أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ملاذُ الخوف














المزيد.....

ملاذُ الخوف


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 09:20
المحور: الادب والفن
    


شابةٌ تنتمي إلى أسرةٍ عريقة، ذات حضور اجتماعي مرموق، حيث لكل فرد من العائلة تاريخه ومكانته بين الناس، يحاول جاهدا كل فرد منهم أن يحافظ على ذات النسق، لذا فهي ترعرعت على فكرة أن المرأة مرآة لسمعة أهلها، وأن أي انكسار في حياتها الخاصة، لا يخصها وحدها، بل يطال العائلة كلها، لكنها مع كل هذا تنسج لها عالماً موازياً، تجد فيه ما عجزت عنه حياتها الواقعية. فمن خلال قراءاتها المتعددة، بدأت ترسم في ذهنها صورة شريك حياتها، تؤنس وحدتها، وتخفف عن كاهلها وطأة المخاوف التي زرعتها في نفسها كتبٌ تحدثت كثيراً عن الفجوات العاطفية والنهايات الفاشلة، من أجل ذلك، كانت تبحث عن الاستقرار أينما وُجد، وكأن روحها تسعى إلى ملاذٍ آمنٍ من ضجيجِ التشتت، لكنها كثيراً ما تساءلت في لحظاتِ الانكسار، أو لحظات ابتعادها وهي ترفل بتاريخِ أسرتها: ما جدوى الأنساب العريقة، إن لم تكن عوناً وقت الانكسار؟
ومع ضغط الأهل وتحت شعار الزواج قسمة ونصيب، وافقت على الارتباط بشابٍ يبدو لها وسيماً، أو أقرب إلى أن يكون حاضر البديهية، بناءً على ذلك، فلقد رحب به الجميع. كانت في بدايتها، يراها لا تزال عجينة طرية لم تتشكل بعد، ولهذا أظهر لها قدرا كبيرا من الاهتمام أقرب إلى الافتتان بها. بدا الزواج في ظاهره هادئاً، لكنه سرعان ما كشف عن أعماق مضطربة. فمع توالي الأيام، بدأت تظهر ملامح نرجسية في شخصية زوجها، وربما وافقت على الارتباط به لأنها رأت فيه توازن افتقدته في غيره، مع ادراكها أن الحب وحده لا يكفي، لكنها لم تدرك أن بعض الرجال حين يحبون يمتلكون.
حاولت جاهدة أن تُبقي السفينة على سطح الماء، وتتنازل عن كثير من حقوقها، وتتغاضى عن إساءات متكررة حرصاً على بقاء ما تبقى من العلاقة. إلا أنَّ الفجوةَ بينهما كانت تزداد اتساعاً، إذ كان نرجسياً في طباعه، يتقلب في مشاعره، يطلب الاهتمام بلا توقف، ويشك في كل من حوله، كانت تشعر أنه يحبها بشغف، لكنه لا يستطيع أن يمنحها الأمان، عندها أصبحت تمضي أيامها بين الشكوك والمجاملات القسرية، تُظهر الرضا وتُخفي الجراح، وأفكارٌ تمر في الخاطر: هل هذا هو حقيقة الحب؟ ولهذا حاولت أن تُقنع نفسها أنَّ العاطفةَ قادرةٌ على إصلاح كل شيء، لكن الوقتَ أثبت لها أن بعض الأنانيات لا تُروض، فقد قصرت مداركه عن بلوغ معنى الحب، حينئذ، بات الاستمرار عبئا لا يُحتمل، وانتهى بها المطاف بالتفكير جدياً في الانفصال، لعل في ذلك خلاصاً، وربما بداية جديدة أكثر إنصافاً له.
وعندما أدرك أهلها عمق معاناتها، تدخلوا دون تردد، مع من وجدوا فيهم إمكانية المساعدة، وبعد حوارات عديدة تم الانفصال. كانت مجروحة، لكنها خرجت من العلاقة وكأنها تنجو من غرفة مليئة بالدخان، تلتقط أنفاسها للمرة الأولى، أرادت أن تهرب من كل هذا الإشفاق الذي تراه إهانة للكرامة، ومن صورتها التي أخذت تتهشم في أعين الآخرين.
لكنها لم تكن تعلم أن ما تهرب منه كان كامناً في داخلها، ففي لحظة هشاشة عاطفية، تكررت التجربة في زواجٍ ثان، كان الرجلُ هادئاً، متساهلاً، لا يرفع صوته، ولا يتدخل في شؤونها كثيرا، بدا في أول الأمر كمن يعوضها عن كل شيء، لكنه لم يكن معنياً بها بقدر ما كان معنياً بنفسه.
لم يغَر عليها يوماً، ولا يسألها كيف تمضي وقتها، أو مع من تتحدث، أو إلى أين تمضي. لم يكن يدرك ما يعنيه أن تكون امرأة في مجتمع يحاسبها على التفاصيل الصغيرة، لذا فهو قد تركها تكافح وحدها، تواجه مصاعب الحياة وتوازن بين مسؤولياتها وكرامتها، دون أدنى دعم أو احتواء، فترك لعقلها حرية البحث كأنما عن نهايةٍ سعيدةٍ لقصةٍ قديمةٍ حتى لو كانت موجعة، فتشعر بلذة يخامرها الألم. على ضوء ذلك، كانت تبدي إشارات اليأس، لكنها رغم ذلك وفي داخلها ترفض الاعتراف الكامل بالخذلان، تنتظر شيئاً ربما سيأتي، فأدركت أنها تعيد نفس النمط، إذ وجدت نفسها كمن يسير في دائرةٍ ليس فيها مخرج، تبحث عن سعادةٍ خفيةٍ ملفّعةٍ بالأسرار.
كانت نتيجتها كالأولى. لم يكن الخلل فقط في اختيار الشريك، بل في أنها لم تتوقف لحظة للبحث في جذور ألمها، ولم تتأمل أسباب الانكسار الأول، بل اكتفت بالسعي نحو نهاية سعيدة، دون أن تُعيد قراءة فصول الحكاية جيدا.
في لحظة تأمل أمام مرآةٍ غريبة الأطوار، لم ترَ صورتها، بل رأت خوفها يمشي بجانبها، يهمس لها: أنا من اخترت كل هذا. حينها فقط، أدركت أن ما كانت تظنه قدراً، ربما كان وهماً صنعه التردد، وأنها لم تكن ضحية الرجال فحسب، بل ضحية صمتها الطويل، وخوفها المتجذر الذي لطالما لبس قناع الحكمة. فلربما كانت بحاجة إلى شيء من الجنون في عين نفسها، تفتش عن سعادة الحياة، في أن تختار طريقها دون أن تحسب حساب المرايا الاجتماعية، ودون أن تعتذر عن خيبات لم تكن من صنع يديها، خيراً من أن تكون متزنة في نظر الناس.
هكذا، وجدت نفسها بين طرفي نقيض، رجل أحبها حد الاختناق، وآخر نسيها في وسط الزحام، فعادت بالخيبة والصمت المطبق، بعيون حزينة ترثي طفولتها، وتحاول أن تحطم كل ما يحمله القلب من صور لحياة الحلم الضائع، أو أن تسامر شبح النسيان، وقد ترسخت القناعة التي توسعت بداخلها مع الأيام، وهو أنَّ الخوفَ حين لا يعالج، قد يتحول إلى اختيار، وأنها في سعيها نحو الأمان، كانت تكرر ذات الحكاية بنسق جديد، وترتدي حلة الماضي بثوب مختلف، دون أن تمنح نفسها قراءة السطور بين السطور.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...
- نص نثري: ما تبقى منه
- قصة قصيرة: المشورة
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...


المزيد.....




- انتخابات الكنيست: صراع التمثيل العربي في مواجهة قرارات الشطب ...
- سيئول تدخل الإرشاد الصوتي الكوري إلى -الهرم الثقافي-: المتحف ...
- بيت المدى والجمعية العراقية العلمية للفنون يفتحان ملف غياب ا ...
- معرض عمّان الدولي للكتاب.. الإعلامي سلام مسافر يوقع كتابه -ا ...
- كلية التربية بعدن تختتم دورة في مسرح الدمى.. حين تتحول الدمى ...
- أزمة مهرجان الموسيقى العربية.. اعتذارات متتالية لأحمد سعد ور ...
- فرقة الموسيقى العربية بالقاهرة تحيي حفلاً غنائياً بعنوان «في ...
- كيف أصبحت دولة مسلمة من أبرز مصدري الكهنة الكاثوليك؟
- بـ3.75 ملايين حجر.. جدارية فسيفسائية بالسلط الأردنية تسعى لد ...
- رحلة النفس عبر اللغة والثقافة والاستعمار.. هل يمكن أن نفهم أ ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ملاذُ الخوف