أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - عرض ونقد (الحلقة 2-2): -الحقيقة والأشكال القانونية-/بقلم ميشيل فوكو - ت: من الألمانية أكد الجبوري















المزيد.....



عرض ونقد (الحلقة 2-2): -الحقيقة والأشكال القانونية-/بقلم ميشيل فوكو - ت: من الألمانية أكد الجبوري


أكد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 09:36
المحور: الادب والفن
    


عرض ونقد (الحلقة 2-2):
"الحقيقة والأشكال القانونية"/بقلم ميشيل فوكو - ت: من الألمانية أكد الجبوري
اختيار واعداد ونقد شعوب الجبوري - ت: من الألمانية أكد الجبوري


…. تابع
عرض توصيفي مبسط؛
تتناول هذه المراجعة النقدية العلاقة بين الحقيقة الأشكال القانونية في محاضرات ميشيل فوكو. وتسعى إلى توضيح كيف تحوّل هذا المجال من مفهوم يُركّز على هياكل الشكل القانوني نحو السلطة بوصفها مُنتِجة لخطابات الحقيقة، إلى تحليل قوة الشكل القانوني كحقيقة نفسه بوصفه حدًّا للسلطة. في هذا السياق، وبعد التطرق إلى إدخال فكرة الإرادة في علم آثار المعرفة ونتائجها، تستكشف المقالة مفهومي قوة الشكل القانوني كنظام الحقيقة والتحقق من صحة الحقيقة القانونية للسلطة.

مقدمة لابد منها؛
العرض في الحلقة الماضية. يُعد مسارًا. في مقام كتاب أو محاضرة أو مقالة "فوكو" في قاموس الفلاسفة، إذ يُقدّم فوكو نفسه، كفيلسوف للحقيقة، أو بتعبير أدق، لما هو صحيح. وهذا، إلى حد ما، لا سيما بالنظر إلى استقبال أعماله، أمرٌ مُثير للدهشة. فقد كانت العدمية والنسبية والشك من بين الأوصاف الشائعة لفكرِه. لعلّ أفضل ما يُتيح لنا فهم معنى ونطاق هذا الوصف السيري الذاتي هو مراجعة محاضراته في كوليج دو فرانس، والتي اكتمل نشرها مؤخرًا. وهذا، جزئيًا، هو الهدف الذي وضعناه نصب أعيننا. ونحن نأخذ المحاضرة "الحقيقة والأشكال القانونية"(). بين وجهتي أنظارنا في المراجعة.

بالتأكيد، يُمكننا مناقشة مدى وجود مفهوم واقعي للحقيقة لدى فوكو، حتى وإن لم يتوافق مع مفهوم "الكفاية" و"البقايا". وكذلك، كيف يرتبط هذا المفهوم بمفهوم فلاسفة آخرين من القرن العشرين. لكننا في هذا العمل نسعى لتحقيق أهداف إعادة القراءة. نهدف بالمراجعة إلى توضيح كيف تغيّرت العلاقة بين السلطة والحقيقة عبر دوراته، وكيف انتقل فوكو من التحليلات التاريخية التي تُركّز على كيفية إنتاج هياكل السلطة للحقيقة، إلى الاهتمام بمظاهر الحقيقة التي تكون فيها قوة الحقيقة وسلطتها على المحك.

ولتوضيح اهتمامنا، يجدر بنا الاستشهاد بنص الكتاب الذي يشير إليه فوكو نفسه عندما يعيد توجيه بحثه حول العلاقة بين السلطة والحقيقة: "كلما عدنا إلى الوراء في تاريخ جنسنا البشري، كلما كانت الكلمة الحقيقية قوة لا تستطيع سوى قلة من القوى مقاومتها. لقد ظهرت الحقيقة مبكراً للبشرية كواحدة من أكثر الأسلحة اللفظية فعالية، وواحدة من أكثر بذور السلطة غزارة، وواحدة من أكثر أسس مؤسساتها صلابة."()


- منظور لحظة تحوّل: الشكل القانوني لإرادة المعرفة؛
بحسب ما ورد في منشورات ميشيل فوكو، فإنّ مصطلح "تاريخ الحقيقة" ظهر لأول مرة في كتابه "محاضرات في إرادة المعرفة"(1976)() ، حيث أعاد فوكو، مُستعرضًا بإيجازٍ موضوعاتٍ سبق ذكرها في كتابه "نظام الخطاب"(1971)()، محاولةً وضع "نظرية لإرادة المعرفة تُشكّل أساسًا للتحليلات التاريخية"() التي كان ينوي القيام بها. وبشكلٍ أدق، ورد هذا المصطلح في المحاضرة التي ألقاها عام 1971 في جامعة ماكجيل() بعنوان: "محاضرات في نيتشه: كيف نفكر في تاريخ الحقيقة مع نيتشه دون أن ندعم الحقيقة؟"() (محاضرات عن نيتشه: كيف نفكر في تاريخ الحقيقة مع نيتشه دون الاعتماد على الحقيقة؟)،()] والتي أُدرجت في طبعة 1970-1971 من هذه المحاضرات التي نشرتها كوليج دو فرانس.[()

على الرغم من تداخلها، يمكن تمييز ثلاثة خطوط رئيسية في عرض فوكو لهذه الدورة.
- أولًا، هناك التباين بين شكلين "متطرفين ومتناقضين"() لإرادة المعرفة: أرسطو ونيتشه. فمن جهة، وفقًا للمقطع الافتتاحي الشهير من كتاب الميتافيزيقا، تُقدَّم المعرفة على أنها طبيعية للبشرية، ومنذ فجر الإحساس، تُفترض علاقة بين المعرفة واللذة وعدم الجدوى، وتجد تعبيرها الأكمل في مثال الحياة التأملية. أما بالنسبة لنيتشه، فقد كانت المعرفة اختراعًا يستجيب للمصلحة الذاتية والمنفعة، والحقيقة هي أولى تزييفاتها.
- ثانيًا، نصادف الموضوع الذي يشغل معظم أعمال فوكو: تحليل أشكال الخطاب الحقيقي في الثقافة اليونانية. يشمل ذلك السفسطائيين، وأفلاطون، وأرسطو، وكذلك هوميروس، وهسيود، والطقوس القديمة للخطاب الحقيقي، وأشكالها القانونية والقضائية، والعلاقة بين العدالة والحقيقة ومؤسسة العملة، وأخيرًا، الكاتب المسرحي اليوناني سوفوكليس (496 ق.م - 405 ق.م)() ومسألة الحقيقة في المأساة اليونانية القديمة في مسرحية أوديب. يعود فوكو إلى بعض هذه المواضيع، ولا سيما الممارسات القضائية في اليونان ومسرحية أوديب لسوفوكليس، في مناسبات عديدة.() يسعى فوكو، في جميع هذه المواد، إلى إظهار كيف تلاقت إدارة العدالة والمعرفة التي تتطلبها في مفهوم للحقيقة يُفهم على أنه "ما يمكن رؤيته والتحقق منه وحسابه، والذي يخضع لقوانين مشابهة لتلك التي تحكم نظام العالم".()
- ثالثًا، نجد تلك المقاطع التي يعيد فيها فوكو، استنادًا إلى التباين المذكور آنفًا وهذه التحليلات التاريخية، النظر في المشكلات والمفاهيم التي تناولها في السنوات السابقة مباشرة، ولا سيما في كتابه "علم آثار المعرفة" (1969)()، والمتعلق بعلم آثار الخطابات.

على الرغم من أن هذا الخط الثالث من العرض، حيث نجد عبارة "تاريخ الحقيقة"، يشغل حيزًا أصغر بكثير من الخطين السابقين، إلا أنه، من منظور بناء فكر فوكو، هو الأكثر أهمية. في الواقع، من خلال تقديم مفهوم إرادة المعرفة، وهو الموضوع الرئيسي للدورة، يسعى فوكو إلى حل أحد أكبر تحديات علم الآثار لديه: تقديم تفسير للتحولات المعرفية. ولتحقيق هذه الغاية، يلجأ فوكو إلى فكرة "إرادة المعرفة، المجهولة والمتعددة الأشكال، القابلة للتحولات المنتظمة".()

وفيما يتعلق بهذه الفترة، أي بداية سبعينيات القرن العشرين، التي أُدخل فيها مفهوم الإرادة إلى علم آثار المعرفة، والتي برزت فيها فكرة تاريخ الحقيقة، أكد فوكو في حوارٍ عام 1977() أنه في ذلك الوقت كان لديه تصورٌ قاصرٌ عن السلطة، وبالتالي عن العلاقة بين السلطة والحقيقة. وبتعبيره الخاص، كانت تلك "لحظة انتقال".()


- منظور لحظة تحوّل السلطة: الشكل القانوني لحفريات إرادة المعرفة؛
كما أشرنا آنفًا، في بعض فقرات كتاب "محاضرات في إرادة المعرفة"، تُعاد صراحةً تناول المفاهيم الأساسية التي حددت منهج فوكو في كتابه "حفريات المعرفة"، وذلك في سياق مفهوم الإرادة، الذي كان غائبًا تمامًا عن هذا العمل الصادر عام 1969(). وتحديدًا، ثلاثة مفاهيم منها: مسألة مادية العبارات، ومفهوم الحدث الخطابي، وضرورة تجاوز المفاضلة بين نظام الدال واللجوء إلى التأويل.

في الواقع، تهيمن مسألة مادية العبارات على محور إعادة بناء فوكو للتفسير الأرسطي للسفسطائيين. يهتم فوكو بتوضيح كيف أن المغالطات، في نظر أرسطو، ليست حججًا زائفة أو ناقصة، بل هي حجج زائفة لا تنطلق من مادية اللغة فحسب، بل من صميم هذه المادية. فالسفسطائيون هم أولئك الذين يتعاملون مع العبارات كما لو كانت أشياءً - في هذه الحالة، أشياءً قيلت. وقد أتاح استبعاد هذه المادية، الذي تجلى في طرد أرسطو للسفسطائيين من مجال تاريخ الفلسفة،() وفقًا لفوكو، ظهور الظواهر التي أدت إلى نشأة العلوم والفلسفة الغربية: بناء منطق إبوفانتيكي(358 ق.م)() [= مذهب الحكم الإسنادي. ويتضمن هذا المذهب إعلانًا أو بيانًا أو قضية.()]، تُظهر فيه سيادة العلاقة بين المدلول والدال، والأولوية الممنوحة للفكر باعتباره موضع ظهور الحقيقة.()

وتظهر العلاقة بين مادية العبارات والمغالطات، أولًا وقبل كل شيء، في علاقتها بندرة الكلمات بالنسبة للأشياء. وإلى هذه الندرة، كما يؤكد أرسطو، يجب أن نعزو تلك المغالطات الناشئة عن التجانس اللفظي. يشير فوكو الآن إلى أنه، بالإضافة إلى هذه الأشكال، ورغم أن أرسطو لم يصرح بذلك صراحةً، فإن الأشكال السفسطائية الأخرى (بالتفكيك، وبالربط، وبالأسبقية، إلخ) هي أيضاً نتيجة لمادية العبارات.() وفي هذا الصدد، يعدد أربعة أبعاد للمادية: خطية الخطاب التي تُتيح إزاحة عناصره، وتسلسل أو تتابع الخطابات التي يُدرج فيها كل خطاب، وكونه حدثاً (أي كونه أشياءً قيلت)، وطابعه الاستراتيجي (سياق الصراع أو التنافس الذي تُقال فيه الأشياء).() وانطلاقاً من هذه الأبعاد المادية المتعددة للخطاب، يُمكن، بالنسبة لفوكو، مقارنة المنطق والسفسطة نقطةً بنقطة.()

كما يُتيح تفسير فوكو للسفسطائيين فرصةً لتقديم تصور لمفهوم الحدث اللفظي. في منطق الخطاب السفسطائي، يتشكل واقع الخطاب العقلاني، من جهة، من خلال مجموعة من القواعد المجهولة والعالمية، ومن جهة أخرى، في علاقة مع الوجود والحقيقة تمر عبر مثالية المعنى. أما الخطاب السفسطائي، من جهة أخرى، فيعمل على مستوى الحدث، أي حقيقة أن أشياء معينة قد قيلت، وتعتمد صحتها على القدرة على الاستمرار في قولها حتى يتم إسكات الخصم.()

في استكشافه للثقافة اليونانية الكلاسيكية، كما أشرنا، يتناول فوكو مسرحية أوديب لسوفوكليس. لا يُنظر إلى أوديب على أنه الشخصية التي تروي "مصير غرائزنا أو رغباتنا"، بل على أنه الشخصية التي تكشف "نظام الإكراه الذي خضع له خطاب الحقيقة في المجتمعات الغربية منذ عهد الإغريق"()، أي الخضوع للحقائق القابلة للتحقق. من هذا المنظور، وبالإشارة إلى العلاقة التي أرساها سوفوكليس بين السلطة والنقاء والحقيقة في هذه المأساة، يُقدم فوكو بعض التوضيحات بشأن مفهوم الحدث الخطابي. ويوضح أن هذا ليس حقيقة تاريخية محددة، تقع في مكان وزمان معينين، ولا هو شيء يحدث في الخطاب، في النص؛ بل هو بالأحرى شيء "متعدد الرؤوس"، "دائمًا تشتت، وتعدد" يتمثل أثره في تحديد "مكان ووظيفة نوع معين من الخطاب، ومؤهلات من يمكنه امتلاكه، ومجال الأشياء التي يشير إليها، ونوع التصريحات التي يُنتجها".()

لهذا السبب، يتابع فوكو، مستندًا إلى نيتشه، أنه بدلًا من تحديد أصل يتشكل منه تاريخ الحقيقة ويتطور من حيث الأحداث اللفظية، يسعى إلى إظهار "الحقيقة كأثر، على مستوى الممارسات الخطابية لهذه الصراعات".() يشير فوكو إلى الصراعات التي كان يحللها طوال الدورة في المجتمع اليوناني خلال زمن أفلاطون وأرسطو: مديونية الفلاحين، وإدخال العملة، وإزاحة طقوس التطهير، وما إلى ذلك. ولكن، مباشرة في الصفحة نفسها، تُؤخذ هذه العلاقة بين "الصراعات الطبقية" والحقيقة إلى أكثر صياغتها عمومية.

إذ ينبغي أن يُظهر تاريخ الحقيقة، من منظور الأحداث، كيف تلجأ الصراعات الطبقية إلى خطابٍ مُحدد، وكيف تُشكّل هذه الخطابات جوهر هذه الصراعات، وكيف تُحدد هذه الصراعات الطبقية من يملك خطاباتٍ مُعينة، أي موضوعات هذا الخطاب، وأخيرًا، كيف تُخفي هذه الخطابات الصراعات التي جعلتها ممكنة.

في ملحقٍ مُدرج بين الصفحتين 189 و193() من كتاب "محاضرات في إرادة المعرفة"() ، أي مباشرةً بعد الصفحتين المذكورتين، أدرج المُحررون مُقتطفًا من نص المحاضرة. يبدأ هذا المُقتطف ببعض الملاحظات حول تفسيرات مسرحية أوديب لسوفوكليس()، ويستمر بملاحظاتٍ أخرى، نراها منهجية، وفي الوقت نفسه، تُعيد صياغة مهمة كتابة تاريخ الحقيقة من منظور نيتشه الذي يتبناه فوكو في هذه المرحلة الانتقالية. تكمن "جدوى النموذج النيتشوي"، كما يصفها المؤلف نفسه، في تطبيق أربعة مبادئ: الخارجية ("وراء المعرفة شيء آخر غير المعرفة")، والخيال ("الحقيقة نتاج للخيال والخطأ")، والتشتت (لا يمتلك الذات الحقيقة؛ فالحقيقة تمر عبر أحداث متعددة)، والحدث.() ويجادل بأن تطبيق هذه المبادئ يعني تجاوز مبادئ التفسير والنصية، ووضع الذات في سياق تاريخ الأحداث الخطابية، وإعادة اكتشاف وظيفة الخطاب في المجتمع.()

ثمة أنعكاس واضح لـ"درس نيتشه"()، يعود فوكو إلى الطريقة التي تسمح به "جدوى النموذج النيتشوي"، أي "تحليل أنظمة العلامات في تحليل أشكال العنف والهيمنة"، في تناول دراسة الخطابات مع تجاوز أولوية كل من العلامة والتفسير، أي النموذج البنيوي، والنموذج الظاهراتي وفقًا للمصطلحات المستخدمة هنا. في هذا السياق، يُعرّف فوكو المعرفة بأنها "معرفة متحررة من علاقة الذات بالموضوع"[()، أو، بتعبير إيجابي، بالعودة إلى صياغة من بداية الدورة، باعتبارها مجموعة من الأحداث الخطابية.()

في محاضرات "إرادة المعرفة"()، كما نرى، يُبرز فوكو نفسه بوضوح تأثير نيتشه. فإذا كان الهدف، كما أشرنا سابقًا، هو تطوير نظرية لإرادة الحقيقة تُشكّل أساسًا لتحليلاته التاريخية، فإن هذه النظرية تجد نموذجها في نيتشه. إن عبارة "قابلية تطبيق النموذج النيتشوي"، التي استخدمها لصياغة مشروعه البحثي، دالةٌ للغاية. ولا داعي لمزيد من التفصيل في هذا الشأن. إلا أن الأمر يختلف بالنسبة للعلاقة بين علم الآثار والسفسطة، مع أنه من منظور هذه المحاضرات، وإن لم يُذكر ذلك صراحةً فيها، يُمكن القول إن المنهج الأثري يُقارب المعرفة بالطريقة نفسها التي يُقارب بها السفسطائيون الخطاب.

يقع علم الآثار بالفعل على مستوى المادية والطابع الحدثي للتصريحات، الأمر الذي، كما في لعبة السفسطائيين، يُجرّدها من الضرورة المنطقية والمثالية، ويربطها بدلاً من ذلك بسياق الصراع وقوى السلطة. لذلك، فيما يتعلق بموضوع علم الآثار نفسه، كما هو الحال عند السفسطائيين - أو ربما ينبغي القول، عند تفسير فوكو للسفسطائيين - فإن التصريحات هي أشياء قيلت، أو تصريحات تُعامل كأشياء.

مع أن هذا التعريف لموضوع علم الآثار من حيث "الأشياء التي قيلت" غير موجود في طبعة عام 1969() من العمل، إلا أنه موجود، كما يشير دانيال ديفيرت، في نسخة سابقة من هذا العمل،() وهي عبارة عن نحو 660 صفحة مكتوبة بخط اليد محفوظة حاليًا في المكتبة الوطنية الفرنسية.() كما أنها تظهر مجددًا في النص الذي كتبه فوكو للغلاف الخلفي لإعادة إصدار عام 1975() لكتاب "علم آثار المعرفة".() علاوة على ذلك، يُمكن اعتبار إدراج ريمون روسيل ضمن "السفسطائيين الحقيقيين في عصرنا"() مؤشرًا على العلاقة الوثيقة بين المنهجين السفسطائي والأثري في دراسة الخطاب. ففي الصفحات الأولى من كتاب "الكلمات والأشياء"، يُشير فوكو إلى روسيل للدلالة على الاتجاه الذي تتخذه الآثار، أي حيث "يتقاطع اللسان مع المكان"()

وختامًا، سواءً أكان ذلك باتباع النموذج النيتشوي أم السفسطائي، فإن آثار المعرفة، في هذه "اللحظة الانتقالية"، تُصبح في نهاية المطاف آثارًا للإرادة، وتحديدًا تلك الإرادة المجهولة، قبل التمييز بين الموضوع والذات، والتي، ببساطة، تُحرك إرادات متنافسة ومتضاربة.

وبالتالي، يتم إدخال مفهوم الإرادة في آثار المعرفة، من جهة، عبر قراءة تاريخية لبنية الحقيقة في اليونان القديمة، ومن جهة أخرى، استنادًا إلى مفاهيم نيتشه. كما يجادل دانيال ديفيرت، يقدم لنا فوكو قراءة نيتشوية للعصور القديمة، حيث يمكن إدراك وساطة نيتشه هايدغر.() وبهذا، وبخروج عن معظم التقاليد الفلسفية، لا يشير مفهوم الإرادة هنا إلى قدرة الفرد على تحديد أفعاله بناءً على ما يعتبره صحيحًا وجيدًا، بل إلى مجموعة متفرقة من الأحداث المجهولة: الصراع، والعنف، والهيمنة. وبهذا المعنى، تُعدّ الإرادة مجالًا لنزع الذاتية. ولا يتم الربط بين الإرادة والحقيقة من خلال الحرية، بل من خلال العنف.()


- منظور لحظة تحوّل تاريخان للحقيقة في الشكل القانوني؛
يحتلّ تحول السلطة من خلال حفريات إرادة المعرفة. عن مقرر "السلطة النفسية"() الذي قُدّم في كوليج دو فرانس بين نوفمبر 1973()وفبراير 1974()، مكانةً بالغة الأهمية في مسيرة ميشيل فوكو الفكرية. ففي هذا المقرر، قدّم لأول مرة مفهومي جهاز السلطة وفيزياءها الدقيقة.[() علاوةً على ذلك، بدأ فوكو في بداية محاضرته بنقد تلك المفاهيم التي استخدمها في أعمال سابقة، ولا سيما في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"().

كما تخلّى عن بعض المصطلحات ذات الأصل الماركسي التي كانت لا تزال حاضرة في مقرراته السابقة، والتي كانت موضوع نقاشٍ صريح في محاضرات عام 1973 بعنوان "الحقيقة والأشكال القانونية"() باختصار، إذا كان فوكو قد واجه في كتابه "علم آثار المعرفة"() مهمة مزدوجة تتمثل في تفكيك التصنيفات التقليدية لتاريخ المعرفة ووضع الأدوات المفاهيمية الجديدة لعلم آثار المعرفة، فإن مسألة السلطة ستشهد تحولاً مماثلاً بدءًا من كتابه "السلطة النفسية". فمن جهة، نبذ فوكو التصنيفات التقليدية كالأيديولوجيا وهيمنة الطبقة البرجوازية والقمع؛ ومن جهة أخرى، استكشف أشكالاً أخرى لتحليل السلطة قادته، بعد سنوات، إلى مركزية مفهوم الحكم. وبهذا، كما سنرى، نأى فوكو بنفسه عن النموذج النيتشوي الذي وظّفه في أعماله بين عامي 0197- و1976.

مع ذلك، لفهم هذا التحوّل الفكري فهمًا صحيحًا، لا بدّ من النظر في دلالات "دروس في إرادة المعرفة" في "السلطة النفسية"، رغم أن هذه الدورة تُشكّل نقطة تحوّل في مسيرته الفكرية مقارنةً بأعماله السابقة. ومن بين هذه التوجّهات، يُفضي التمييز بين المعرفة والإدراك، بالتحديد بالمعنى الذي ورد به في دورة 1970-1971()، إلى استطراد مطوّل يُقدّم فيه فوكو "تاريخًا موجزًا للحقيقة عمومًا"،() حيث نُصادف، من جهة، الحقيقة كبرهان، ومن جهة أخرى، الحقيقة كحدث. ورغم اختلاف المصطلحات المستخدمة، فإنّ الأولى تُشير إلى تاريخ المعرفة، والثانية إلى تاريخ الإدراك.


يُعرّف فوكو الحقيقة باعتبارها برهانًا من خلال مفهومي الشمولية والمنهج. من حيث المبدأ، هي موجودة في كل مكان ومتاحة للجميع، شريطة اتباع الإجراءات المناسبة. أما الحقيقة باعتبارها حدثًا، فلها أماكنها وأزمنتها ومواضيعها وسبلها الخاصة للوصول إليها. فالعلم، على سبيل المثال، ومن جهة أخرى، على سبيل المثال لا الحصر، العرافون والممارسات القانونية. يلخص فوكو الأمر بهذه العبارات: "نرى، بالتالي، سلسلتين في تاريخ الحقيقة الغربي. سلسلة الحقيقة المكتشفة، الثابتة، المُكوَّنة، المُبرهنة، وسلسلة الحقيقة التي لا تنتمي إلى مرتبة ما هو كائن، بل إلى مرتبة ما يحدث، وهي حقيقة، بالتالي، ليست مُعطاة في صورة اكتشاف، بل في صورة حدث، حقيقة لا تُثبت، بل تُثار وتُسعى وتُنتَج بطريقة تتجاوز الغموض؛ حقيقة لا تُعطى بواسطة أدوات، بل تُستثار بالطقوس، وتُستَحوذ عليها بالحيل، وتُقتنص عند سنوح الفرصة."()

وفيما يتعلق بهاتين السلسلتين من الحقيقة، يقترح فوكو ثلاث أطروحات: إثبات الحقيقة مُشتق من حدث الحقيقة، إثبات الحقيقة قد استعمر حدث الحقيقة، ومع ذلك، لا يزال حدث الحقيقة قائماً حتى يومنا هذا. وفيما يتعلق بهذا الجانب الأخير، يفكر فوكو بالفعل في الأشكال القانونية للحقيقة، والطب النفسي، والعلوم الإنسانية عموماً. من هذا المنظور، يجادل فوكو بأن المهمة الأساسية لعلم آثار المعرفة هي إظهار كيف أن الحقيقة كدليل، في نهاية المطاف، هي شكل مشتق من الحقيقة كحدث.()

ولمناقشة تاريخ الحقيقة كحدث، يستخدم فوكو أيضًا مصطلح "التاريخ السياسي للحقيقة".() وقد قُدِّمت هذه الفكرة في كتابه "الحقيقة والأشكال القانونية" لمقارنة المفهوم النيتشوي للمعرفة بالمفهوم الكانطي، متبعًا نفس خط الحجة الوارد في كتابه "دروس في إرادة المعرفة"()، أي أن المعرفة والحقيقة، بالنسبة لنيتشه، على عكس كانط وليس أرسطو، لا تنبعان من أي ملكة فطرية لدى الإنسان، بل من تاريخ الصراعات والتنافسات والهيمنة.() باختصار، الحقيقة، كما يجادل في كتابه "إرادة المعرفة"، ليست حرة بطبيعتها، بل تخضع دائمًا لعلاقات القوة.()


- منظور لحظة تحوّل الحدث للحقيقة في شكل النظام القانوني؛
كما ذكرنا سابقاً، يقع كتاب *السلطة النفسية* في تلك اللحظة المحورية من بحوث فوكو، حيث تخضع بعض التصنيفات الشائعة الاستخدام في دراسة السلطة للنقد (التمثيل، العنف، الأيديولوجيا، إلخ)، ونتيجةً لذلك، تُطرح مفاهيم الفيزياء الدقيقة للسلطة وأجهزتها. ويجادل فوكو، طوال عرضه، تحديداً لمواجهة مفاهيم الأيديولوجيا والتمثيل، بأن السلطة شيء مادي. ويؤكد بشدة أن كل سلطة مادية.() لا يعني هذا إهمال مسألة الحقيقة، بل على العكس، يُعد تحليل العلاقات بين أجهزة السلطة وألعاب الحقيقة أحد الأهداف الرئيسية للمقرر.

لكن، في ضوء ما ناقشناه أعلاه، تتلخص أطروحة فوكو التفسيرية في التأكيد على أن تشكيل خطاب الحقيقة في مجال الطب النفسي هو نتاج للتنظيم المكاني لمؤسسة المصحة العقلية.() إنّ الترابط الخلوي للفضاء وتوزيع الأجساد والنظرات داخله يُتيحان تلك الرؤية الفردية التي تُشكّل، في رأي مؤلفنا، الشرط المادي لتكوين خطاب وحقيقة التخصصات، ولا سيما تلك التي تبدأ بالجذر "قياسًا". وقد نشأت هذه التخصصات، وفقًا لما ورد في كتاب "المراقبة والمعاقبة"()، من انقلاب محور رؤية السلطة، الذي لم يعد مُوجّهًا نحو الشخصية المركزية، الملك، بل أصبح مُوجّهًا نحو الرعايا. رؤية تنازلية، في سياق عمل السلطة، تحلّ المراقبة محلّ الاحتفالات، والملاحظات محلّ السرديات التذكارية، والمعيار محلّ الأنساب.() باختصار، آليات السيادة تُستبدل، جزئيًا على الأقل، بآليات التخصصات.

والآن، في إطار هذه الأطروحة التأويلية المتعلقة بالعلاقات بين هياكل السلطة وألعاب الحقيقة، يُشير فوكو نفسه صراحةً إلى صعوبة ستكون لها أهمية أكبر في أبحاثه اللاحقة. فيما يتعلق بممارسات ما يُسمى بالعلاج الأخلاقي للجنون في القرن التاسع عشر، وأحد أبرز روادها، الدكتور فرانسوا لوريه()، وجلسات الاستحمام الشهيرة بالماء المثلج التي كان يُجبر فيها المريض على الاعتراف بجنونه، يُلاحظ فوكو: "تبرز مشكلة لا أستطيع حلها حاليًا() كيف يُمكن، في الواقع، أن تُصبح رواية المرء لحياته عنصرًا أساسيًا، ذا استخدامات متعددة، في جميع هذه الإجراءات المُتبعة للسيطرة على الأفراد وتأديبهم. لماذا أصبح سرد المرء لحياته حلقةً في عملية التأديب؟"() وبعيدًا عن هذه الحالة تحديدًا، تُشير مُلاحظة فوكو إلى مُشكلة أوسع: العلاقة بين حقيقة السلطة، التي يُجسدها هنا الدكتور لوريه ومعرفته النفسية، وقوة الحقيقة، أي اعتراف المريض.

سيُحلل فوكو هذا المشهد بين الدكتور لوريه ومريضه في مناسبتين لاحقتين. في عام 1980()، ضمن سلسلة محاضرات في كلية دارتموث() نُشرت تحت عنوان "أصل تأويل الذات"()، وفي العام التالي، ضمن كتاب "سوء الفعل، قول الحقيقة. وظيفة الاعتراف في العدالة"()، وهو مقرر دراسي في الجامعة الكاثوليكية في لوفان. في الحالة الأولى، استُخدم المشهد المذكور لتقديم أفق أوسع بكثير من تاريخ الطب النفسي الذي تناوله مقرر 1873-1874()، والذي يسميه فوكو "أنساب الذاتية الحديثة".() وهكذا، يظهر مشهد الدكتور لوريه كأحد الأمثلة النموذجية للعلاقة بين الخطاب والحقيقة حول الذات، وهي علاقة تمتد عبر تاريخ الذاتية الغربية من الإغريق إلى يومنا هذا. في الحالة الثانية، يُدشّن هذا المشهد سلسلة محاضرات يتتبع فيها فوكو، أيضًا من الإغريق إلى يومنا هذا، الأشكال المختلفة للاعتراف.()

أهمية سبق. كتاب "أصل تأويل الذات: فعل الخطأ، قول الحق() دورةٌ في كوليج دو فرانس في الفترة 1979-1980() بعنوان "حكم الأحياء"()، والتي خُصصت أيضًا لمسألة الاعتراف. لا يظهر مشهد لوريه هنا، ولكن تُشرح المفاهيم، ولا سيما مفهوم "نظام الحقيقة"() ، الذي يُتناول من خلاله ممارسة الاعتراف لاحقًا، وتُطرح الأسئلة التي لم تُحل في كتاب "السلطة النفسية"() . مع أن الكتاب بلغ ذروة تطوره في هذه الدورة، "حكم الأحياء"()، إلا أنه من الضروري الإشارة إلى أن مفهوم "نظام الحقيقة" ليس جديدًا في أبحاثه. فباستثناء بعض الظهورات المتفرقة، نجد أن أقدم تطوراته في دورة "ميلاد السياسة الحيوية"() . وفي هذا المقرر أيضًا، ولكن هذه المرة لأول مرة، نصادف ظهور مفهوم الإثبات، ليس في سياق الاعتراف، الذي سيُطبّق عليه لاحقًا، بل في سياق الليبرالية، وتحديدًا في سياق السوق.

في الواقع، في كتاب *ميلاد السياسة الحيوية*، يرتبط ظهور مفهومي نظام الحقيقة والإثبات ارتباطًا وثيقًا بما يسميه فوكو "عصر السياسة"،() أي بالعملية التي جرت من خلالها، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، مع صعود الليبرالية، محاولة إرساء مبدأ التقييد الذاتي لفعل الحكم. ويجب التأكيد على أن هذا المبدأ متأصل في فعل الحكم نفسه، وبالتالي فهو يختلف عن التجسيد القانوني للقانون، الذي يعمل، بدلًا من ذلك، كقيد خارجي للسياسة. وبالتحديد فيما يتعلق بمبدأ التقييد الذاتي هذا، يتحدث فوكو عن نظام الحقيقة والإثبات، عن تجلٍّ للحقيقة يحدث في فعل الحكم ذاته. بحسب فوكو، يؤدي السوق هذه الوظيفة في الليبرالية.

لذا، فبدلاً من اعتبار السوق آلية لتحديد الأسعار من خلال تفاعل العرض والطلب، فإنه في تحليل العقلانية السياسية الحديثة، في عصر السياسة، من الضروري التعامل معه كأداة للتحقق متأصلة في الممارسة الحكومية، كنظام حقيقة يُبين لنا بدقة ما إذا كان الحكم جيدًا أم سيئًا. لم يعد الأمر إذًا مجرد النظر في كيفية إنتاج آليات السلطة لحقائق معينة، بل كيف يدخل التحقق، في هذه الحالة التحقق الذي يقوم به السوق، في علاقة مع السلطة لوضع حدود لممارستها.

وفيما يتعلق بظهور مفهوم التحقق، تجدر الإشارة إلى أن فوكو، من خلال كتابه "ميلاد السياسة الحيوية" والدورة السابقة له "الأمن، الإقليم، السكان"، يُنهي إلى حد ما دورة البحث في السلطة التي بدأها قبل عقد من الزمن تقريبًا. تختتم هذه الدورة بتأكيد مركزية مفهومي الحكومة والحكم كفئتين تحليليتين للسلطة. وكما يُوجز فوكو الأمر قائلاً: "() لا يُبحث عن نموذج العلاقة المناسب للسلطة، إذن، في جانب العنف والصراع، ولا في جانب العقود والروابط الطوعية (التي لا تعدو كونها أدوات في أحسن الأحوال)، بل في جانب هذا النمط الفريد من العمل، الذي لا هو حربي ولا هو قانوني، ألا وهو الحكومة."() ومن الضروري أيضًا الإشارة إلى أنه، انطلاقًا من هذين المفهومين للحكومة والحكم، يشرع فوكو في قراءة جديدة لليونانيين ستقوده، كما سنرى، إلى تحليل الحقيقة في العالم الكلاسيكي والهيليني. ونتيجةً لهذه التحولات، لم يعد بالإمكان تناول مسألة الحقيقة بنفس المصطلحات التي طُرحت خلال ما أسماه فوكو نفسه "لحظة التحول".
... في كتاب "حكم الأحياء"، الذي لم يعد موضوعه الرئيسي الليبرالية أو الليبرالية الجديدة، بل الاعتراف في اليونان الكلاسيكية، وقبل كل شيء في تاريخ المسيحية، يكتسب مفهوم نظام الحقيقة دلالات أخرى. أولًا، يُستخدم مصطلح "نظام الحقيقة" للإشارة إلى الطريقة التي يُصاحب بها فعل إظهار الحقيقة،() في هذه الحالة الاعتراف، أشكالًا معينة من الطاعة والإكراه السياسي والالتزامات القانونية التي تُطالب به وتُنظمه في أشكاله.() وكما هو الحال مع تعبيري "النظام السياسي"() أو "النظام العقابي"() ، على سبيل المثال، يشير مصطلح "النظام" إلى العناصر المؤسسية التي يُدرج ضمنها مظهر معين للحقيقة. ثانيًا، يتحدث فوكو أيضًا عن نظام الحقيقة لا للإشارة إلى هذه العناصر المؤسسية، بل إلى "قوة الحقيقة"() ، إلى الإكراه الذي يمكن أن تمارسه هي نفسها بقدر ما يتم الاعتراف بها على هذا النحو.

يكفي ملاحظتان لتسليط الضوء على نطاق التعديلات التي أدخلها فوكو على مفهومه للعلاقة بين السلطة والحقيقة في كتابه "قراءات في إرادة المعرفة"(). في "حكم الأحياء"نجد التعريف التالي للمعرفة: "نظام المعرفة هو النقطة التي يتجلى عندها نظام سياسي من الالتزامات والإكراه، وهذا النظام تحديدًا من الالتزامات والإكراه هو نظام الحقيقة."() من هذا المنظور، يعيد فوكو النظر بشكل موسع في مسرحية سوفوكليس *أوديب*. ومع ذلك، ووفقًا لما ذكرناه للتو حول مفهوم نظام الحقيقة، وتحديدًا حول فكرة قوة الحقيقة كقيد على السلطة، فإن التفسير المقدم لنا بعد عشر سنوات من دورته الأولى يركز الآن على العلاقة بين الاستبداد والحقيقة، بين "لعبة السلطة" و"لعبة الحقيقة"()، أو، مرة أخرى، على الحقيقة كقيد على السلطة.


- منظور لحظة أشكال التصديق القانوني في ثبات شكل معرفة - الحقيقة والحرية؛
كما ذكرنا، يشير فوكو نحو مفهوم نظام الحقيقة والتصديق إلى السياق المؤسسي الذي يتم فيه فعل قول الحقيقة، وإلى قوة الحقيقة نفسها وقوة قولها بصدق. إن النظر إلى كلا المعنيين ضروريٌّ لمنهج تاريخي ونظري في دراسة آلية الاعتراف، وهو المجال الذي كرّس له فوكو معظم اهتمامه ومساحة بحثه. في الواقع، في الاعتراف، حيث الهدف هو إظهار الحقيقة في صورة ذاتية، أي قول الحقيقة عن الذات، نجد أنفسنا أمام الأشكال المؤسسية التي تُجسّد فيها هذه الأفعال الكلامية، والآثار التي تُحدثها على الشخص الذي يقوم بها.

في محاضرته التي ألقاها عام 1981() في جامعة لوفان، لخص فوكو كلا الجانبين بهذه الكلمات: "الاعتراف فعلٌ لفظيٌّ يُؤكد فيه المرء على حقيقته، ويلتزم بها، ويضع نفسه في علاقة تبعية مع الآخرين، وفي الوقت نفسه، يُعدِّل علاقته بنفسه."() وهذا، في الواقع، ما يحدث عندما يقول أحدهم: "أحبك"، "لقد أخطأت"، "لقد ارتكبت جريمة"، وما إلى ذلك. وتعتمد خصوصية الاعتراف، سواء أكان قضائيًا أم دينيًا أم مجرد اعتراف شخصي، على كيفية ارتباط آثار إظهار الحقيقة بالعناصر المؤسسية (بمعناها الواسع هنا) التي يتم فيها.

في كتاب "الذاتية والحقيقة"() - حيث يُعاد النظر في التطورات النظرية لكتاب "حكم الأحياء" وتُطبَّق على المادة التي ستكون موضوع المجلدين الثاني والثالث من "تاريخ الجنسانية" - يوضح فوكو، فيما يتعلق بعلاقة الذات بالحقيقة ضمن نظام محدد للحقيقة: "إنها مسألة حقيقة كرابط، وحقيقة كالتزام، وحقيقة أيضاً كسياسة، وليست حقيقة كمحتوى للمعرفة أو كبنية شكلية للمعرفة". () الحقيقة، باختصار، هي نظام من الالتزامات.

مع ذلك، في دورتيه الأخيرتين في كوليج دو فرانس، عامي 1983 و1984()، بعنوان "حكم الذات والآخرين"() و"شجاعة الحقيقة"() على التوالي، يركز فوكو على شكل من أشكال التعبير عن الحقيقة حول الذات لا يعمل بمصطلحات أدائية، بل بمصطلحات درامية، على حد تعبيره: فهو ليس منصوصاً عليه ولا مرتبطاً بأشكال مؤسسية؛ يُعرَّف هذا النوع من الكلام، بدلاً من ذلك، بطابعه المُزعزع بالنسبة للآخرين، حيث يُصبح الشخص مُنخرطاً فعلياً في صدق ما يقوله، في نوع من الاتفاق مع نفسه، لا مع الآخرين، وبمعزل عن مكانته أو وظيفته الاجتماعية.[() هذا هو شكل الكلام الصادق الذي أطلق عليه القدماء اسم "باريسيا"، أي الكلام الحر والصريح، والذي خصص له دراسة مُفصَّلة في التقاليد الأفلاطونية والكلبية.

مع أن تفصيل تطورات هذين المسارين المذكورين أعلاه يتجاوز نطاق هذا العمل، إلا أنه من المستحيل اختتام مناقشة التفاعل بين حقيقة السلطة وسلطة الحقيقة عند ميشيل فوكو دون الإشارة بإيجاز إلى بعض النقاط المحددة في تأملاته حول الصدق الباريسي. نقطتان منها على وجه الخصوص: العلاقة بين الحقيقة والحرية، وبين الفلسفة والسياسة.

كتاب "الحقيقة والأشكال القانونية". هو شكل من أشكال التعبير عن كتاب "قراءات في إرادة المعرفة"() ، وهو دورة 1970-1971 التي ناقشناها في بداية عرضنا، يذكر فوكو أن الإرادة والحقيقة عند نيتشه لا يتم التعبير عنهما من خلال الحرية، بل من خلال العنف، مما يقطع مع التقاليد الفلسفية الغربية.() الآن، في التصريحات الصريحة، وخاصة لأنها لا تُعرَّف بمصطلحات أدائية، وبالتالي لا تتميز بالوضع الاجتماعي لموضوع التصريح، يؤكد الموضوع حريته كفرد ناطق. بحسب وصف فوكو، "يوجد صرعة عندما تكون هناك حرية في التعبير عن الحقيقة، حرية الفعل الذي ينطق به الشخص بالحقيقة، وحرية أيضاً هذا العهد الذي يلتزم به الشخص المتكلم بالقول والتعبير عن الحقيقة".() تصبح هذه العلاقة بين الحقيقة والحرية أيضاً ما يسميه مؤلفنا "سمة متكررة ودائمة وأساسية للعلاقة بين الفلسفة والسياسة".() يؤكد فوكو، في الواقع، أنه يجب أن يكون هناك ترابط بينهما، لأنه من الضروري للعقلانية السياسية أن تتفاعل مع الخطاب الحقيقي للفلسفة، وأن تمر الفلسفة عبر عالم الواقع السياسي. من هذا المنظور، يقول: "من الضروري للفلسفة - اليوم كما في زمن أفلاطون - أن تثبت واقعيتها، وأن تكون قادرة على خطاب حقيقي فيما يتعلق بالعمل "السياسي"، وأن تنطق بالحقيقة باسم التحليل النقدي، والفلسفة، ومفهوم الحقوق، ومفهوم السيادة، وما إلى ذلك."() وبهذه الطريقة، فإن الصراحة، كممارسة تتكون من علاقة بين الحقيقة والحرية، تنتهي بتحديد مهمة الفلسفة وشخصية الفيلسوف بالنسبة لفوكو.


الخلاصة؛
تعيد هذه المقالة بناء موقف فوكو من القانون، مستندةً إلى الخطوط العريضة لتحليله التاريخي للعلاقة بين المعرفة والسلطة، كما ورد في الأطروحات المركزية لكتابيه "المراقبة والمعاقبة" و"الحقيقة والأشكال القانونية". وبهذا المعنى، لا تُفهم السجلات التاريخية كمصدر للحقيقة، بل كمساحة ينبثق منها خطاب كان مخفيًا سابقًا بالممارسات. يكشف هذا الخطاب كيف تُخلق المعرفة والممارسات القانونية بواسطة سلطات محددة ومتخصصة، لا بممارسة سلطة واحدة. وبالتالي، لا تُفسر الأشكال القانونية وتطورها بانتمائها إلى عمليات ترشيد، بل بوجود عملية سياسية معقدة تنطوي على سيطرة تامة على الأفراد.

منذ محاضراته حول إرادة المعرفة، ومع إدخال مفهوم الإرادة في علم آثار المعرفة، وصولاً إلى ظهور مفاهيم نظام الحقيقة، وقبل كل شيء، التحقق من صحة المعلومات، في دوراته اللاحقة، انقلبت إلى حد كبير رؤية فوكو للعلاقة بين السلطة والحقيقة. في هذه الأعمال، حيث يُعبّر عن مواقفه الفلسفية من خلال تحليلات تاريخية، تحوّل اهتمام فوكو من حقيقة السلطة إلى قوة الحقيقة.

مع أخذ ما سبق في الاعتبار، فإن هدف هذا النص هو إعادة بناء وتحليل، ويسعى إلى التقييم في القسم الأخير. ولإعادة بناء موقف فوكو، سيعيد القسم الأول بناء الخصائص التركيبية لنصوصه، بالإضافة إلى حصر تبعات هذه الخصائص على دراسة النظرية - حيث يُمثل مجال هذا الخطاب نظرية الحقيقة؛ وسنركز عليها. بعد ذلك، يعرض الخطوط العريضة للتحليل الجينيالوجي لعلاقات المعرفة بالسلطة، استنادًا إلى إعادة بناء بعض الأطروحات المركزية من كتابي "المراقبة والمعاقبة" و"لحقيقة والأشكال القانونية". وسنتجنب إعادة بناء نصوص مركزية أخرى نظرًا للأهداف المنهجية الأساسية لهذا العمل. مع ذلك، سنقدم بعض الملاحظات حول نصوص معينة سيتم التطرق إليها عرضًا. يهدف هذا القسم من عملنا إلى عرض الأطروحات المركزية والحجج التي تدعمها، بالإضافة إلى إجراء تقييم أولي لمدى قوتها. سيسمح لنا هذا باستخلاص بعض الاستنتاجات فيما يتعلق بالأنظمة الخطابية للروايات التقليدية حول القانون، دون الحاجة إلى تبني مواقف بشأن قضية العقاب المحددة.

في هذا التحوّل، لا تزال التصريحات تُعتبر أحداثًا تاريخية؛ فهي لا تُشير إلى حقيقة مجهولة وعالمية، ولكنها لا تُشير أيضًا إلى إرادة مجهولة مماثلة تُعبّر عن نفسها من خلال العنف والصراعات. لم تعد التصريحات، كما في كتاب "علم آثار المعرفة"، موضعًا للاختفاء، بل هي بالأحرى جزء من تكوين الذات في بُعدها الأخلاقي والسياسي - أي في العلاقة التي تُقيمها مع نفسها وفي العلاقة التي تُقيمها مع الآخرين.

وبالتالي، فإن كتاب “الحقيقة والأشكال القانونية”. نظرًا لأهميته الفلسفية. يبقى مهمة فلسفية، أو شكل من فكرة فوكو عن الفلسفة، التي كما أشرنا للتو، تتجلى من خلال هذه التحليلات التاريخية، تكتسب دلالات جديدة.

أخيرا. فإذا كان فوكو، في أواخر سبعينيات القرن العشرين، أي عندما كان يختتم سلسلة أعماله حول مسألة السلطة، قد أكد أنه لا يعرف تعريفًا آخر للفلسفة سوى أنها سياسة الحقيقة، أي آثار المعرفة والحقيقة الناتجة عن الصراعات والمواجهات داخل المجتمع؛() ففي ضوء أبحاثه الأخيرة، سيتم تعريفها بأنها حركة الصراحة،() أي قوة الكلمة الحرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Copyright © 2026
المكان والتاريخ: طوكيو ـ 10/01/26
ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية
ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).



#أكد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (9-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من ...
- الأوبرا - إضاءة: فينتشينزو بيليني (2-3)/إشبيليا الجبوري - ت: ...
- أولويات الفكر الاستراتيجي الصيني للبحار/الغزالي الجبوري - ت: ...
- المغامر يغني ترقبًا - تانكا / أبوذر الجبوري - ت: من الياباني ...
- مغادرة الوفود قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة/الغزالي الجب ...
- عرض ونقد (الحلقة 1-2): -الحقيقة والأشكال القانونية-/بقلم ميش ...
- من الأدب الياباني: حكاية -أوراشيما الصياد- - ت: من اليابانية ...
- لحن البحيرة يحلق - هايكو
- تَرْجَمَةٌ: قصة قصيرة: -تمرد الموتى-/بقلم لويس فرناندو إيميد ...
- ترْويقَة: قصيدتان +1/ بقلم كريستينا بيري روسي* - ت: من الإسب ...
- ما مصير الشعوب أمام مخطط جديد للحوكمة العالمية؟/الغزالي الجب ...
- تسيس الخوف لبناء قوى السوق/الغزالي الجبوري - ت: من الفرنسية ...
- لباليه: عرض باليه: -جين إير-/إشبيليا الجبوري - ت: من اليابان ...
- الباليه: عرض باليه: -سيدة الأفعى البيضاء-/إشبيليا الجبوري - ...
- مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (8-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من ...
- صراع الثقافة العلمية من تسويق اليقين (2-5)/ أبوذر الجبوري - ...
- تَرْويقَة: قصائد/ بقلم أومبرتو سابا* - ت: من الإيطالية أكد ا ...
- الأوبرا - إضاءة: فينتشينزو بيليني (1-3)/إشبيليا الجبوري - ت: ...
- تَرْويقَة: قصيدتان+ 1/ بقلم ويليام كارلوس ويليامز* - ت: من ا ...
- مأساة غزة؛ أرتفاع حصيلة ضحايا الأنهيار/الغزالي الجبوري - ت: ...


المزيد.....




- جيش الاحتلال الإسرائيلي يهاجم فيلم نازا ويحاول التنصل من جرا ...
- -استقالة رئيس الأوبرا المصرية وانسحاب الفنانين-.. تصريح عن - ...
- تولستوي في صدارة الكتب الأكثر مبيعا في البرازيل بفضل لاعب كر ...
- متحف النصر يستعيد بطولات معركة موسكو في مشروع -عاصمتي-
- أطفال إيران يعودون إلى المدارس تحت وطأة الحرب
- بقيادة فلسطينية وتقدم مغربي.. قصة المقاتلين العرب بالفنون ال ...
- -أرض الملائكة- إلى الأوسكار.. سلاف فواخرجي في سباق أفضل فيلم ...
- تضارب الروايات حول مغادرة الوفد الإيراني لنيويورك: طرد أم مغ ...
- أوسيب ماندلشتام.. خمسة أسباب للتعرف إلى شاعر تحدى ستالين وتر ...
- الموسيقى والتراث الأرثوذكسي الروسي يجتمعان في أديس أبابا


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - عرض ونقد (الحلقة 2-2): -الحقيقة والأشكال القانونية-/بقلم ميشيل فوكو - ت: من الألمانية أكد الجبوري