أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغاني العونية - سيون أسيدون: ضمير أممي في زمن الخيانة السياسية














المزيد.....

سيون أسيدون: ضمير أممي في زمن الخيانة السياسية


عبد الغاني العونية

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 13:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في زمنٍ تحوّل فيه الموقف من فلسطين إلى سلعة دبلوماسية، وحُمّل التطبيعُ على أكتاف “الواقعية السياسية”، برز سيون أسيدون كاستثناء نادر في المشهد المغربي والعربي: مناضل يهودي يرفع راية فلسطين، ورجل مبادئ يساريّ لا يساوم في زمنٍ طغى فيه الحساب على المبدأ.
1. الإنسان الذي وُلد من تناقض التاريخ
وُلد سيون أسيدون من رحم المفارقة: يهوديّ مغربيّ في لحظة ميلاد الكيان الصهيوني. لكنّه، بعكس كثيرين، لم يرَ في تلك الولادة خلاصاً لليهود، بل بداية مأساةٍ إنسانية جديدة. منذ شبابه، اختار أن يقف على الجانب الصحيح من التاريخ، لا من موقع الدين أو الانتماء، بل من موقع الوعي.
لم يكن يبحث عن هويةٍ دينية بل عن معنى للعدالة. وفي المغرب الستينيات، حيث كانت الأسئلة حول الحرية والاشتراكية والكرامة تغلي، وجد نفسه في قلب الحركة التقدّمية، مؤمناً بأنّ الوطن ليس جغرافيا بل علاقة أخلاقية بالشعب والمستقبل.
2. من السجن إلى الوعي
كان سجنُه لحظة وعي لا لحظة انكسار. هناك، بين جدران العتمة، أدرك أنّ السلطة تخاف من الفكرة أكثر من الفعل، وأنّ الحبس الحقيقي هو الصمت. خرج من السجن لا ليعود إلى الحياة، بل ليعود إلى المعركة، أكثر وضوحاً، أكثر صفاءً.
صار يؤمن أنّ النضال ليس شعاراً بل نمط حياة، وأنّ مقاومة الظلم لا تتجزأ: من المغرب إلى فلسطين، من سجن الداخل إلى حصار غزة، كلّها جبهات لحرب واحدة ضدّ نظامٍ عالميّ قائم على القهر واللامساواة.
3. يهودي ضدّ الصهيونية
لم يكن موقفه ضدّ الصهيونية انفعالاً أخلاقياً، بل موقفاً فكرياً تحليلياً عميقاً. رأى في الصهيونية مشروعاً استعمارياً حديثاً، يعيد إنتاج نفس آليات القهر التي مارستها الإمبريالية الأوروبية في الجنوب العالمي.
قال، في أكثر من مناسبة، إنّ من واجبه كيهوديّ أن يقف مع الفلسطينيين لا ضدّهم، لأنّ ذاكرة الاضطهاد لا تبرّر اضطهاد الآخرين. بهذه الجرأة، حرّر هُويته من احتكار الصهاينة، وأعاد تعريف معنى أن تكون يهودياً حراً وإنساناً في آن واحد.
4. مناهض التطبيع... لا كموقف رمزي بل كمشروع نضالي
بالنسبة إليه، التطبيع ليس مجرّد “سياسة خارجية” بل هو خضوعٌ شامل لمنظومة هيمنةٍ اقتصادية وثقافية.
كان يرى أنّ مقاومة التطبيع تبدأ من الجامعة، من المدرسة، من المقاطعة الاقتصادية، من الوعي اليومي الذي يرفض تحويل المستعمِر إلى شريك. ولذلك نذر نفسه لبناء حركةٍ مجتمعية واعية، تربط بين الدفاع عن فلسطين والدفاع عن الحرية في المغرب.
لم يكن ضدّ التطبيع لأنه “يحب فلسطين” فقط، بل لأنه يعرف أنّ من يطبع مع المحتلّ سيطبع غداً مع الفساد، ومع القهر الاجتماعي، ومع سحق الكرامة الوطنية.
5. فكرٌ أمميّ... وجذرٌ مغربي
تميّز أسيدون بقدرته النادرة على الجمع بين المحلي والعالمي، بين نَفَس الأممية ودفء الانتماء الوطني.
كان يرى في المغرب أرضاً خصبة للنضال لا مجرد مسرحٍ للانتظار، وفي فلسطين مرآةً تعكس مصير الشعوب المكبّلة جميعاً.
لم يفصل أبداً بين مقاومة الاحتلال في فلسطين ومقاومة الاستبداد في المغرب. كان يؤمن أنّ كلّ معركةٍ من أجل الحرية في مكانٍ ما تُنقذ كرامة الإنسان في كل مكان.
6. الإرث السياسي والفكري
ترك سيون أسيدون إرثاً من الصلابة الفكرية والوضوح الأخلاقي في زمنٍ رماديّ.
كان يؤمن أنّ السياسة لا تُقاس بالمناصب بل بالمواقف، وأنّ الصمت في وجه الظلم مشاركة فيه. رفض أن يتحوّل إلى “رمز” منزّه عن الخطأ، فظلّ مناضلاً نقدياً حتى النهاية، ناقداً لليسار حين يستكين، وللدولة حين تتاجر بالقضية، وللجماهير حين تنسى أنّ التواطؤ أخطر من العدوّ.
7. الختام: رجل المستقبل لا الماضي
رحل سيون أسيدون تاركاً وراءه وصية غير مكتوبة: أن تكون مناضلاً يعني أن تحافظ على نقائك الفكري في عالمٍ يبيع كلّ شيء.
كان يؤمن أنّ الثورة ليست حلماً رومانسيّاً بل مسؤولية مستمرّة، وأنّ الوفاء لفلسطين هو وفاء للإنسانية ذاتها.
في زمنٍ تذوب فيه المبادئ كملحٍ في بحر التطبيع، يظلّ اسم سيون أسيدون منارةً للذين يرفضون أن يُختزل النضال في بيانٍ صحافيّ أو موقفٍ عابر.
إنه ليس مجرد مناضل راحل، بل ذاكرة حية لما يجب أن نكون عليه حين نواجه الإمبريالية، والفساد، والنسيان.
رجل علّمنا أنّ الأخلاق في السياسة ليست ترفاً، بل جوهر الصراع نفسه.



#عبد_الغاني_العونية (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عزيز غالي… عندما تُعتقل الكلمة في البحر المفتوح
- أزمة العمل النقابي الراهن: من الترويض إلى التآكل
- مغرب جيل Z: تمرّد ما بعد اليأس، أو محاولة أخيرة لإنقاذ المعن ...
- حراك الريف جنازة تفصح عن الحدود: الحراك الشعبي بين الرمز وال ...
- جيل Z ومسيرات 27 شتنبر 2025: استئناف التاريخ أم انفجار عابر؟


المزيد.....




- ترامب يقوم بـ-إشارة بذيئة- لشخص خلال جولة بمصنع فورد.. كيف ع ...
- هل تصبح الفضة استثمار محدودي الدخل في 2026؟
- في الذكرى الـ15 لثورة تونس: القضاء يؤيد سجن زعيم حركة النهضة ...
- أخبار اليوم: قرب الإعلان عن أسماء لجنة إدارة غزة في المرحلة ...
- هل التهديد الصيني لغرينلاند حقيقي أم مجرد ادعاء من ترامب؟
- ما هي -غوست بيرينغ- التي تسرق حساب الضحية على واتساب؟
- عام 2025 ثالث أكثر الأعوام حرارة على ?الإطلاق
- رياح شديدة تضرب قطاع غزة وتهدم المنازل والخيام على ساكنيها
- النيجر تلغي تراخيص شركات نقل وسائقين رفضوا نقل الوقود إلى ما ...
- السلطات الأميركية تبرم -تسوية- مع منظمة صهيونية متطرفة


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغاني العونية - سيون أسيدون: ضمير أممي في زمن الخيانة السياسية