أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تيسير حسن ادريس - الحَرْبُ الَّتِي تُدَارُ بِالحِوَارِ: قِرَاءَةٌ فِي بَيَانِ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ السُّودَانِيِّ















المزيد.....

الحَرْبُ الَّتِي تُدَارُ بِالحِوَارِ: قِرَاءَةٌ فِي بَيَانِ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ السُّودَانِيِّ


تيسير حسن ادريس

الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 18:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المُبْتَدَأُ:
فِي السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ سِبْتَمْبَر 2026، خَرَجَ الحِزْبُ الشُّيُوعِيُّ السُّودَانِيُّ بِبَيَانٍ يَرْفُضُ فِيهِ الدَّعْوَةَ إِلَى «الحِوَارِ السُّودَانِيِّ–السُّودَانِيِّ» الَّتِي أَطْلَقَتْهَا سُلْطَة اﻷمر الواقع. لَمْ يَكُنِ البَيَانُ مُجَرَّدَ مَوْقِفٍ سِيَاسِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ قَدَّمَ تَحْلِيلًا يَسْتَحِقُّ التَّوَقُّفَ عِنْدَهُ: فَالحَرْبُ فِي السُّودَانِ، بِحَسَبِ البَيَانِ، لَمْ تَعُدْ حَدَثًا طَارِئًا يُدَارُ بِالوَسَاطَاتِ، بَلْ صَارَتْ نِظَامًا قَائِمًا بِذَاتِهِ لَهُ اقْتِصَادٌ وَبِنْيَةٌ وَمُسْتَفِيدُونَ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ أَيَّ حَدِيثٍ عَنِ الحِوَارِ قَبْلَ وَقْفِ القِتَالِ يَتَحَوَّلُ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ نَوَايَاهُ المُعْلَنَةِ، إِلَى أَدَاةٍ لِإِطَالَةِ أَمَدِ الحَرْبِ لَا لِإِنْهَائِهَا.
وَالخَبَرُ:
(١)
هَذِهِ القِرَاءَةُ تُحَاوِلُ أَنْ تَضَعَ بَيَانَ الحِزْبِ فِي سِيَاقِهِ المَادِّيِّ وَالطَّبَقِيِّ، بَعِيدًا عَنِ الشِّعَارَاتِ، عَبْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ نُقْطَةً تُشَكِّلُ فِي مَجْمُوعِهَا صُورَةً مُتَكَامِلَةً لِمَوْقِفٍ سِيَاسِيٍّ لَهُ مَنْطِقُهُ الدَّاخِلِيُّ. فِي الحُرُوبِ الطَّوِيلَةِ، يَتَحَوَّلُ القِتَالُ نَفْسُهُ إِلَى مَصْدَرِ رِزْقٍ. فِي السُّودَانِ، صَارَتْ مَنَاجِمُ الذَّهَبِ، وَمَعَابِرُ التَّهْرِيبِ، وَالجِبَايَاتُ عَلَى الطُّرُقِ، وَالتِّجَارَةُ عَبْرَ الحُدُودِ، شَبَكَةَ مَصَالِحَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَوَقَّفَ بِمُجَرَّدِ تَوْقِيعِ وَرَقَةٍ. مَنْ يُدِيرُ هَذِهِ الشَّبَكَةَ لَا يُرِيدُ لَهَا أَنْ تَنْتَهِيَ، لِأَنَّ نِهَايَتَهَا تَعْنِي نِهَايَةَ مَوَارِدِهِ. البَيَانُ يُدْرِكُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ حِينَ يَرْفُضُ التَّعَامُلَ مَعَ الحَرْبِ كَأَنَّهَا مُجَرَّدُ «خِلَافٍ سِيَاسِيٍّ» يُمْكِنُ حَلُّهُ بِجَلْسَةِ حِوَارٍ.
(٢)
المُسْتَفِيدُونَ مِنَ الفَوْضَى طَبَقَةٌ لَهَا اسْمٌ؛ فَالبَيَانُ يُسَمِّيهِمْ: الرَّأْسْمَالِيَّةَ الطُّفَيْلِيَّةَ، وَفُلُولَ النِّظَامِ السَّابِقِ، وَالإِسْلَامِيِّينَ. وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا جَمَاعَةَ ضَغْطٍ سِيَاسِيٍّ عَادِيَّةً، بَلْ طَبَقَةٌ تَعْتَمِدُ عَلَى نَهْبِ المَوَارِدِ لَا عَلَى إِنْتَاجِهَا. السَّلَامُ الحَقِيقِيُّ، أَيِ السَّلَامُ الَّذِي يُوقِفُ النَّهْبَ، يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ إِفْلَاسًا. لِذَلِكَ هُمْ آخِرُ مَنْ يُرِيدُ وَقْفَ الحَرْبِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنِ الحِوَارِ وَالتَّسْوِيَةِ.
(٣)
الخَارِجُ لَيْسَ وَسِيطًا مُحَايِدًا؛ فَالدُّوَلُ الَّتِي تَرْعَى المُبَادَرَاتِ — الإِمَارَاتُ وَمِصْرُ وَالوِلَايَاتُ المُتَّحِدَةُ — لَهَا مَصَالِحُ مَادِّيَّةٌ مُبَاشِرَةٌ فِي السُّودَانِ: الذَّهَبُ، وَالأَرَاضِي الزِّرَاعِيَّةُ، وَالمَمَرَّاتُ البَحْرِيَّةُ، وَالنُّفُوذُ العَسْكَرِيُّ فِي البَحْرِ الأَحْمَرِ. وَيُشِيرُ البَيَانُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ القُوَى «كَانَ بِإِمْكَانِهَا إِيقَافُ الحَرْبِ مِنَ البِدَايَةِ لَكِنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ حِفَاظًا عَلَى مَصَالِحِهَا». أَيْ أَنَّ الوَسِيطَ هُنَا طَرَفٌ فِي الصِّرَاعِ، لَا حَكَمٌ بَيْنَ أَطْرَافِهِ.
(٤)
فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ الحَرِجَةِ مِنْ تَارِيخِنَا الوَطَنِيِّ، لَا يَتَمَثَّلُ السُّؤَالُ الأَسَاسِيُّ فِي «مَنْ يَحْكُمُ؟» بَلْ فِي «كَيْفَ يُمْكِنُ إِيقَافُ الحَرْبِ؟». وَهُنَا يَكْمُنُ جَوْهَرُ البَيَانِ. الحَدِيثُ عَنْ تَرْتِيبَاتٍ دُسْتُورِيَّةٍ، أَوِ انْتِخَابَاتٍ، أَوْ حُكُومَةٍ انْتِقَالِيَّةٍ، قَبْلَ وَقْفِ القِتَالِ، يُشْبِهُ تَرْتِيبَ الأَثَاثِ فِي بَيْتٍ يَحْتَرِقُ. الأَوْلَوِيَّةُ المَادِّيَّةُ لَيْسَتْ مَنْ يَجْلِسُ عَلَى الكُرْسِيِّ، بَلْ كَيْفَ يُمْكِنُ وَقْفُ القَصْفِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ. أَيُّ تَرْتِيبٍ سِيَاسِيٍّ يُبْنَى فَوْقَ حَرْبٍ مُسْتَمِرَّةٍ هُوَ تَرْتِيبٌ هَشٌّ وَمُؤَقَّتٌ بِالضَّرُورَةِ.
(٥)
الحِوَارُ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ سُلْطَةُ الأَمْرِ الوَاقِعِ اليَوْمَ فِي السُّودَانِ لَيْسَ وَسِيلَةً لِإِنْهَاءِ الحَرْبِ، بَلْ وَسِيلَةٌ لِتَحْوِيلِ نَفْسِهَا مِنْ قِيَادَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ أَمْرٍ وَاقِعٍ إِلَى حُكُومَةٍ مُعْتَرَفٍ بِهَا. الحِوَارُ هُنَا هُوَ الغَايَةُ لَا الوَسِيلَةُ. أَيْ أَنَّ نَجَاحَهُ، مِنْ مَنْظُورِ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، لَا يُقَاسُ بِوَقْفِ القِتَالِ بَلْ بِالِاعْتِرَافِ بِهِمْ طَرَفًا حَاكِمًا شَرْعِيًّا.
(٦)
بَيَانُ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ يُلَاحِظُ أَنَّ السُّلْطَةَ عَيَّنَتْ أَعْضَاءَ اللِّجَانِ بِنَفْسِهَا مِنْ حُلَفَائِهَا. عِنْدَمَا تُخْتَارُ لَجْنَةُ الحِوَارِ سَلَفًا بِحَيْثُ تُسْتَبْعَدُ القُوَى الثَّوْرِيَّةُ، فَالنَّتِيجَةُ مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ الجَلْسَةُ الأُولَى. اخْتِيَارُ المُشَارِكِينَ هُوَ الرِّسَالَةُ الحَقِيقِيَّةُ، لَا جَدْوَلُ الأَعْمَالِ المُعْلَنُ.
(٧)
تَعَدُّدُ المُبَادَرَاتِ لَيْسَ دَلِيلَ نَشَاطٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ قد يكون أَدَاةُ تَعْطِيلٍ. كُلُّ مُبَادَرَةٍ جَدِيدَةٍ تَعْنِي جَدْوَلًا جَدِيدًا، وَمُمَثِّلِينَ جُدُدًا، وَمُقَرَّرَاتٍ جَدِيدَةً، وَجَوْلَةً جَدِيدَةً مِنَ المُشَاوَرَاتِ. وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ القِتَالُ. الوَقْتُ نَفْسُهُ مَوْرِدٌ يُسْتَنْزَفُ، وَالمُسْتَفِيدُونَ مِنَ الحَرْبِ هُمْ أَوَّلُ مَنْ يَكْسَبُ مِنْ هَذَا الِاسْتِنْزَافِ. تَكْدِيسُ المُبَادَرَاتِ دُونَ نَتِيجَةٍ لَيْسَ فَشَلًا فِي السِّيَاسَةِ، بَلْ هُوَ السِّيَاسَةُ ذَاتُهَا.
(٨)
فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ يُخْفِي الشَّكْلُ الدِّيمُقْرَاطِيُّ مَضْمُونًا مُضَادًّا لِلدِّيمُقْرَاطِيَّةِ. فَالحِوَارُ «السُّودَانِيُّ–السُّودَانِيُّ» يَبْدُو فِي ظَاهِرِهِ دِيمُقْرَاطِيًّا وَشَامِلًا. لَكِنَّ جَوْهَرَهُ، بِحَسَبِ التَّحْلِيلِ الرَّصِينِ الوَارِدِ فِي البَيَانِ، مَنْحُ غِطَاءٍ سِيَاسِيٍّ لِسُلْطَةٍ قَامَتْ عَلَى القُوَّةِ. هَذَا نَمُوذَجٌ كِلَاسِيكِيٌّ لِانْفِصَالِ الشَّكْلِ عَنِ المَضْمُونِ: المَظْهَرُ تَشَارُكِيٌّ، وَالجَوْهَرُ إِعَادَةُ إِنْتَاجٍ لِسُلْطَةِ الأَمْرِ الوَاقِعِ.
(٩)
مِنَ الوَاضِحِ أَنَّ كَثَافَةَ المُبَادَرَاتِ تُخْفِي وَظَائِفَ خَفِيَّةً، مِنْ أَخْطَرِهَا تَحْوِيلُ الصِّرَاعِ الطَّبَقِيِّ إِلَى صِرَاعٍ قَبَلِيٍّ وَعِرْقِيٍّ. البَيَانُ يُحَذِّرُ مِنْ خِطَابِ التَّحْرِيضِ القَبَلِيِّ. وَلِهَذَا التَّحْوِيلِ وَظِيفَةٌ مَادِّيَّةٌ وَاضِحَةٌ؛ فَعِنْدَمَا يُقْتَلُ الفَقِيرُ عَلَى أَسَاسِ قَبِيلَتِهِ، يَخْتَفِي السُّؤَالُ عَمَّنْ يَسْرِقُ الذَّهَبَ وَالأَرْضَ. الِانْقِسَامُ الأُفُقِيُّ يَشْغَلُ النَّاسَ عَنِ السُّؤَالِ العَمُودِيِّ: مَنْ يَرْبَحُ مِنَ الحَرْبِ؟ وَمَنْ يَدْفَعُ ثَمَنَهَا؟
(١٠)
لَقَدْ أَثْبَتَتِ التَّجَارِبُ أَنَّ القُوَى الَّتِي تَعْتَمِدُ فِي حَلِّ قَضَايَا شَعْبِهَا عَلَى الخَارِجِ لَا تُمَثِّلُ بِالضَّرُورَةِ مَنْ يُعَانُونَ فِي الدَّاخِلِ. فَالقُوَى المَدَنِيَّةُ الَّتِي تُرَاهِنُ عَلَى الوَسَاطَاتِ الدَّوْلِيَّةِ تَرْتَبِطُ مَصَالِحُهَا بِالمَحَاوِرِ الخَارِجِيَّةِ. أَمَّا العُمَّالُ وَالفَلَّاحُونَ وَالنَّازِحُونَ، فَلَا صَوْتَ لَهُمْ فِي تِلْكَ المَحَاوِرِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مَا يُقَايَضُونَ بِهِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ الحِوَارَ الَّذِي يُدَارُ مِنَ الخَارِجِ يُمَثِّلُ الخَارِجَ، لَا مَنْ يَحْتَرِقُ بِنَارِ الحَرْبِ فِي الدَّاخِلِ.
(١١)
عَلَى الجَمِيعِ أَنْ يَفْهَمُوا أَنَّ وَقْفَ القِتَالِ لَيْسَ هَدَفًا بَيْنَ أَهْدَافٍ، بَلْ شَرْطٌ لِكُلِّ هَدَفٍ آخَرَ؛ فَلَا يُمْكِنُ الحَدِيثُ عَنْ عَدَالَةٍ انْتِقَالِيَّةٍ، أَوِ انْتِخَابَاتٍ، أَوْ دُسْتُورٍ، أَوْ تَعْوِيضَاتٍ، فِي ظِلِّ قَصْفٍ مُسْتَمِرٍّ وَنُزُوحٍ جَمَاعِيٍّ. التَّرْتِيبُ المَادِّيُّ لِلْخُطُوَاتِ وَاضِحٌ: وَقْفُ الحَرْبِ أَوَّلًا، ثُمَّ كُلُّ شَيْءٍ آخَرُ. مَنْ يَعْكِسُ هَذَا التَّرْتِيبَ يَعْكِسُ، بِوَعْيٍ أَوْ بِغَيْرِ وَعْيٍ، أَوْلَوِيَّةَ اسْتِمْرَارِ الحَرْبِ.
(١٢)
عِنْدَمَا يَتَحَدَّثُ بَيَانُ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ عَنْ «تَوْحِيدِ الصُّفُوفِ» وَ«التَّمَسُّكِ بِمَسَارِ دِيسَمْبَر»، فَهُوَ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ شِعَارَاتٍ، بَلْ عَنْ شَبَكَةٍ مَوْجُودَةٍ فِعْلًا: لِجَانِ المُقَاوَمَةِ، وَالنِّقَابَاتِ، وَالتَّجَمُّعَاتِ المِهَنِيَّةِ. هَذِهِ التَّنْظِيمَاتُ هِيَ البِنْيَةُ الوَحِيدَةُ القَادِرَةُ عَلَى إِيقَافِ الحَرْبِ إِذَا تَوَحَّدَتْ، لِأَنَّهَا تَعْمَلُ فِي المَيْدَانِ لَا فِي الفَنَادِقِ.
(١٣)
الهَبَّةُ الجَمَاهِيرِيَّةُ فِي دِيسَمْبَر 2018 لَمْ تَكُنْ حَدَثًا عَاطِفِيًّا بَلْ تَنَاقُضًا مَادِّيًّا؛ فَالثَّوْرَةُ السُّودَانِيَّةُ انْفَجَرَتْ بِسَبَبِ الخُبْزِ وَالوَقُودِ وَالبَطَالَةِ وَالمَظَالِمِ فِي دَارْفُورَ وَالنِّيلِ الأَزْرَقِ وَبَقِيَّةِ المَنَاطِقِ المُهَمَّشَةِ، أَيْ بِسَبَبِ أَزْمَةٍ سِيَاسِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ وَمَعِيشِيَّةٍ. الحَرْبُ اليَوْمَ امْتِدَادٌ لِتِلْكَ الأَزْمَةِ، لَا قَطِيعَةٌ مَعَهَا. لِذَلِكَ فَالحَدِيثُ عَنْ «اسْتِعَادَةِ مَسَارِ دِيسَمْبَر» لَيْسَ حَنِينًا إِلَى المَاضِي، بَلْ إِعَادَةُ طَرْحٍ لِلسُّؤَالِ المَادِّيِّ نَفْسِهِ: مَنْ يَمْلِكُ السُّلْطَةَ وَالثَّرْوَةَ؟ وَمَنْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ؟
(١٤)
إِنَّ المُشَارَكَةَ فِي الحِوَارِ الَّذِي تَدْعُو لَهُ سُلْطَةُ الأَمْرِ الوَاقِعِ تَعْنِي الِاعْتِرَافَ الضِّمْنِيَّ بِهَا. رَفْضُ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ لِلْحِوَارِ قَرَارٌ مَحْسُوبٌ. مَنْ يَدْخُلُ القَاعَةَ يَمْنَحُهَا شَرْعِيَّةً بِحُضُورِهِ، حَتَّى لَوِ اعْتَرَضَ دَاخِلَهَا. وَالرَّفْضُ هُنَا أَرْخَصُ ثَمَنًا مِنَ المُشَارَكَةِ، لِأَنَّ المُشَارَكَةَ تُطِيلُ عُمْرَ سُلْطَةٍ تَبْحَثُ عَنْ غِطَاءٍ سِيَاسِيٍّ، بَيْنَمَا الرَّفْضُ يَحْرِمُهَا مِنْ هَذَا الغِطَاءِ.
(١٥)
فِي اعْتِقَادِي أَنَّ السُّؤَالَ الأَهَمَّ هُنَا لَيْسَ هو: هَلْ كَلَامُ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ الوَارِدُ فِي بَيَانِهِ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ بَلْ: هَلْ سَتُدْرَجُ مَطَالِبُ وَقْفِ الحَرْبِ شَرْطًا غَيْرَ قَابِلٍ لِلتَّفَاوُضِ فِي هَذِهِ المُبَادَرَةِ أَوْ فِي أَيِّ مُبَادَرَةٍ قَادِمَةٍ؟ إِنْ لَمْ يَحْدُثْ ذَلِكَ، فَإِنَّ تَحْلِيلَ البَيَانِ سَيَكُونُ قَدْ أَصَابَ كَبِدَ الحَقِيقَةِ؛ فَالمَوْقِفُ الَّذِي طَرَحَهُ الحِزْبُ الشُّيُوعِيُّ يُمْكِنُ فَهْمُهُ عَلَى أَنَّهُ رَفْضٌ لِسِيَاسَةِ «الوَقْتِ بَدَلِ الضَّائِعِ»، أَيِ اسْتِخْدَامِ الحِوَارِ كوَرَقَةَ تَأْجِيلٍ لَا وَرَقَةَ حَلٍّ. فَفِي ظِلِّ حَرْبٍ صَارَتْ مَصْدَرَ رِزْقٍ لِبَعْضِ الأَطْرَافِ، فَإِنَّ أَيَّ مُبَادَرَةٍ لَا تَبْدَأُ مِنْ وَقْفِ القِتَالِ سَتَبْقَى، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ نَوَايَا أَصْحَابِهَا، عَامِلًا يُسَاعِدُ عَلَى اسْتِمْرَارِهَا. قَدْ يَخْتَلِفُ المَرْءُ مَعَ الحِزْبِ فِي تَفَاصِيلِ رُؤْيَتِهِ، وَهَذَا حَقٌّ مَكْفُولٌ لِلْجَمِيعِ؛ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَجَاهَلَ السُّؤَالَ الَّذِي تَطْرَحُهُ الرُّؤْيَةُ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الحَرْبُ قَدْ غَدَتْ نِظَامًا، فَهَلْ يَكْفِي الحِوَارُ لِإِسْقَاطِ نِظَامٍ؟ أَمْ أَنَّ الأَمْرَ يَحْتَاجُ إِلَى قُوًى أُخْرَى، خَارِجَ القَاعَاتِ وَخَارِجَ البَيَانَاتِ؟



#تيسير_حسن_ادريس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتصار الجيش وهزيمة الجنرالات جدلية الحرب والسلطة في السودان
- حين يصبح النقد مرآة عاكسة لذات الناقد
- هَلْ الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ السُودانِيُّ -مَعْزُولاً- أَمْ -ص ...
- دِيالكْتِيك المُنافِي كَيْفَ أَسْهَمَت إِعادَةُ التَوْطِينِ ...
- الاِتِّفاقِيّاتُ الإِبْراهِيمِيَّةُ مِنْ صَفْقَةِ القَرْنِ إ ...
- هَلْ الهامِشُ المُسَلَّحُ طَلِيعَةٌ ثَوْرِيَّةٌ؟؟
- مِيزانُ النارِ ... اِرْتِعاشُ خَرائِطِ الوَلاءاتِ الْقَدِيمَ ...
- الجَذْرِيَّةُ كَأُفُقٍ طَبَقِيٍّ.. لا كَأَيْديُولُوجْيا لِلف ...
- أَنْقاضُ الرَأْسِمالِيَّةِ .. نَظْرَةٌ فِي الصِراعِ الإِيران ...
- جَدَلِيَّةُ -النَقاءِ الثَوْرِيِّ- والواقعية السِياسِيَّةِ-
- صَاحِبُ قَنَاةِ عَزَّامٍ وَالْعَرْضِيُّ بِرَّهُ الْحَلْقَةِ
- تَهافَتَ كودي وَصَنان بول بَعِيرِهِ
- النَخَبُ السُودانِيَّةُ المَصْلُوبَةُ عَلَى جِدارِ الثَرْثَر ...
- النَخَبُ السُودانِيَّةُ المَصْلُوبَةُ عَلَى جِدارِ الثَرْثَر ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- تعقيدات المشهد السوداني الماثل نظرة تحليلية 7/7 (7) تناقضات ...


المزيد.....




- مراسلة CNN تجرب خدمة -قطارات الاتحاد- الجديدة بين أبوظبي ودب ...
- ترامب يعود إلى -إير فورس وان- القديمة.. ماذا يحدث لطائرة الر ...
- الكويت.. الداخلية تعلن ضبط 5 مصريين وسوريين وتكشف ما فعلوه
- وزير الدفاع البلجيكي: أوروبا لا تملك موارد كافية لخوض حرب
- الجزائر تستنكر الاعتداء على محطة كهرباء -طيبة- بالمدينة المن ...
- -هآرتس- تنشر وثيقة تعتبر مصر والأردن -دولتان عدوتان- وتدعو ل ...
- المبعوثة الأممية تبحث مع الخارجية الروسية دفع الانتخابات الل ...
- جمعوا مبالغ طائلة.. القبض على 5 مقيمين في الكويت لاستغلالهم ...
- ألماني وسوريان في قفص الاتهام: تفاصيل جديدة عن -خلية إرهابية ...
- صحيفة: تضرر أكثر من 560 مؤسسة تعليمية خلال الاحتجاجات في فرن ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تيسير حسن ادريس - الحَرْبُ الَّتِي تُدَارُ بِالحِوَارِ: قِرَاءَةٌ فِي بَيَانِ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ السُّودَانِيِّ