أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - على الضفة الأخرى من الغياب














المزيد.....

على الضفة الأخرى من الغياب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 00:01
المحور: الادب والفن
    


رفقاً بقلبي...
فقد أتعبه الانتظار، لا لأن الطريق طال، بل لأن الانتظار حين يطول يتحول من حالة مؤقتة إلى طريقة في الحياة؛ يصبح المرء مقيماً في المسافة، لا يصل، ولا يعود قادراً على معرفة أيّ الجهات كانت وجهته الأولى.
كان قلبي صغيراً يوم تعلّم أن ينثر الحب في الطرقات، وأن يمنح الأشياء أكثر مما تمنحه له. كان يظن أن العالم، إذا أُعطي شيئاً من دفئه، سيرد إليه بعضاً منه. ولم يكن يعرف أن بعض القلوب تشبه الآبار القديمة؛ تأخذ الماء ولا تخبرك إلى أين ذهب.
تأملوا جدران القلب...
هناك، حيث لا تصل يد الترميم، وحيث تتراكم طبقات الزمن فوق طبقات الذاكرة. في أعمق موضع من الشغاف، ثمة اسم لم يعد مهماً أن يُقال، لأن بعض الأسماء حين تستقر في الداخل تتحول من كلمات إلى آثار.
أتحسسونها؟
لا تبحثوا عنها في الصوت. إنها في ذلك الارتجاف الخفيف الذي يسبق الكلام، وفي الصمت الذي يأتي بعده، وفي نبضة تتعثر كلما مر طيف قديم من جهة لا نعرفها.
لقد سرق ذلك الطيف أشياء كثيرة؛
لم يسرق النوم وحده، بل سرق اليقين أيضاً. أخذ معه شيئاً من الفرح، وترك خلفه أسئلة لا تعرف إلى أي باب تطرق.
ومنذ ذلك الحين، وأنا لا أبحث عن شخص بقدر ما أبحث عن معنى.
أبحث عن شاطئ آمن لا تغدر به المياه، وعن ضفة تستطيع الروح أن تستريح عندها دون أن تظل تراقب الأفق خوفاً من الرحيل.
أبحث عن نشور يشبه عودة الأشياء من موتها الصامت، عن سرب طيور يعرف، رغم اتساع السماء، الطريق إلى عشه الأول.
أبحث عن مشحوف يشق هدوء الهور؛ لا ليصل إلى جهة بعينها، بل ليعلمني أن الحركة أحياناً تكون شكلاً من أشكال مقاومة الغرق.
وأبحث عن جبل تكسوه الثلوج، فيما تظل صخوره محتفظة بلونها الأول؛ لأنني تعلمت أن البياض لا يعني دائماً الطهارة، وأن ما يغطي الأشياء لا يستطيع أن يغير جوهرها.
وأبحث عن نخلة تقف وحيدة في فضاء واسع، تحمل في أعذاقها ذاكرة الأرض، وتعرف أن جذورها أعمق من كل عاصفة.
ربما كنت أبحث عن وطن لا تحده الخرائط.
وربما كنت أبحث عن زمن لم يعد موجوداً.
وربما كنت أبحث عن نفسي القديمة؛ تلك التي تركتها ذات مساء في مكان ما، ثم واصلت الطريق دون أن أنتبه إلى أنها لم تأتِ معي.
لهذا لم يعد الغياب بالنسبة إليّ غياب شخص.
الغياب أوسع من ذلك.
قد يكون غياب المعنى، أو غياب الأمان، أو غياب الإنسان عن نفسه وهو يعيش بين الآخرين. وقد يكون أن تظل الأشياء في أماكنها، لكننا لا نعود قادرين على رؤيتها بالطريقة التي كنا نراها بها.
وهنا تكمن قسوة الفقد...
أنك لا تفقد الأشياء حين ترحل فقط؛ أحياناً تفقدها وهي أمامك، حين يتغير معناها في داخلك.
لذلك ما زلت أبحث.
لا لأنني أؤمن بأنني سأصل، بل لأن البحث نفسه أصبح الدليل الوحيد على أن شيئاً في داخلي لم يمت بعد.
أمشي بمحاذاة الغياب، أتحسس الجهات، وأصغي إلى ما لا يُقال.
وفي كل مرة أظن أنني اقتربت من الضفة، أكتشف أن الماء كان يحملني إلى مكان آخر.
ومع ذلك...
لا أعود.
أترك قلبي هناك، عند حافة الماء، وأواصل الإصغاء.
ربما تأتي سفينة لا أعرفها.
ربما يظهر طيف من بين الضباب.
وربما لا يأتي أحد.
وربما أكتشف بعد كل هذا السفر، أن الضفة التي قضيت عمري أبحث عنها لم تكن مكاناً أصل إليه، وإنما كانت سؤالاً ظلّ يقودني كي لا أتوقف.
وحينها فقط...
قد أفهم لماذا بقي القلب حياً، رغم كل ما مرّ به.
وقد أفهم أيضاً أن بعض الرحلات لا تنتهي بالوصول...
بل تبدأ حين نكفّ عن انتظار الوصول.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...
- نص نثري: ما تبقى منه
- قصة قصيرة: المشورة
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- قصة قصيرة: نافذة الغجر
- نص نثري: بين نسختين
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق ...
- نص نثري: المظاهر


المزيد.....




- من القاهرة إلى الشارقة.. ماذا ينقص معارض الكتاب العربية لتصب ...
- مركز الثقافة والفنون والموروث الشعبي بعدن يختتم دوراته التدر ...
- هل تتسبب حصص اللغة الكردية في مدارس سوريا في خلاف بين دمشق و ...
- إدانة مانشستر سيتي.. هل تنقلب الرواية على -الفيلسوف- غوارديو ...
- -كيف يُفهم التاريخ؟-.. حفريات في صنعة التاريخ وهواجس المؤرخ ...
- قبل -المؤثرات- وصانعات المحتوى.. ماري عجمي ووداد سكاكيني نسا ...
- منتدى -حوار الثقافات- يفتتح أعماله في متحف الإرميتاج بمشاركة ...
- تتصدّر رواية سيمونيان مبيعات الكتب في موسكو للأسبوع الثاني ع ...
- أسبوع الموضة في موسكو يستقطب إقبالا كبيرا في أيامه الأولى
- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - على الضفة الأخرى من الغياب