكذب السياسي
-
كِتابةُ التشيّؤ
-
شاعِرٌ قُدّتْ أنامِلُهُ منْ بَهْجَة
-
كِتابةُ الْعَراء
-
بين المحْوِ والنّسْيان
-
بين الحق و الجمال
-
الجسد العلماني
-
مقدمة في قصيدة النثر
-
شاعريةُ الجسد
-
سيكولوجية الذاكرة الانتخابية
-
الوهمُ عندما يكونُ صديقًا
-
كِتابةُ الْموت
-
كتابة الموت
-
السياسة لا تقبل الفراغ
المزيد.....
-
-المنتقمون: نهاية اللعبة- يستعيد صدارة شباك التذاكر العالمي
...
-
أسرار قرن ونصف تكشفها أعمال ترميم -ألفية روسيا- في كرملين نو
...
-
سبعة كتّاب عرب بينهم ثلاثة سوريين في بورصة التكهنات بنوبل لل
...
-
رصد 308.3 مليار روبل للثقافة والسينما في الموازنة الروسية 20
...
-
فيلم من ظلال زمن الأسد يتطلع إلى الأوسكار
-
فيلم -ملفات بيبي- يغزو البرلمان الأوروبي: وثائقي يكشف كواليس
...
-
اتهامات للفنان المصري أحمد سعد بالنصب
-
على طريقة فيلم المدمر.. إخراج أسطول روبوتات عن الخدمة بصهرها
...
-
المعلمون الأوائل لعمالقة الأدب الروسي.. رحلة تعليم بوشكين ول
...
-
-الأمير الصغير- يعود إلى الشاشة برؤية سينمائية جديدة
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|