أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغاني العونية - حراك الريف جنازة تفصح عن الحدود: الحراك الشعبي بين الرمز والفراغ














المزيد.....

حراك الريف جنازة تفصح عن الحدود: الحراك الشعبي بين الرمز والفراغ


عبد الغاني العونية

الحوار المتمدن-العدد: 8488 - 2025 / 10 / 7 - 23:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين نذكر ناصر الزفزافي، لا نتحدث عن شخص فحسب، بل عن صوت من رحم كفاح طويل ومقاومة متواصلة ضد التهميش والظلم. عشرون عامًا لم تكن مجرد عقوبة بالسجن، بل كانت ثمنًا باهظًا لدوره في إشعال شعلة احتجاج جماعي في الريف، وتذكير الدولة بأن الغضب الشعبي لا يُقمع بسهولة. لقد كان مثالًا على التحدي، على صمود الفرد أمام آلة قمعية، وعلى الثمن الذي تدفعه الجماهير حين تفتقد إلى أداة جماعية منظمة تحميها وتحوّل كفاحها إلى مشروع تغيير حقيقي.
في لحظات الفقد الكبرى، حيث تختلط دموع العائلة بهتافات الجماهير، يتعرّى الواقع أكثر مما يتزيّن. كلمة ناصر الزفزافي في جنازة والده لم تكن مجرد خطاب عابر، بل كانت مرآة لحدود لحظة بكاملها: لحظة الحراك الشعبي في الريف، بما حملته من عنفوان وأحلام، وبما كشفته من فراغات وتصدّعات.
لم يظهر ناصر يومًا كمنظّر أو كصاحب مشروع متكامل للتغيير الجذري، بل وُلد من رحم الغضب الشعبي، من انسداد الأفق، ومن عجز القوى السياسية القائمة عن صياغة بديل منظم يقود الجماهير نحو أفق يتجاوز الاحتجاج اللحظي. كان ناصر ابن بيئته، ابن شارع متألم ومهان، تحوّل إلى رمز لأن الأرض كانت خاوية من تنظيم ثوري جماعي ديمقراطي، ولأن القوى التي تزعم الثورية لم تكن قادرة على ملء هذا الفراغ.
خطابه في الجنازة أعاد إنتاج هذه الحدود: شكرُه لمؤسسات الدولة، إدراجُه قضية الصحراء في صياغة "الوطن الموحّد"، وصفُه شعارات المحتجين بـ"الفوضى". لم تكن تلك مجرد كلمات عابرة؛ بل كانت إشارات تحمل دلالة سياسية. فهي تعكس كيف يُعاد استيعاب الأصوات المعارضة ضمن لغة السلطة، وكيف يتحول الرمز الشعبي، عند لحظة الضعف، إلى ناقل رسائل تطمئن الدولة أكثر مما تُحيي الأمل عند الجماهير.
لكن هنا ينبغي الحذر: ليس في الأمر خيانة ولا انبطاح. الزفزافي لم يقدّم نفسه يومًا كقائد ثوري أو كمُنظّر للتغيير الجذري. كان صوته صوت احتجاج، صرخة جماعية ضد التهميش والظلم، لا مشروعًا منظومًا لكسر البنية السياسية والاقتصادية. خطابه في الجنازة كان استمرارًا لهذا الدور المحدود: صوت مواطن غاضب يحمل حُبًّا جريحًا لوطنه، لكنه لا يملك أدوات صياغة البديل الثوري.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الزفزافي نفسه، بل في القوى التي أرادت أن ترى فيه ما ليس هو. قوى انتظارية صنعت من شخصه بديلاً عن غيابها، حمّلته أوزانًا أكبر من حجمه، ثم حين نطق بلغة لا ترضيها، انقلبت عليه، متهمة إياه بالخيانة وكأنها هي التنظيم الثوري المعصوم. هنا تنكشف المأساة: حراك اجتماعي واسع يُختزل في فرد، وفرد يُختزل في خطاب لحظة، وخطاب لحظة يُحوَّل إلى معيار يُحاسَب به تاريخ بأكمله.
إن قراءة كلمة الزفزافي من منظور سياسي نقدي لا تعني محاكمته كشخص، بل مساءلة الشروط التي أنتجته كرمز هش. فحين تغيب الأداة الجماعية الديمقراطية، يملأ الفراغ أفراد، تُرفع فوق أكتافهم أوهام لا يطيقون حملها. وحين تحين لحظة الاصطدام، يسقط الرمز سريعًا، لا لأنه خان، بل لأنه لم يُبنَ على أساس صلب من وعي وتنظيم جماعي.
المطلوب إذن ليس جلد الأفراد، ولا إعادة تدوير الأساطير، بل بناء تنظيم ثوري جماعي ديمقراطي، قادر على أن يمنح الغضب الشعبي بوصلة، وأن يحوّل الاحتجاج إلى مشروع للتغيير الجذري العميق. إن جنازة الزفزافي الأب كانت تذكيرًا قاسيًا بأن غياب البديل يفتح الباب دائمًا أمام الاحتواء: الدولة تلتقط اللحظة لتعيد إنتاج خطابها بلسان المعارضين، والجماهير تجد نفسها مُعلقة بين الأمل والخذلان.
لقد قال ناصر ما قاله. لكن الأهم ليس كلمته، بل ما تكشفه كلمته عن عجزنا نحن: عن فراغ الساحة من قوة سياسية جماعية قادرة على تحويل دموع الأمهات وآلام المعتقلين إلى مشروع منظم، وعن ضرورة أن نتجاوز منطق الرموز الفردية إلى بناء أداة جماعية ديمقراطية، متجذّرة في نضالات الطبقات الشعبية، تصمد أمام محاولات الاحتواء وتمنح للحراك الشعبي أفقًا أمميًا واشتراكيًا.
إن الحراك الشعبي، في الريف أو في أي مكان آخر، لا يحتاج إلى بطولات فردية عابرة، بل إلى وضوح استراتيجي، تنظيم مستقل للجماهير، وقيادة جماعية واعية تنبثق من صلب الصراع الاجتماعي نفسه. وما لم يتحقق ذلك، ستظل الجنازات والأحزان محطات نقرأ فيها حدودنا بدل أن نفتح بها أبواب المستقبل.



#عبد_الغاني_العونية (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جيل Z ومسيرات 27 شتنبر 2025: استئناف التاريخ أم انفجار عابر؟


المزيد.....




- بيان لـ-التحالف- يرد على تهديدات الحوثيين ضد السعودية.. ماذا ...
- من مثل السعودية في مراسم تشييع مرشد إيران السابق علي خامنئي؟ ...
- ترامب: حطمنا عزيمة إيران ومنحناهم راحة أسبوع تزامنا مع جنازة ...
- بعد تأهل تاريخي، مصر تضرب موعداً مع الأرجنتين في ثمن النهائي ...
- غروسي: وصول مفتشي الوكالة العاجل إلى المواقع الإيرانية مرهون ...
- ترامب يحذر من هجوم على الهوية الأميركية من الداخل
- الذكاء الاصطناعي -ليس ذكياً-، فما القصة؟
- بعد 250 عاماً... ماذا بقي من الحلم الأمريكي؟
- البيرو.. السلطات الانتخابية تعلن فوز المحافظة كيكو فوجيموري ...
- الهند.. ابتكار نظام للدراجات الكهربائية يتيح شحن البطارية ذا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغاني العونية - حراك الريف جنازة تفصح عن الحدود: الحراك الشعبي بين الرمز والفراغ