أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى الهلالي - هم يعرفون.. ونحن نعرف كل شيء














المزيد.....

هم يعرفون.. ونحن نعرف كل شيء


بشرى الهلالي

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 15:36
المحور: الادب والفن
    


هم يعرفون ما يريدون، ونحن ندور حول ما نريد. يقولون ما يؤمنون به، بينما نتشدق أحيانًا بكلمات قد نحفظها أو نسمعها أو نقولها لإرضاء طرف ما. وفي أغلب الأحيان، يتغير لون الكلمات وطعمها لتتبدل الآراء تبعًا للظروف.
حالفني الحظ، قبل سنوات، بحضور إحدى الورش حول فن الكتابة، قدّمها كاتبان أميركيان في أواسط العمر لطلبة اللغة الإنكليزية في إحدى الجامعات. استمرت الورشة أكثر من ساعتين، وكان بعض الطلبة قد أُجبروا على حضورها، لكن أكثر ما شدني إليها لم يكن موضوعها بقدر ما كان أسلوب الرجلين في إدارتها.
كانا يتناوبان الحديث، وتترابط أفكارهما حتى ليبدو أحدهما وكأنه يكمل الآخر. ينتقلان من فكرة إلى أخرى بسلاسة، ويمهد كل منهما للآخر، ويضعان خطة واضحة للانتقال بين الموضوعات، من دون استعراض أو تعقيد. كانت لغتهما بسيطة وأفكارهما واضحة، ومع مرور الوقت خيّم الصمت على القاعة، وأخذ الجميع يصغي إليهما، حتى أولئك الذين لم يأتوا إلى الورشة طوعًا.
ظللت أفكر في هذا المشهد وأنا أتذكر أغلب التجمعات الثقافية التي حضرتها. في كثير منها، يدب الملل في نفوس الحاضرين، وهم ليسوا طلبة أُجبروا على الحضور، بل نخبة مثقفة جاءت لتستمع إلى تجربة "فلان الفلاني" الإبداعية. فإذا به يغوص في استعراض عضلاته، ويستخدم مفردات ومصطلحات "مفخمة"، ويستطرد، ثم ينتقل بين الأفكار من دون ترتيب أو نظام.
أما إذا اجتمع اثنان أو أكثر، فقد تتحول الجلسة إما إلى تبادل للإطراء والمديح، أو إلى "عركة" مبطنة تحت شعار "الجرأة في الطرح".
ولعل المشكلة الأكبر تظهر حين يتعلق الأمر بتبادل وجهات النظر. فمن لا يتفق مع وجهة نظر فلان يصبح، في بعض الأحيان، عدوًا له. وكأن الاختلاف في الرأي إساءة شخصية. لا بأس أن تسعى إلى إقناعي بوجهة نظرك، وأن أحاول أنا أيضًا إقناعك بوجهة نظري. لكن لا بأس، في المقابل، أن يظل كل منا محتفظًا برأيه، من دون أن نسمع: "مو إنت متفهم الوضع؟ لازم تعرف."
ربما كان أحد الفروق بيننا وبينهم أن ثقافة العمل الجماعي، أو "التيم وورك"، جزء أساسي من طريقة تفكيرهم في كثير من البيئات. كل شخص يكمل الآخر، ويتعلم منه، ويضيف إلى ما لديه من خبرة. أما عندنا، فكثيرًا ما تتحول المبادرة إلى مساحة للسيطرة، وكأن نجاح العمل لا يكتمل إلا إذا كان شخص واحد هو الذي يعرف ويقرر ويدير كل شيء.
والأمر الآخر أنهم، في كثير من الأحيان، لا يجدون حرجًا في التعلم من الآخرين، أو في قول "لا أعرف". أما نحن، فننظر إلى عدم المعرفة أحيانًا بوصفها نقيصة، وكأن على الجميع أن يعرفوا كل شيء. وحتى إذا لم نعرف، يصعب علينا الاعتراف بأن الآخر يعرف أكثر منا. وعوضًا عن أن نستفيد مما يعرفه، قد نصر على آرائنا، وربما نتجنب الحديث أو العمل معه.
ومن منظور علم الاجتماع، فإن صفات أي مجتمع تنعكس على أفراده، كما أنها تتشكل من خلالهم. والعراقي، في جزء من ثقافته الاجتماعية، اتصف وما زال يتصف بالأنفة، وحب السيطرة والقيادة، وصعوبة تقبل فكرة تفوق الآخر، وعدم الاعتراف بالجهل في أمر ما وكأنها نقيصة.
ومع أن الإنسان، مهما تعلم، يظل عاجزًا عن معرفة كل شيء، فإن الاعتراف بأن الآخر يعرف أكثر منا ليس هزيمة، كما أن قول "لا أعرف" ليس عيبًا. ربما يكون العيب الحقيقي أن نعرف أننا لا نعرف، ثم نصر على التظاهر بأننا نعرف.
لكن الغريب...
أن العراقي لا يطبق صفاته هذه في التعامل مع السياسيين والوضع السياسي!



#بشرى_الهلالي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية بوصفها سؤالًا أخلاقيًا قراءة في المجموعة القصصية آشور ...
- الأصابع بوصفها ذاكرةً جريحة: التأنيس الرمزي وإدانة الإرهاب ف ...
- وجوه الخراب: بانوراما الشخصيات وسيرة المجتمع العراقي في عرضح ...
- سيرة الفراغ في مقهى يتآكل بصمت: قراءة وجودية في ضوء جان بول ...
- ديمقراطية المطبخ
- الإسلام السياسي والإسلام الروحاني: صراع على روح الدين
- حين تُغلق الجهات الأربع: هل ما زال -أعلى- ننظر إليه؟
- -وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا ...
- التفاهة: خيار مجتمع أم صناعة سياسة؟
- نستغيث بك فالنتاين في يومك
- احذروا.. الحرب القادمة شيعية شيعية..
- (صباح) فلسفة
- ثورة عاشق
- مدرسة دين امريكية تطبخ تمن وقيمة في الحسينية
- فصيلة الخنساء
- لقاء مع آخر
- رحال
- دمك (أميمة) فضح صبغ شواربهم
- كاتم فرح
- الاغلبية الصامتة.. السكوت علامة الرضا.. وصمتكم هو مايريدونه


المزيد.....




- -نازا- فيلم وثائقي ينافس في مهرجان -البندقية- ويحاكم آليات ا ...
- بين الوفاء للفن والخوف من النسيان.. متى يعتزل الفنان؟
- كاتب إيطالي يعتزم كتابة رواية عن تولستوي
- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى الهلالي - هم يعرفون.. ونحن نعرف كل شيء