أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغاني العونية - من 20 فبراير إلى جيل Z: نحو إعادة بناء اليسار ومشروع التغيير الاجتماعي والديمقراطي















المزيد.....



من 20 فبراير إلى جيل Z: نحو إعادة بناء اليسار ومشروع التغيير الاجتماعي والديمقراطي


عبد الغاني العونية

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 20:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الأزمة التي يعيشها اليسار المغربي أزمة تنظيمية عابرة، ولا مجرد أزمة قيادات أو ضعف في التواصل أو تشتت في الصفوف. إنها أعمق من ذلك بكثير: إنها أزمة علاقة بين مشروع سياسي تشكل في شروط تاريخية معينة، وواقع اجتماعي وسياسي وطبقي تغير بصورة عميقة.

فالمجتمع لم يعد هو المجتمع الذي تشكلت داخله التنظيمات اليسارية التقليدية، والرأسمالية لم تعد تشتغل بالطريقة نفسها، والطبقة العاملة أعادت تشكيل وجودها، والحركات الاجتماعية طورت أشكالا جديدة من الاحتجاج والتنظيم، والأجيال الجديدة أصبحت تدخل السياسة من أبواب مختلفة تماماً عن الأجيال السابقة.
لهذا فإن السؤال لم يعد: كيف نحافظ على ما تبقى؟ بل أصبح: كيف نعيد بناء مشروع اليسار بحيث يصبح قادرا على فهم الحاضر وصناعة المستقبل؟

وهنا تفرض نفسها ثلاث كلمات مترابطة: حقبة جديدة، برنامج جديد، حزب من نوع جديد.

ليست هذه الكلمات شعارا للتعبئة، بل خلاصة لمسار من التحولات جعل إعادة بناء اليسار ضرورة سياسية وتاريخية.

أولا: حقبة جديدة

دخل المغرب، كما العالم، مرحلة جديدة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

الرأسمالية لم تعد مجرد علاقة بين صاحب مصنع وعامل داخل مصنع، لقد أصبحت شبكة واسعة من علاقات الاستغلال تمتد إلى الخدمات، والعمل الهش، والعمل غير المهيكل، والمنصات الرقمية، والعمل المؤقت، والعمل المنزلي، واللوجستيك، والرعاية، والهجرة، والاستهلاك، وحتى المجال الرقمي، والطبقة العاملة لم تختف، إنها تغيرت.

وهذه نقطة أساسية، فالعامل الذي يعمل بعقد مؤقت، والعامل الذي يشتغل عبر منصة رقمية، والعامل غير المهيكل، والعاطل الذي ينتظر الاندماج في سوق الشغل، والعاملة التي تحمل في آن واحد عبء العمل المأجور والعمل المنزلي، كلهم يعيشون، بأشكال مختلفة، داخل علاقات إعادة إنتاج رأس المال.

إن اختزال الطبقة العاملة في صورتها الصناعية التقليدية يؤدي إلى خطأ سياسي خطير: البحث عن الطبقة في المكان الذي كانت فيه، بدلا من اكتشافها في المواقع الجديدة التي أصبحت تحتلها داخل المجتمع، لذلك لا يتعلق الأمر بالتخلي عن التحليل الطبقي، بل بتجديده وتوسيعه.

إن الرأسمالية الجديدة لا تنتج فقط الاستغلال داخل مكان العمل، وإنما تعيد إنتاجه في المجتمع كله، وتربط العمل بالسكن والتعليم والصحة والنقل والبيئة والثقافة والتكنولوجيا.

ومن هنا تصبح قضايا الشباب والنساء والبيئة والسكن والتعليم والصحة والهجرة والحقوق الثقافية والمجالية جزءا من الصراع الاجتماعي، وليست مجرد ملفات جانبية تضاف إلى البرنامج الطبقي.

ثانيا: الرأسمالية تغيرت، ولذلك يجب أن تتغير أدوات اليسار

الرأسمالية أكثر قدرة اليوم على تفكيك القوة الجماعية للعمال، لقد أصبح رأس المال عابرا للحدود، سريع الحركة، معتمدا على التكنولوجيا والمال والمعلومات، بينما أصبح جزء واسع من العمل هشا ومجزأ وفرديا، وفي المقابل، لم يعد الاحتجاج السياسي محصورا في النقابة أو الحزب أو الشارع.

لقد أصبح الهاتف الذكي أداة تعبئة، والمنصة الرقمية فضاء للصراع، والشبكات الاجتماعية مجالا لإنتاج الرأي العام، لكن علينا ألا نقع في الوهم المقابل.

الترند ليس تنظيما، والانتشار الرقمي ليس قوة سياسية، والغضب الافتراضي لا يتحول تلقائيا إلى تغيير اجتماعي، فالرأسمالية نفسها تستخدم التكنولوجيا لتنظيم السيطرة، ولهذا فإن السؤال ليس: هل نستخدم التكنولوجيا؟بل: كيف نحول أدوات العصر الجديد إلى وسائل لتنظيم المقاومة، لا إلى بدائل وهمية عن التنظيم؟ وهنا تبدأ مسؤولية اليسار في فهم أشكال التسييس الجديدة بدل الاكتفاء بالحكم عليها من خارجها.

ثالثا: 20 فبراير... لحظة انكشاف تاريخية

في هذا السياق تكتسب حركة 20 فبراير أهميتها، لم تكن مجرد موجة احتجاج عابرة، ولا مجرد نسخة مغربية من حركات إقليمية.

لقد كانت لحظة انكشاف تاريخية لقدرة المجتمع على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.

في الشارع التقت فئات اجتماعية متعددة، وتداخلت المطالب الديمقراطية مع المطالب الاجتماعية، والكرامة مع العدالة، والحرية مع سؤال السلطة والثروة.

والأهم أن آلاف الشباب دخلوا المجال السياسي دون أن يكونوا بالضرورة أعضاء في الأحزاب والتنظيمات التقليدية.

لقد كشفت 20 فبراير أن المجتمع يستطيع إنتاج السياسة خارج الأطر الحزبية التقليدية، وكان ذلك درسا ينبغي لليسار أن يتوقف طويلاً عنده، فالمشكلة لم تكن أن الشباب غير مسيس.

بل ربما كانت المشكلة أن الأشكال السياسية الموجودة لم تعد قادرة على التعبير عن أشكال التسييس الجديدة.

لقد كان 20 فبراير إنذارا تاريخيا: المجتمع يتحرك، والأشكال السياسية القديمة لا تتحرك بالسرعة نفسها، لكن الحركة كشفت أيضا حدود الانتقال من الاحتجاج إلى التغيير، فالقدرة على تعبئة الشارع لا تكفي وحدها لتغيير موازين القوى، وهنا يظهر الدرس الأهم: لا بد من الجمع بين الطاقة الاجتماعية والتنظيم السياسي والاستراتيجية.

رابعا: حراك الريف... حين يصبح المجال الاجتماعي والسياسي واحدا

إذا كانت 20 فبراير قد كشفت إمكانية التسييس الوطني الواسع، فإن حراك الريف كشف، بصورة أكثر حدة، كيف يمكن لمطالب اجتماعية ومجالية أن تتحول إلى سؤال سياسي شامل.

لم يكن الحراك مجرد احتجاج على حادثة مقتل محسن فكري، رغم أن تلك الحادثة كانت الشرارة التي فجرت الغضب.

فوراء الشرارة كانت توجد تراكمات أعمق: الإحساس بالتهميش، والبطالة، وضعف الخدمات العمومية، والاختلالات المجالية، والذاكرة التاريخية للمنطقة، والشعور بأن التنمية والقرار والثروة لا توزع بصورة عادلة.

لقد كان حراك الريف، بهذا المعنى، انفجارا لمجموعة من التناقضات الاجتماعية والسياسية والمجالية التي ظلت تتراكم تحت سطح المجتمع.

لكن أهمية الحراك لا تكمن فقط في مطالبه أو قدرته التعبوية داخل الريف، بل أيضا في قدرته على تجاوز الحدود الجغرافية للمجال الذي انطلق منه.

فقد انتقلت قضية الريف من الحسيمة إلى مدن مغربية عديدة، ثم عبرت البحر الأبيض المتوسط إلى فضاءات الهجرة المغربية في أوروبا.

تشكلت مبادرات ولجان للتضامن، ونظمت وقفات ومسيرات، وانخرطت فعاليات يسارية وحقوقية ومدنية في التعريف بالحراك والدفاع عن مطالبه.

وهنا يكتسب الحراك معنى آخر: إنه لم يعد مجرد قضية منطقة، بل أصبح قضية تضامن اجتماعي وديمقراطي عابر للحدود.

خامسا: التضامن الأممي... حين تتجاوز القضية حدودها

هذه النقطة بالذات ينبغي ألا تعامل باعتبارها هامشا في تجربة الريف، فالرأسمالية نفسها عابرة للحدود، والهجرة عابرة للحدود، والعمل ورأس المال والشركات والمعلومات عابرة للحدود، فلماذا ينبغي أن تبقى المقاومة محصورة داخل الحدود الوطنية؟

لقد أظهر حراك الريف إمكانية انتقال الصراع من المحلي إلى الوطني، ومن الوطني إلى الأممي.

فحين خرج مغاربة أوروبا للتضامن مع الريف، لم يكونوا مجرد جالية تتابع ما يحدث في بلد الأصل من بعيد. لقد أصبحوا جزءاً من المعركة السياسية نفسها، ينقلون القضية إلى فضاءات جديدة، ويخاطبون الرأي العام والمؤسسات والمنظمات السياسية والنقابية والحقوقية في البلدان التي يعيشون فيها.

كما شاركت قوى يسارية وحقوقية ونقابية أوروبية في مبادرات تضامن مع الحراك، وهو ما أعطى للتجربة بعدا أمميا يتجاوز الانتماء الجغرافي الضيق.

وهنا ينبغي لليسار أن يستخلص درسا يتجاوز اللحظة: الأممية اليوم ليست شعارا يرفع في المناسبات، وإنما شبكة فعل وتضامن وتنظيم، ليست الأممية أن نتحدث باسم شعب آخر، وليست أن نفرض عليه برنامجا جاهزا، وليست أن نحول تضامننا معه إلى وصاية سياسية.

بل أن نقف إلى جانبه، وأن ندافع عن حقه في تقرير مطالبه وأشكال نضاله، وأن نربط معركته بمعارك الشعوب والطبقات الأخرى، التضامن لا يلغي خصوصية النضال؛ بل يحميها من العزلة، وهذا هو المعنى الجديد للأممية التي يحتاجها اليسار: أممية تنطلق من التضامن بين الطبقات والحركات الاجتماعية والشعوب، لا من العلاقات الفوقية بين الأجهزة والتنظيمات.

سادسا: حراك الريف ليس مجرد تكرار لـ20 فبراير

من الخطأ وضع 20 فبراير وحراك الريف في خانة واحدة، فلكل منهما شروطه ومجاله وتكوينه وأشكاله، 20 فبراير كانت حركة ذات امتداد وطني واسع، حملت سؤال النظام السياسي والديمقراطية والعدالة الاجتماعية إلى واجهة النقاش العمومي.

أما حراك الريف فكان أكثر تجذرا في تجربة مجالية واجتماعية وتاريخية محددة، لكنه سرعان ما تجاوز حدود المطالب المحلية ليطرح أسئلة وطنية تتعلق بالكرامة والعدالة والديمقراطية والتنمية.

وبهذا المعنى، فإن التجربتين لا تتطابقان، لكنهما تكشفان شيئا مشتركا: وجود مجتمع قادر على إنتاج أشكال جديدة من الفعل السياسي خارج القنوات التقليدية، وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يهم اليسار أكثر من أي شيء آخر.

سابعا: من 20 فبراير وحراك الريف إلى جيل Z

بعد سنوات من 20 فبراير وحراك الريف ظهر جيل جديد في المجال العام: جيل Z.

جيل لم يتشكل وعيه السياسي داخل المدرسة الحزبية التقليدية، ولا تربى بالضرورة على الصحافة الورقية أو الاجتماعات التنظيمية أو أدبيات الأحزاب، إنه جيل تشكل في عالم آخر:
ـ عالم الهاتف الذكي.
ـ عالم الشبكات.
ـ عالم الفيديو القصير.
ـ عالم السرعة.
ـ عالم انهيار المسافات.
-عالم الشك العميق في المؤسسات التقليدية.

لكن هذا لا يعني أنه جيل غير سياسي، بل يعني أنه جيل يمارس السياسة بطريقة مختلفة، إنه أكثر حساسية تجاه التناقض بين الخطاب والممارسة، وأكثر قدرة على التعبئة السريعة، وأقل استعدادا للخضوع للتراتبية التقليدية، وأكثر ميلا إلى المبادرة الفردية والشبكية، ومن الخطأ أن يتعامل اليسار مع هذا الجيل باعتباره مجرد جمهور ساخط، إنه قوة اجتماعية في طور التشكل.

والأسئلة التي يطرحها هذا الجيل ليست سطحية: ما معنى المستقبل عندما يصبح العمل هشا؟ ما معنى الدراسة عندما لا تضمن الاندماج الاجتماعي؟ ما معنى المواطنة عندما لا يشعر الشباب بأنهم يملكون القدرة على التأثير؟ لماذا ترتفع كلفة الحياة؟ لماذا تتسع الفوارق الاجتماعية؟ لماذا تتحول الخدمات الأساسية إلى أعباء فردية؟ هذه ليست أسئلة جيل مدلل، إنها أسئلة جيل يعيش تناقضات الرأسمالية المعاصرة.

ثامنا: ثلاثة أجيال من الاحتجاج أم ثلاثة أشكال من التسييس؟

يمكن قراءة 20 فبراير وحراك الريف وجيل Z باعتبارها محطات مختلفة في تطور الفعل الاجتماعي والسياسي، ليست واحدة منها نسخة عن الأخرى، لكن بينها خيطا ناظما.

في 20 فبراير ظهر: التسييس الوطني الواسع.

وفي حراك الريف ظهر: التسييس الاجتماعي والمجالي العميق.

وفي جيل Z يظهر: التسييس الرقمي والشبكي والجيلي.

أما التضامن الأممي الذي رافق تجربة الريف، فقد كشف إمكانية انتقال القضية من: المحلي إلى الوطني، ومن الوطني إلى الأممي.

إنها ليست أربع جزر منفصلة، إنها مؤشرات على تحول أعمق في علاقة المجتمع بالسياسة، والمطلوب ليس أن نبحث عن أي واحدة منها باعتبارها الشكل النهائي للاحتجاج، بل أن نفهم كيف يمكن تركيب خبراتها.
فمن 20 فبراير نتعلم قوة التسييس الوطني، ومن حراك الريف نتعلم قوة التجذر الاجتماعي والمجالي، ومن التضامن الأممي نتعلم أن النضال الاجتماعي يستطيع تجاوز الحدود، ومن جيل Z نتعلم سرعة التعبئة الشبكية وأشكال التنظيم الجديدة، والتحدي هو تحويل هذه الخبرات المتعددة إلى قوة اجتماعية وسياسية مستدامة.

تاسعا: من الاحتجاجات إلى القطب الاجتماعي للأغلبية

لكن علينا ألا نقع في خطأ تحويل جيل Z إلى هوية سياسية منفصلة:
ـ فالشاب العاطل ليس فقط شابا، إنه جزء من بنية اجتماعية.
- والطالب ليس فقط طالبا، إنه جزء من مستقبل القوة العاملة.
-والعاملة الشابة ليست فقط امرأة شابة، إنها توجد في تقاطع علاقات طبقية واجتماعية وجندرية.
ـ وسكان منطقة مهمشة ليسوا مجرد سكان منطقة، إنهم جزء من بنية التفاوت المجالي.

لذلك فإن المهمة ليست تنظيم جيل Z بمعزل عن بقية المجتمع، ولا تحويل الحركات المجالية إلى جزر منفصلة، وإنما ربط تجاربها بتجارب الطبقات والفئات الشعبية الأخرى، وهنا تظهر فكرة القطب الاجتماعي للأغلبية، فالمشكلة ليست غياب المقاومة، المغرب يعرف أشكالا متعددة من المقاومة الاجتماعية، المشكلة هي أن هذه المقاومة غالبا ما تبقى مجزأة: احتجاج هنا، معركة نقابية هناك، حركة محلية في منطقة أخرى، حراك طلابي، نضال نسائي، معركة بيئية، احتجاج شبابي، مبادرة تضامنية في المهجر.

لكن ما ينقص هو القدرة على تركيب هذه النضالات في قوة اجتماعية وسياسية واحدة، ليس المطلوب محو اختلافاتها، بل اكتشاف ما يجمعها، فالقطب الاجتماعي للأغلبية ليس تحالفا انتخابيا ظرفيا، ولا جبهة بين القيادات.

إنه بناء كتلة اجتماعية واسعة حول المصالح المشتركة للأغلبية المتضررة من علاقات الاستغلال والتهميش والاستبداد.

عاشرا: من الاحتجاج إلى التسييس

كل احتجاج يحمل إمكانية سياسية، لكنه لا يتحول تلقائيا إلى مشروع سياسي.

ـ هناك مسافة بين الغضب والوعي.
ـ بين الوعي والتنظيم.
ـ بين التنظيم والاستراتيجية.
ـ بين الاستراتيجية وتغيير موازين القوى.
وهنا تكمن وظيفة اليسار، ليس أن يأتي إلى المجتمع ليقول له: أنا أملك الحقيقة.

بل أن يساعد المجتمع على اكتشاف قوته وتنظيمها وتوحيدها.

ـ الحركة الاجتماعية تنتج الطاقة.
ـ التنظيم ينتج الاستمرارية.
ـ البرنامج ينتج الأفق.
ـ الاستراتيجية تحول الطاقة إلى قوة سياسية.

هذه هي المعادلة التي يجب أن يعاد بناء اليسار حولها.

الحادي عشر: برنامج جديد

إذا تغير المجتمع، فلا يمكن أن يبقى البرنامج السياسي كما هو. البرنامج الجديد ليس قائمة من المطالب الاجتماعية، إنه تصور للتحول الاجتماعي، يجب أن يعيد إلى الواجهة الأسئلة الأساسية: من ينتج الثروة؟ من يملكها؟ من يقرر؟ ولصالح من تعمل الدولة والاقتصاد؟
ومن هنا يصبح الدفاع عن التعليم والصحة والسكن والعمل اللائق والخدمات العمومية والعدالة الجبائية والسيادة الاقتصادية والعدالة المجالية وحماية البيئة والمساواة، جزءاً من مشروع متكامل لإعادة توزيع القوة داخل المجتمع.

لا يكفي أن نقول: نريد إصلاح التعليم، بل يجب أن نسأل: أي تعليم؟ ولمن؟ ولأي مجتمع؟ ولا يكفي أن نقول: نريد فرص الشغل، بل يجب أن نسأل: أي نموذج اقتصادي ينتج العمل؟ ولمن تذهب القيمة التي ينتجها العمال؟ ولا يكفي أن نقول:
نريد الديمقراطية، بل يجب أن نسأل: من يمتلك القدرة الفعلية على اتخاذ القرار؟الديمقراطية التي نحتاجها ليست مجرد انتخابات، إنها ديمقراطية سياسية واجتماعية واقتصادية.

أن يصبح المواطن فاعلا في تقرير شروط حياته، لا مجرد ناخب يستدعى كل بضع سنوات.

الثاني عشر: من حزب الهوية إلى حزب المشروع

لقد آن الأوان لكي يتجاوز اليسار نوعا من السياسة التي تختصر نفسها في الهوية، لا يكفي أن نقول:
ـ ماركسيون.
- لينينيون
ـ اشتراكيون.
ـ ثوريون.
السؤال الحقيقي: ماذا تعني هذه الكلمات اليوم؟

كيف ننظم العامل الجديد؟ كيف نصل إلى الشباب؟ كيف نتعامل مع العمل الرقمي؟ كيف نبني علاقة مع الحركات الاجتماعية؟ كيف نحول الاحتجاج إلى وعي؟ كيف نحول الوعي إلى تنظيم؟ وكيف نحول التنظيم إلى قوة سياسية؟ فالهوية التي لا تتحول إلى مشروع تصبح ذاكرة.
والشعار الذي لا يجد طريقه إلى الواقع يصبح طقسا، والتنظيم الذي لا يتجدد يتحول تدريجيا إلى جزء من الأزمة التي يفترض أن يتجاوزها.

الثالث عشر: حزب من نوع جديد

من هنا يصبح الحديث عن حزب جديد ضرورة، لا مجرد رغبة تنظيمية، لكن الحزب الجديد لا يعني دمج الأحزاب القديمة في جهاز أكبر، فجمع الأجهزة لا ينتج بالضرورة حزبا جديدا، قد ينتج جهازا أكبر فقط، الحزب الجديد يجب أن يكون جديدا في منطقه السياسي والتنظيمي والاجتماعي.

حزبا يولد من المجتمع، حزبا يتعلم من الحركات الاجتماعية، حزبا يستوعب المناضلين غير المنتمين، حزبا مفتوحا على الشباب والنساء والمثقفين والعمال والفلاحين والحركات المحلية والبيئية.

حزبا يستوعب أبناء الجالية ومبادرات التضامن الأممي باعتبارهم جزءا من المجال السياسي والاجتماعي، لا مجرد امتداد انتخابي أو مالي، حزبا ديمقراطيا في بنيته، متعدد التيارات في داخله، قابلا للنقد والمراجعة، لا يجعل القيادة امتيازا، ولا يجعل المناضل مجرد منفذ، ولا يعتبر الجماهير مجرد قاعدة انتخابية.

الحزب الجديد ينبغي أن يكون: أداة للمجتمع لا وصيا عليه.

الرابع عشر: لا حزب بلا استقلال طبقي

لكن الانفتاح على المجتمع لا يعني فقدان الاستقلال السياسي، فاليسار يستطيع أن يتحالف مع قوى مختلفة حول الديمقراطية والحقوق والحريات والقضايا الاجتماعية.

لكن التحالفات يجب أن تكون وسيلة لتوسيع الصراع، لا سببا للتنازل عن المشروع، والحديث عن الأغلبية الشعبية لا يعني إلغاء التناقضات الطبقية.

والحديث عن الديمقراطية لا يعني تعليق الصراع الاجتماعي، والانفتاح لا يعني الذوبان، والأممية لا تعني التخلي عن الاستقلال السياسي.

إن الحزب الجديد يجب أن يكون:

- منفتحا دون أن يذوب،
- موحدا دون أن يصبح أحاديا،
- ديمقراطيا دون أن يفقد الفاعلية،
- طبقيا دون أن يتحول إلى طائفة،
- وأمميا دون أن يفقد جذوره الاجتماعية والوطنية،
- وماركسيّا دون أن يحول الماركسية إلى عقيدة مغلقة.

الخامس عشر: لا يمكن بناء المستقبل بعقل الماضي

الماضي مهم، لكن الماضي ليس برنامجا للمستقبل، والوفاء للتجارب النضالية لا يعني تكرار أشكالها، بل استخلاص دروسها.

نحتفظ من الذاكرة بكل ما هو حي:

ـ النقد.
- الاستقلالية.
- الديمقراطية.
-النضال الطبقي.
- التضامن.
- رفض الاستبداد.
- والانحياز إلى المستغلين والمهمشين.

لكن علينا أن نتجاوز:
- التنظيم المغلق.
- البيروقراطية.
- تقديس الأشخاص.

تحويل الخلاف السياسي إلى صراع تنظيمي، والاعتقاد بأن المجتمع سيأتي تلقائيا إلى الحزب، العكس هو الصحيح.

على الحزب أن يذهب إلى المجتمع، أن يصغي إليه، أن يتعلم منه، أن يناضل معه، ثم أن يساعده على تحويل تجاربه المتفرقة إلى وعي جماعي ومشروع سياسي.
السادس عشر: من 20 فبراير وحراك الريف إلى المستقبل

ربما لم تحقق حركة 20 فبراير كل ما حلم به المشاركون فيها، وربما لم يحقق حراك الريف كل ما رفعه من مطالب، لكن التاريخ لا يقاس فقط بما تحقق فورا.
فالحركات الاجتماعية تترك وراءها شيئا يتجاوز النتائج المباشرة، تترك وعيا، وذاكرة وتجارب تنظيمية وأجيالا جديدة من المناضلين، وأشكالا جديدة من التسييس.

لقد أظهرت 20 فبراير إمكانات التعبئة الوطنية، وأظهر حراك الريف قدرة المجال الاجتماعي المحلي على إنتاج حركة ذات أفق سياسي واسع.

وأظهر التضامن الأممي أن القضية الاجتماعية يمكن أن تعبر الحدود وأن تتحول الجالية من موضوع للسياسة إلى فاعل فيها، ويعيد جيل Z طرح أسئلة الكرامة والمشاركة والعدالة بأدوات جديدة.

ومن الخطأ النظر إلى هذه التجارب باعتبارها فشلا لأنها لم تنتج، في لحظتها، بديلا سياسيا مكتمل الأركان، فالحركات الاجتماعية لا تنجز دائماً مهمتها في اللحظة التي تنفجر فيها، أحيانا يكون دورها هو إعادة تشكيل الوعي الذي ستنشأ منه معارك لاحقة.

السابع عشر: إعادة بناء اليسار تبدأ من نقد الذات

لا يمكن أن يولد الجديد دون نقد القديم، والنقد هنا ليس تصفية حسابات، إنه شرط للبقاء، ينبغي أن نسأل بصراحة: لماذا فقد اليسار قدرته على التأثير؟ لماذا ابتعدت عنه قطاعات واسعة من الشباب؟ لماذا أصبحت بعض التنظيمات جزرا منفصلة؟ لماذا تحول الخلاف الداخلي أحيانا إلى صراع أكبر من الصراع مع الخصم الطبقي؟ لماذا عجزنا عن تحويل الحركات الاجتماعية إلى قوة سياسية؟ لماذا لم نستطع بناء علاقة جديدة مع الأجيال التي دخلت السياسة عبر 20 فبراير وحراك الريف والمنصات الرقمية؟ ولماذا ظل جزء من خطابنا مشدودا إلى تجارب تاريخية لم تعد كافية وحدها لفهم الحاضر؟ هذه الأسئلة لا تهدف إلى إدانة أحد.

إنها محاولة لفهم لماذا لم يعد اليسار قادرا على أداء الوظيفة التاريخية التي ينسبها إلى نفسه.

الثامن عشر: من الدفاع إلى الهجوم

ربما تكون المشكلة الأساسية في اليسار اليوم أنه تحول، في كثير من الأحيان، إلى قوة دفاعية، يدافع عن المكتسبات، يدافع عن الحقوق، يدافع عن النقابة، يدافع عن الحريات، يدافع عن المدرسة العمومية، وكل ذلك ضروري.

لكن اليسار الذي يكتفي بالدفاع يترك للخصم مهمة تحديد المستقبل، المطلوب هو الانتقال من الدفاع إلى المبادرة، من رد الفعل إلى الفعل، من الاحتجاج إلى المشروع، من رفض ما هو قائم إلى بناء ما يجب أن يكون.

وهذا هو المعنى العميق للسياسة الثورية اليوم: ليس انتظار لحظة انفجار كبرى، وإنما تراكم قوة اجتماعية وسياسية قادرة على تغيير ميزان القوى.

التاسع عشر: ثلاث كلمات للمستقبل

حقبة جديدة: لأن المجتمع تغير، والرأسمالية تغيرت، والطبقات والحركات والأجيال تغيرت.

برنامج جديد: لأن الأسئلة الاجتماعية لم تعد هي نفسها، ولأن البديل يجب أن يواجه بنية الاستغلال لا أعراضها فقط.

ـ حزب جديد: لأن بناء القوة الاجتماعية والسياسية يحتاج إلى أداة جديدة، ديمقراطية ومنفتحة ومستقلة ومرتبطة بالمجتمع.

لكن هذه الكلمات الثلاث لا تعني ثلاث مراحل منفصلة، إنها وحدة واحدة: الحقبة الجديدة تفرض البرنامج الجديد، والبرنامج الجديد يحتاج إلى الحزب الجديد، والحزب الجديد لا يمكن أن يولد إلا من داخل الصراعات الاجتماعية الجديدة.

نحو يسار لم يوجد بعد

إن المعركة ليست من أجل إنقاذ اليسار القديم، وليست من أجل إعادة إنتاج تنظيمات الماضي بأسماء جديدة، إنها معركة من أجل إعادة بناء اليسار كقوة اجتماعية وسياسية وتاريخية.

قوة تعرف أن الطبقة العاملة لم تختف، بل تغيرت، تعرف أن الحركات الاجتماعية ليست هامشاً، بل مختبرات للوعي والتنظيم، تعرف أن 20 فبراير لم تكن خاتمة، بل لحظة كشفت إمكانات المجتمع، تعرف أن حراك الريف لم يكن مجرد ملف جهوي، بل لحظة كشفت العلاقة العضوية بين العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية والديمقراطية والكرامة.
تعرف أن التضامن الأممي ليس ملحقا أخلاقيا، بل جزء من استراتيجية النضال في عالم أصبح فيه رأس المال عابراً للحدود.
تعرف أن جيل Z ليس جيلا بلا سياسة، بل جيلا يبحث عن سياسة لا تشبه السياسة القديمة، تعرف أن الفضاء الرقمي ليس بديلا عن التنظيم، لكنه مجال جديد للصراع، تعرف أن الوحدة ليست جمع الأجهزة، وإنما تركيب المصالح والنضالات، وتعرف أن الحزب ليس غاية في ذاته، بل أداة لبناء القوة الاجتماعية القادرة على تغيير المجتمع.
لهذا فإن السؤال لم يعد: كيف نعيد اليسار إلى ما كان عليه؟ بل: كيف نبني يسارا لم يوجد بعد؟ يسارا يستوعب درس 20 فبراير ولا يعيش في ذكراها، يسارا يستوعب درس حراك الريف ولا يحوله إلى ذاكرة جهوية مغلقة، يسارا يفهم معنى التضامن الأممي بوصفه امتداداً طبيعياً للنضال الاجتماعي، يسارا يفهم جيل Z ولا يحاول إخضاعه لقوالب الأمس، يسارا يرى في الحركات الاجتماعية أكثر من مجرد ساحات للتدخل، يسارا يعيد اكتشاف الطبقة العاملة في أشكالها الجديدة، يسارا يربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، والحرية بالمساواة، والسياسة بإعادة توزيع القوة والثروة، يسارا ينتقل من الدفاع إلى المبادرة، ومن التشتت إلى التركيب، ومن الاحتجاج إلى التسييس، ومن التسييس إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى مشروع الهيمنة الاجتماعية والسياسية للأغلبية الشعبية، فالتاريخ لا ينتظر أحدا.

والمجتمع لا ينتظر حزبا كي يبدأ في الحركة، لكن حين تتقاطع طاقة المجتمع مع الوعي والتنظيم والبرنامج والاستراتيجية، يصبح ممكناً أن تتحول التناقضات إلى قوة، والقوة إلى مشروع، والمشروع إلى تغيير.
وعندها فقط تصبح الكلمات الثلاث أكثر من مجرد شعار: حقبة جديدة، برنامج جديد، حزب جديد. بل تصبح عنوانا لمعركة تاريخية من أجل مجتمع جديد، ويسار جديد، وأممية جديدة.



#عبد_الغاني_العونية (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الله مناصير: اغتيال المناضل أم اغتيال المشروع؟
- سيون أسيدون: ضمير أممي في زمن الخيانة السياسية
- عزيز غالي… عندما تُعتقل الكلمة في البحر المفتوح
- أزمة العمل النقابي الراهن: من الترويض إلى التآكل
- مغرب جيل Z: تمرّد ما بعد اليأس، أو محاولة أخيرة لإنقاذ المعن ...
- حراك الريف جنازة تفصح عن الحدود: الحراك الشعبي بين الرمز وال ...
- جيل Z ومسيرات 27 شتنبر 2025: استئناف التاريخ أم انفجار عابر؟


المزيد.....




- الاتحاد الأوروبي ينتقد مخطط إسرائيل الاستيطاني في -إي-1-
- شلل متزايد في هرمز.. حركة الشحن تهبط إلى مستويات قياسية
- علماء روس يبتكرون مضادا جديدا للأكسدة
- غيابها عن السوشيال ميديا كان الإنذار.. عملية إنقاذ لفتاة مقي ...
- حريق -هوك- يجبر نحو 90 ألف شخص على إخلاء منازلهم في نيفادا ا ...
- -نوفوستي-: تركيا تتطلع لاستئناف المفاوضات بشأن أوكرانيا قبل ...
- طهران تحذر من تداعيات غياب رد الفعل الدولي على قصف منشآتها ا ...
- مكملات فيتامين (د) قد ترتبط بتحسن الوظائف الإدراكية
- تحذير من مخاطر السجائر الإلكترونية على الصحة النفسية والتنفس ...
- -4+4- توقع بالأحرف الأولى.. هل تبدأ الانتخابات أم معركة الشر ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغاني العونية - من 20 فبراير إلى جيل Z: نحو إعادة بناء اليسار ومشروع التغيير الاجتماعي والديمقراطي