عبد الغاني العونية
الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 13:46
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
انتهت انتخابات 23 شتنبر، وانتهى معها زمن المواقف المسبقة والتقديرات التي كانت تبنى قبل فتح صناديق الاقتراع، أصبحت أمامنا الآن نتائج فعلية، وتجربة سياسية كاملة يمكن قراءتها من خلال ما أفرزته صناديق الاقتراع، وما رافق الحملة الانتخابية، وما تكشفه هذه المحطة عن موقع اليسار داخل المجتمع وعن طبيعة المعركة التي يخوضها.
بلغ عدد مقاعد مجلس النواب 395 مقعدا، حصل منها تحالف اليسار على ثمانية مقاعد، وهي نتيجة تمنحه حضورا مؤسساتيا، لكنها لا تعني في حد ذاتها تحولا في موازين القوى السياسية والاجتماعية، وهنا ينبغي أن يبدأ النقاش لا أن ينتهي.
لقد اختار تحالف اليسار المشاركة الانتخابية، وتمكن من الوصول إلى البرلمان، وهذا أمر ينبغي تسجيله كما هو، دون تهوين أو تهويل. فالمشاركة أنتجت حضورا مؤسساتيا فعليا، وفتحت أمام التحالف إمكانية استعمال المنبر البرلماني للتعبير عن مواقف وقضايا اجتماعية وسياسية.
لكن السؤال الذي تفرضه النتيجة هو: هل يستطيع هذا الحضور أن يتجاوز حدود التمثيل البرلماني ليصبح امتدادا للنضال داخل المجتمع؟
فثمانية مقاعد لا تغير وحدها موازين القوى، ولا تجعل من البرلمان مركزا للصراع السياسي، قيمة هذا الحضور ستتحدد بما إذا كان قادرا على الارتباط بالنضالات الاجتماعية، وبالعمال والشباب والنساء والحركات الاجتماعية، وبالقضايا اليومية التي يعيشها المجتمع.
وفي الجهة الأخرى، اختار النهج الديمقراطي العمالي المقاطعة الانتخابية، ولم يجعلها موقفا سلبيا من الانتخابات فحسب، بل خاض حملة ميدانية وسياسية للدعوة إلى المقاطعة، والنزول إلى الأحياء والأسواق والفضاءات الشعبية والتواصل المباشر مع المواطنين.
غير أن هذه الحملة جرت في شروط لم تكن عادية، فقد تعرض مناضلات ومناضلو النهج الديمقراطي العمالي، أثناء حملة المقاطعة، للمنع والتضييق والتوقيف والاعتقال ومصادرة المناشير في عدد من المدن، ففي الدار البيضاء تعرضت حملة الحزب للمنع والتعنيف والتضييق، كما تم توقيف أربعة مناضلين في بني ملال ومصادرة منشورات حملة المقاطعة، وهنا يصبح القمع الذي تعرضت له حملة المقاطعة جزءا من قراءة الانتخابات نفسها، ليس لأن القمع يجعل موقف المقاطعة صحيحا تلقائيا، فصحة المواقف السياسية لا تحسم بهذه الطريقة، وإنما لأن الديمقراطية لا تختزل في لحظة التصويت، فإذا كان من حق القوى السياسية أن تشارك في الانتخابات، فمن حق القوى التي تختار المقاطعة أن تعبر عن موقفها وتنظمه وتشرح أسبابه للمواطنين.
ومن هذه الزاوية، فإن الدفاع عن حق النهج الديمقراطي العمالي في التعبير عن موقفه لا يعني بالضرورة تبني كل مواقفه السياسية، إنه دفاع عن مبدأ أوسع: حرية التعبير والتنظيم والتعدد السياسي يجب ألا تكون مشروطة بالاتفاق مع الموقف الرسمي أو السائد.
وهذه نقطة ينبغي أن تكون واضحة في أي قراءة يسارية للانتخابات.
أما جريدة المناضلة، فقد اختارت المساندة النقدية للمشاركة اليسارية ودعم تحالف اليسار انتخابيا، دون أن يعني ذلك التطابق مع مشروع تحالف اليسار السياسي أو التخلي عن استقلالها السياسي والتنظيمي، وهنا يظهر اختلاف آخر داخل اليسار: ليس حول المشاركة والمقاطعة فقط، بل حول طبيعة العلاقة بين التكتيك الانتخابي والاستراتيجية السياسية.
لكن نتائج الانتخابات تجعل من الضروري أن نذهب أبعد من هذا التوصيف، فالمسألة ليست أن نقول إن تحالف اليسار «نجح» لأن لديه مقاعد، أو أن النهج الديمقراطي العمالي «نجح» لأن المقاطعة كانت موقفا صلبا وتعرضت حملته للقمع، مثل هذه القراءة تختزل السياسة في مؤشرات منفردة.
المسألة الأساسية هي: ماذا راكم كل خيار من قوة سياسية واجتماعية مستقلة؟ هنا يصبح موقفنا أكثر حسما.
نحن لا نرى المشاركة الانتخابية طريقا استراتيجيا للتغيير، المشاركة يمكن أن تكون أداة، ويمكن أن تنتج حضورا مؤسساتيا، ويمكن أن تمنح اليسار منبرا سياسيا، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير موازين القوى.
وفي المقابل، لا نرى المقاطعة الانتخابية استراتيجية مكتملة بذاتها، المقاطعة يمكن أن تكون موقفا سياسيا وتكتيكا نضاليا، لكنها لا تتحول إلى بديل حقيقي إلا عندما ترتبط ببناء قوة اجتماعية وتنظيمية قادرة على فرض تغيير سياسي، وهنا تحديدا تكمن المسافة بيننا وبين الاختزال الانتخابي والاختزال المقاطعاتي معا.
لا نريد يسارا يصبح همه الأساسي هو الحصول على مقاعد أكثر داخل البرلمان، كما لا نريد يسارا يكتفي بتسجيل موقفه من خارج المؤسسات ثم يعتبر أن المهمة قد انتهت، المهمة الأساسية هي بناء قوة شعبية مستقلة.
قوة لا تظهر مرة كل خمس سنوات أمام صناديق الاقتراع، ولا تظهر فقط في لحظة احتجاج، وإنما تبنى في أماكن العمل، وفي النقابات، وفي الأحياء، وفي الجامعات، وفي الحركات الاجتماعية، وفي كل معركة يخوضها الناس دفاعا عن حقوقهم ومصالحهم.
ومن هنا يصبح النضال من أجل الحريات السياسية جزءا من هذه المهمة، لا قضية منفصلة عنها.
فما تعرض له النهج الديمقراطي العمالي خلال حملة المقاطعة يؤكد أن الصراع من أجل حرية التعبير والتنظيم والتعدد السياسي لا يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتخابات، والدفاع عن هذا الحق يجب أن يكون مبدأ ثابتا، سواء تعلق الأمر بحزب شارك في الانتخابات أو بحزب اختار مقاطعتها.
لكن الدفاع عن الحريات لا يعفي اليسار من السؤال الاستراتيجي: ماذا يفعل بهذه الحريات حين تتاح له؟ وكيف يحولها إلى تنظيم ووعي وقوة اجتماعية؟ وهنا نصل إلى جوهر موقفنا.
نحن لا نعتبر البرلمان أفق اليسار، كما لا نعتبر المقاطعة أفقه، أفق اليسار هو بناء القوة الشعبية المستقلة، وجعل كل الأدوات السياسية ــ بما فيها الانتخابات والمقاطعة والعمل البرلماني والنضال الجماهيري ــ خاضعة لهذا الهدف.
بمعنى آخر، لا ينبغي أن نسأل فقط: كم مقعدا حصلنا عليه؟ ولا: كم شخصا قاطع الانتخابات؟
بل ينبغي أن نسأل: كم تنظيما بنينا؟
كم نضالا وحدنا؟ كم وعيا راكمنا؟
كم قوة اجتماعية مستقلة أنشأنا؟
فالانتخابات يمكن أن تنتهي بإغلاق الصناديق، أما بناء القوة السياسيةوالاجتماعية فلا ينتهي بإغلاقها.
ولهذا فإن نتيجة تحالف اليسار، بثمانية مقاعد، ينبغي أن تقرأ باعتبارها حضورا مؤسساتيا محدودا، لا باعتبارها تحولا في موازين القوى، وفي المقابل فإن حملة المقاطعة التي خاضها النهج الديمقراطي العمالي، وما تعرضت له من قمع وتضييق، ينبغي أن تقرأ باعتبارها معركة سياسية وديمقراطية، لا باعتبارها بديلا مكتفيا بذاته عن بناء القوة الاجتماعية.
أما المناضلة، فإن تجربتها تطرح مسألة المساندة النقدية: إمكانية التقاطع مع قوة يسارية في معركة محددة، دون تحويل هذا التقاطع إلى تطابق استراتيجي، وهكذا تتضح الخريطة أكثر.
تحالف اليسار اختار المشاركة وبنى حضورا برلمانيا.
النهج الديمقراطي العمالي اختار المقاطعة وخاض معركة سياسية وميدانية حولها، وتعرض خلال هذه المعركة للقمع والتضييق.
المناضلة اختارت المساندة النقدية للمشاركة اليسارية، مع الحفاظ على استقلالها السياسي.
أما نحن، فلا نريد أن نحول أيا من هذه الخيارات إلى عقيدة، نحن نحدد الأولوية: بناء قوة شعبية مستقلة، والدفاع عن الحريات الديمقراطية، وربط النضال السياسي بالنضال الاجتماعي، والعمل على تغيير موازين القوى في المجتمع.
ومن هنا، فإن الانتخابات بالنسبة إلينا ليست نهاية المعركة، والمقاطعة ليست نهاية المعركة أيضا، المعركة تبدأ حيث ينتهي الصندوق.
هناك، في المجتمع، حيث يتحول الغضب إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة، والقوة إلى قدرة على فرض التغيير.
هذه هي المسألة التي ينبغي أن ينشغل بها اليسار بعد انتخابات 23 شتنبر: ليس كيف يربح مقاعد أكثر، ولا كيف يقاطع انتخابات أكثر، وإنما كيف يصبح قادرا على بناء قوة اجتماعية وسياسية مستقلة تجعل المجتمع نفسه طرفا في صناعة التاريخ، لا مجرد ناخب يستدعى إلى صناديق الاقتراع.
#عبد_الغاني_العونية (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟