أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغاني العونية - عبد الله مناصير: اغتيال المناضل أم اغتيال المشروع؟














المزيد.....

عبد الله مناصير: اغتيال المناضل أم اغتيال المشروع؟


عبد الغاني العونية

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 18:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تحيل ذكرى اغتيال عبد الله مناصير على جريمة سياسية معزولة في الزمان والمكان، بل على لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة التي أقامتها السلطة، تاريخيا، مع كل محاولة لبناء تعبير سياسي مستقل للطبقات الشعبية. فحين نستحضر الرجل اليوم، لا نستعيد فقط سيرة مناضل استثنائي، بل نستحضر كذلك مشروعا سياسيا كان يسعى إلى أن يجد له موطئ قدم داخل واقع مطبوع بالاستبداد والتبعية والتهميش الاجتماعي.

لقد جاء اغتيال عبد الله مناصير في سياق كانت فيه قطاعات واسعة من النخب السياسية تراهن على إمكان إصلاح النظام من الداخل، فيما كانت الحركة الاجتماعية تعيش تناقضا حادا بين تصاعد المطالب الشعبية وبين محدودية الأجوبة السياسية المقدمة لها. في ذلك المنعطف بالذات، كان مناصير يمثل اتجاها مختلفا؛ اتجاها يرى أن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تكون منحة من فوق، بل ثمرة تنظيم ذاتي للكادحين وقدرتهم على فرض ميزان قوى جديد.

لم يكن الرجل زعيما بالمعنى التقليدي للكلمة. لم يكن يبحث عن الأضواء ولا عن المواقع. كان أقرب إلى نموذج المناضل العضوي المنغرس في تفاصيل الحياة اليومية للمقهورين. من الميناء إلى الأحياء الشعبية، ومن الاجتماعات النقابية إلى النقاشات السياسية الطويلة، ظل مقتنعا بأن الأفكار لا تتحول إلى قوة مادية إلا عندما تمتلكها الجماهير وتدافع عنها.

ومن هنا بالضبط جاءت خطورته. لم يكن الخطر في شخصه الفردي، بل في ما كان يمثله. كان يجسد إمكانية الربط بين النضال الاجتماعي والنضال الديمقراطي، بين المطالب المعيشية اليومية والأفق التحرري الأشمل. وكان يدرك أن تفكيك منظومة الاستغلال لا يمر عبر الاحتجاج فقط، بل عبر بناء أدوات سياسية وتنظيمية قادرة على تحويل المقاومة المتفرقة إلى فعل جماعي واع.

لقد شكلت معارك البحارة التي ارتبط اسمه بها أكثر من مجرد صراع مهني حول الأجور أو ظروف العمل. كانت مواجهة مباشرة مع شبكات النفوذ والريع والاحتكار التي راكمت الثروات على حساب عرق آلاف العمال والكادحين. لذلك لم يكن مستغربا أن تتقاطع المصالح الاقتصادية المتضررة مع منطق الدولة الأمنية في النظر إلى هذا النوع من المناضلين باعتبارهم مصدر إزعاج ينبغي التخلص منه.

لكن المفارقة التي تتكرر في التاريخ هي أن القمع، حين يبلغ حد التصفية الجسدية، يكشف في الآن نفسه حجم الخوف من الفكرة التي يحملها الضحية. فاغتيال عبد الله مناصير لم يغلق النقاش حول المشروع الذي ناضل من أجله، بل أعاد طرحه بصورة أكثر إلحاحا. لقد تحول جسده المغتال إلى سؤال سياسي مفتوح: لماذا تخشى السلطة والتنظيمات البيروقراطية وكل المستفيدين من الوضع القائم بروز تعبير سياسي مستقل للكادحين؟

إن القيمة الحقيقية لعبد الله مناصير لا تكمن فقط في تضحياته، بل في المنهج الذي جسده. منهج يقوم على النقد، وعلى رفض التبعية الفكرية والتنظيمية، وعلى البحث الدائم عن صيغ للوحدة النضالية دون التفريط في الاستقلالية السياسية. ولذلك استطاع أن يكسب احترام حلفائه وخصومه على السواء، وأن يترك أثرا يتجاوز حدود التنظيمات والأجيال.

بعد ما يقارب ثلاثة عقود على اغتياله، ما تزال الأسئلة التي حملها حية: سؤال التنظيم المستقل، وسؤال الديمقراطية من الأسفل، وسؤال بناء البديل القادر على توحيد نضالات العمال والشباب والمهمشين. وهي أسئلة لم تفقد راهنيتها، بل ازدادت إلحاحا في ظل تعمق التفاوتات الاجتماعية وتآكل أوهام الإصلاح التدريجي.

إن الوفاء لعبد الله مناصير لا يكون بتحويله إلى صورة معلقة على الجدران أو إلى ذكرى عاطفية عابرة، بل بإبقاء تلك الأسئلة مفتوحة، وبمواصلة البحث عن الأجوبة التي كرس حياته من أجلها. فبعض المناضلين يرحلون، لكنهم يتركون وراءهم ما هو أقوى من الذاكرة: يتركون قضية.



#عبد_الغاني_العونية (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيون أسيدون: ضمير أممي في زمن الخيانة السياسية
- عزيز غالي… عندما تُعتقل الكلمة في البحر المفتوح
- أزمة العمل النقابي الراهن: من الترويض إلى التآكل
- مغرب جيل Z: تمرّد ما بعد اليأس، أو محاولة أخيرة لإنقاذ المعن ...
- حراك الريف جنازة تفصح عن الحدود: الحراك الشعبي بين الرمز وال ...
- جيل Z ومسيرات 27 شتنبر 2025: استئناف التاريخ أم انفجار عابر؟


المزيد.....




- فندق اسطنبول الأسطوري الذي استقبل جواسيس وملوك وغريتا غاربو ...
- خلافات على التسلسل والضمانات.. مسؤولون يشرحون لـCNN أسباب تأ ...
- كيف ردت طهران على مطالب ترامب بشأن التوصل إلى اتفاق؟
- الحبس الاحتياطي في ألمانيا وأوروبا .. سجن الآلاف دون إدانة
- روسيا تستدعي سفيرها لدى أرمينيا بسبب التقارب مع الاتحاد الأو ...
- موسكو تستدعي سفيرها لدى أرمينيا على خلفية تقارب يريفان مع بر ...
- الولايات المتحدة تؤكد أن لديها القدرة على استئناف الحرب مع إ ...
- حجاج بيت الله الحرام يختتمون مناسكهم بطواف الوداع
- أشعر بالعار.. جندي إسرائيلي يكشف فظائع جيش الاحتلال في غزة
- بين نصوص القانون وواقع السلاح.. لماذا تفشل اتفاقات وقف إطلاق ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغاني العونية - عبد الله مناصير: اغتيال المناضل أم اغتيال المشروع؟