أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - بشرى الهلالي - لعنة حواء














المزيد.....

لعنة حواء


بشرى الهلالي

الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 00:50
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


لا أحد يستطيع الجزم إن كانت حواء، أمّ البشرية، تعرف الماكياج، أو تلوّن خديها وشفتيها، أو تضع الكحل في عينيها. ولا نعرف إن كانت قد مارست الطبخ، أم اكتفت بما يصطاده آدم، ولا إن كانت قد انشغلت بالملابس والموضة، سوى ما تقوله الحكاية عن ورق التوت الذي أخفى عورتيهما. كل ما نعرفه أن الأسطورة لم تخبرنا شيئًا عن هذه التفاصيل، ومع ذلك يبدو أن بعض الإعلام قرر أن يجعلها جوهر حكاية المرأة منذ الأزل وحتى اليوم.
لقد تغيّرت الأزمنة، وخرجت المرأة من هامش الحكاية إلى متن التاريخ، كتبت وأبدعت وقادت وخاضت الحروب، وأسهمت في صناعة التحولات السياسية والعلمية والفكرية. ومع ذلك، ما يزال الإعلام العربي، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يتعامل معها أحيانًا كما لو أن كل هذه التحولات لم تحدث، وكأن مهمتها الأزلية أن تكون نسخة محسّنة من حواء: أجمل، وأكثر أناقة، وأمهر في إعداد الطعام.
يكفي أن نتأمل البرامج والصفحات التي تحمل لافتة "المرأة". كثير منها يبدو كأنه مساحة أُضيفت إلى محتوى ذكوري لرفع الحرج، لا اعترافًا بأن للمرأة قضايا تتجاوز المرآة والمطبخ وخزانة الملابس. وكأن وجودها الإعلامي يحتاج إلى رخصة، شرطها ألا تبتعد كثيرًا عن الصورة التي اعتاد المجتمع استهلاكها.
ليس الاعتراض على الموضة أو الطبخ أو الماكياج، فهذه اهتمامات مشروعة. الاعتراض هو أن تتحول التفاصيل إلى تعريف، والاختيارات إلى أدوار مفروضة، وأن يُختزل عالم المرأة في وصفات ونصائح حتى يبدو كأن لا شيء آخر يستحق أن يُقال عنها أو معها. المشكلة ليست في أن تتعلم المرأة كيف تضع أحمر الشفاه، بل في أن يظل الإعلام عاجزًا عن رؤية ما وراء شفتيها.
ثم إن هذه المعرفة لم تعد حكرًا على الإعلام أصلًا. فقد أتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها يوتيوب، للنساء ما يكفي من مواد الجمال والطبخ والأزياء. وفي المقابل، كشفت هذه المنصات عن نساء لامعات في العلم والأدب والفن والفكر، وعن تجارب تستحق الإصغاء لا لأنها نسائية فحسب، بل لأنها تضيف شيئًا إلى المعرفة الإنسانية.
ومع ذلك، ما يزال بعض الإعلام يتصرف كما لو أن المرأة تحتاج إلى أن تتعلم كيف تبدو، لا كيف تفهم العالم الذي تعيش فيه، وتواجه تناقضاته، وتدافع عن حقوقها، وتفكك القيود التي تحاصر خياراتها. وكأن المعرفة التي تليق بها هي ما يحسّن صورتها في عيون الآخرين، لا ما يمنحها القدرة على مساءلة هذه العيون نفسها.
لقد تعقّدت حياة المرأة، ولم تعد قضاياها مجرد التوفيق بين العمل والأسرة، بل تشمل الاستقلال الاقتصادي، والتمييز، والعنف، والحقوق القانونية، والضغط الاجتماعي، وصراع الفرد مع الأدوار التي تُفرض عليه. وهذه مسائل تحتاج إلى نقاش جاد، لا إلى وصفات جاهزة، وإلى إعلام يتعامل مع المرأة بوصفها إنسانًا كامل الأهلية، لا جمهورًا مستهدفًا للبيع.
أما الجسد، فله حكاية أخرى. إنه السلعة التي لا تفقد صلاحيتها في سوق الإعلان، تُستدعى المرأة لتزيين الرسالة التسويقية، حتى حين لا تكون لها علاقة بالمنتج. من معجون الطماطم إلى مساحيق التجميل، يحضر جسدها أحيانًا بوصفه وسيلة لجذب الانتباه، وكأن قيمته تكمن في قدرته على الإغراء، لا في كونه جسد إنسان له حرمته وكرامته.
والأكثر مفارقة أن المرأة تُطالَب بأن تتحرر، وفي الوقت نفسه أن تبقى مطابقة لمعايير الجمال، أن تثبت كفاءتها في العمل، ثم تُختبر مجددًا أمام المرآة. مطالبة بأن تكون كل شيء، فيما لا يزال بعض الخطاب الإعلامي مصرًّا على تقديمها من زاوية واحدة.
فهل كانت تلك لعنة حواء فعلًا، أم لعنة التأويل الذي ورثناه عنها؟ هل المشكلة في المرأة التي تهتم بجمالها، أم في ثقافة لا تكاد ترى فيها شيئًا آخر؟
ربما لم تكن المشكلة في حواء، بل في أننا ما زلنا نبحث عن المرأة في المرآة، بدل أن نبحث عنها في عقلها، وتجربتها، وما تستطيع أن تضيفه إلى العالم.



#بشرى_الهلالي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لكم سياستكم.. ولي ...
- ما الذي يبقينا معًا؟
- هم يعرفون.. ونحن نعرف كل شيء
- الهوية بوصفها سؤالًا أخلاقيًا قراءة في المجموعة القصصية آشور ...
- الأصابع بوصفها ذاكرةً جريحة: التأنيس الرمزي وإدانة الإرهاب ف ...
- وجوه الخراب: بانوراما الشخصيات وسيرة المجتمع العراقي في عرضح ...
- سيرة الفراغ في مقهى يتآكل بصمت: قراءة وجودية في ضوء جان بول ...
- ديمقراطية المطبخ
- الإسلام السياسي والإسلام الروحاني: صراع على روح الدين
- حين تُغلق الجهات الأربع: هل ما زال -أعلى- ننظر إليه؟
- -وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا ...
- التفاهة: خيار مجتمع أم صناعة سياسة؟
- نستغيث بك فالنتاين في يومك
- احذروا.. الحرب القادمة شيعية شيعية..
- (صباح) فلسفة
- ثورة عاشق
- مدرسة دين امريكية تطبخ تمن وقيمة في الحسينية
- فصيلة الخنساء
- لقاء مع آخر
- رحال


المزيد.....




- باسم القانون والقسام الشرعي.. كيف تتحول حصص النساء في الميرا ...
- السودان: مقتل 4 مدنيين بينهم طفل وامرأة في هجمات للدعم السري ...
- اليابان تحتج بشدة لواشنطن بعد اعتقال جندي مارينز لقتله امرأة ...
- عاجل| شبكة أطباء لسودان: مقتل 4 مدنيين بينهم طفل وامرأة في ه ...
- بالوعي نحميها “..القومي للمرأة يطلق حملة وطنية موسعة لبناء ا ...
- بينهن مسيحيتان وأكاديمية.. من النساء الأربع اللواتي قتلتهن إ ...
- مسؤولة ألمانية: رئيس البلاد الجديد يجب أن يكون امرأة من المن ...
- بينهن مسيحيتان وأكاديمية.. من هن النساء الأربع اللواتي قتلته ...
- فاطمة الزهراء المنصوري.. أول امرأة تقود الحكومة في تاريخ الم ...
- -أنا جين دو-.. حملة على الإنترنت لحماية طالبة تتهم شباناً با ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - بشرى الهلالي - لعنة حواء