أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين














المزيد.....

قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 08:45
المحور: الادب والفن
    


الحرب لا تبدأ دائماً حين تُطلق الرصاصة الأولى، أحياناً تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يُنتزع الإنسان من حياته الصغيرة، من سريره، من كتبه، من ملامح الذين يحبهم، ثم يُلقى في مكان بعيد لا يعرف فيه إن كان ينتظر الحياة أم ينتظر أن يُمحى منها.
في ذلك الصيف اللاهب، كان النهار يبدو أطول من قدرة البشر على احتماله. جلس في موضعه الدفاعي المتقدم، فوق دكة خشبية أكلتها الشمس والغبار، محاولاً أن يقتل الوقت قبل أن يقتله شيء آخر. لم تكن هناك حركة في النهار إلا ما تفرضه الضرورة. أمّا الحياة، بمعناها الضيق الممكن، فكانت تبدأ بعد حلول الظلام؛ عندها تصل الأرزاق على عجل، ويصل الماء بالكاد، وبعض ما يحتاجونه لإعداد طعام لا يشبه الطعام إلا بالاسم.
وفي الجهة الأخرى، فوق قمم التلال، كانت عيون لا تُرى تراقب. كانوا يعرفون ذلك جيداً، أي حركة في وضح النهار يمكن أن تتحول إلى خبر عاجل، ثم إلى اسم يُقرأ في قائمة، ثم إلى صورة معلقة على جدار، لذا قال أحد الجنود وهو يمر قربه:
- على ماذا تحدق؟
لم يرد. كان ينظر إلى الفراغ أمامه، كأن شيئاً في البعيد يستدعيه. اقترب منه الآخر، وقد بدأ يحلق ذقنه أمام قطعة صغيرة من المرآة.
- هل تسمعني؟
رفع رأسه ببطء.
- نعم... أسمعك.
ثم عاد إلى صمته. كان يشعر أن الغربة قد دخلت إليه على مهل، حتى لم يعد يعرف أين تنتهي الأرض وتبدأ غربته. كان قد فقد أشياء كثيرة؛ شبابه، شهادته الجامعية، السنوات التي رسم فيها لنفسه حياة أخرى، والأحلام التي كانت تبدو في وقت قريب قابلة للتحقق.
مرّت أمامه صورة زوجته، لم يمضِ على زواجهما سوى أشهر قليلة.
قال لنفسه:
- هل يمكن لإنسان أن يبدأ حياته وفي اللحظة نفسها يُطلب منه أن يستعد لنهايتها؟
ثم سمع صوتاً داخلياً آخر يجيبه:
- هذه ليست حياتك الآن... أنت هنا لأن الآخرين رسموا الطريق.
أغمض عينيه. كان يتمنى أن يكون كل ما يعيشه مجرد حلم ثقيل، وأن يستيقظ منه فجأة فيجد نفسه في مكان آخر؛ في غرفة هادئة، قرب زوجته، أو في قاعة الجامعة، أو حتى في بيت أبيه القديم. لكن شيئاً ما كان يهزه من الداخل، كأن يداً خفية لا تكف عن جذبه:
"استيقظ"
فتح عينيه فجأة، لم يكن هناك أحد. نظر حوله، كان الجنود منشغلين بأعمال صغيرة لا معنى لها؛ واحد يحلق ذقنه، وآخر يعد الشاي فوق طباخ نفطي ذي مشعل واحد، غطّى السواد جسده حتى ضاع لونه الأصلي.
قال في سرّه:
"ما أغرب الإنسان، هنا بين الموت والعدم، وما زلنا يحاول أن يتعايش الحياة.
ابتسم ابتسامة خفيفة لم يلحظها أحد، ثم عادت الفكرة:
"أنا مجرد رقم"
توقف عندها: رقم في سجل الحضور، رقم في قائمة الجنود، رقم في الإحصاءات، وربما بعد ذلك، رقم في قائمة المفقودين أو الموتى.
همس:
- وماذا يبقى مني؟
أجابه الصوت الذي يسكنه:
- ربما لا شيء.
- زوجتي؟
"ستبكي"
- وأهلي؟
"سيحزنون"
- ثم؟
صمت الصوت، لكن الصمت كان جواباً كافياً. ثم أحسّ للحظة، أن روحه انفصلت عن جسده وصعدت فوق المكان. راحت تطوف في الفضاء الواسع، تعبر الأرض بلا خرائط، ولا أسماء للعمليات العسكرية، ولا حدود للقطاعات، ولا إشارات إلى خطوط النار.
هناك، في ذلك التحليق الخيالي، شعر أنه حر، حتى قانون الجاذبية بدا عاجزاً عن إعادته إلى تلك الدكة الخشبية. لكن جسده ظل جالساً، جسدٌ في موضع دفاعي منسي، موضع قد يكون مرسوماً في الخرائط العسكرية باسمٍ ما، وربما وُضع أمامه رمز صغير يعني: صدّ أولي، أو ربما خسائر متوقعة.
نهض فجأة، لم يعرف لماذا. نظر إليه الجندي الذي كان يعد الشاي وقال:
- إلى أين؟
لم يجب. اتجه نحو الطريق الترابي الرابط بين الحجابات المتقدمة.
صرخ به الآخر:
- انتظر. أين تذهب؟ النهار لم ينتهِ بعد.
تابع سيره. كان يعرف أن الطريق لا يُسلك في وضح النهار، وأن الجهة اليمنى منه مكشوفة تماماً للرصد. توقف للحظة، قال لنفسه:
- ارجع.
لكن قدميه لم تتحركا.
قال الصوت الآخر:
- لقد قطعت نصف المسافة.
نظر خلفه، كان الرجوع محفوفاً بالخطر. ونظر أمامه، كان التقدم محفوفاً بالخطر أيضاً. ابتسم بمرارة:
- حتى الطرق هنا تشبه الحرب، لا عودة آمنة، ولا وصول مضمون.
تابع السير. شعر أن نصف جسده الأيمن قد أصبح ملكاً للجهة المعادية؛ الرأس، الكتف، الصدر، الأحشاء، كلها احتمالات مفتوحة أمام رصاصة واحدة.
قال لنفسه:
- هل سأموت الآن؟
وجاءه الجواب:
- ربما.
- وهل سيعرفون؟
- سيصل الخبر.
- ثم ماذا؟
توقفت قدماه. رأى الصورة فجأة، صورته معلقة على جدار طيني في غرفة الاستقبال، تحتها كلمات قليلة: لقد غادر الحياة في عام ما.
ثم خُيّل إليه أن الكلمات أخذت تتغير: كان شاباً، كان متزوجاً، وكان يحمل شهادة جامعية، ثم اختفت جميع الكلمات، ولم يبقَ سوى رقم، رقم صغير. ظل يحدق فيه طويلاً، تذكّر شهادة ميلاده، ذلك الرقم الذي كُتب يوم جاء إلى العالم.
وفكر:
- هل كنت، منذ البداية، مجرد رقم؟
هبّت ريح ساخنة عبر الطريق. وفي الجهة المقابلة، على أحد التلال البعيدة، تحرك شيء لم يستطع أن يراه بوضوح. ثبت في مكانه، سمع نبضات قلبه: مرة، مرتين، ثلاثاً.
ثم شعر أن العالم كله أصبح ساكناً، لا الجنود، لا الموضع الدفاعي، لا الطريق، لا الصيف، لا الحرب. كان هناك فقط رجل يقف تحت الشمس، بين شهادة ميلاد لم يختر تاريخها، وشهادة أخرى قد لا يعرف أحد متى تُكتب.
وفي مكان ما، خلف عدسة بعيدة، ربما كان إصبع يقترب ببطء من زناد. أما هو، فأخذ يحدق في الأفق، كأنّه يبحث للمرة الأولى، عن اسمٍ لا يمكن أن يتحول إلى رقم، لكن بعد فوات الأوان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...
- نص نثري: ما تبقى منه
- قصة قصيرة: المشورة
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- قصة قصيرة: نافذة الغجر
- نص نثري: بين نسختين
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق ...


المزيد.....




- -أرض الملائكة- إلى الأوسكار.. سلاف فواخرجي في سباق أفضل فيلم ...
- تضارب الروايات حول مغادرة الوفد الإيراني لنيويورك: طرد أم مغ ...
- أوسيب ماندلشتام.. خمسة أسباب للتعرف إلى شاعر تحدى ستالين وتر ...
- الموسيقى والتراث الأرثوذكسي الروسي يجتمعان في أديس أبابا
- المصورة الفرنسية جوس دراي.. غزة تتمسك بالحياة رغم الإبادة وا ...
- بيت المدى والجمعية العراقية العلمية للفنون يناقشان غياب الفر ...
- أدب الحرب وثقافة المقاومة – 6
- من القاهرة إلى الشارقة.. ماذا ينقص معارض الكتاب العربية لتصب ...
- مركز الثقافة والفنون والموروث الشعبي بعدن يختتم دوراته التدر ...
- هل تتسبب حصص اللغة الكردية في مدارس سوريا في خلاف بين دمشق و ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين