أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين عباس عزيمة - لوحة من الدم














المزيد.....

لوحة من الدم


حسين عباس عزيمة

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


دخان أسود يغطي سماء البصرة، والأماكن مشتعلة بنيران الثوار وحماستهم، وبغيوم سود تغطي أرجاء المدينة. رصاص كثيف يبحث عن صدر يتسع لذلك.
الإطارات مشتعلة على طول الطريق، ترسم على البنايات لوحة من الدم والقمع. والشمس في محاولة للمغيب قبل الأوان، لكي تساعد الثوار على الهرب من القوة القمعية، فالليل أكثر أمانا للاختباء. والبيوت القريبة من ساحة الاعتصام لم تعد تكفي لتحتمل الشباب من أجل الاختفاء.
المسعفون لم يستطيعوا الوصول إلى الجرحى الذين وقعوا على الأرض، وبدأ النزيف يرسم على الأرصفة ألوان مطالبهم بدم أحمر.
هم الان بين ظلام دامس وخوف من المجهول، بدأت ملامح ذلك المساء تتغير تدريجيا.
قطع الإنترنت فجأة، وانطفأ التيار، ولم تعد هناك شبكة اتصال.
فرض حظر تجوال، ونصبت سيطرات عشوائية.
في ذروة التعب والبحث عن مكان آمن بين أزقة المدينة، أوقفني شرطي وأمر جماعته بتفتيشي. وعندما لم يعثروا على شيء في جيوبي، أبلغهم الضابط بشم ثيابي للتأكد من وجود رائحة الدخان. وبرغم وجود الدخان والسواد في ملامحي، فقد تحمل الشرطي الغيور مسؤولية خلاصي وسمح لي بالعبور، وأبلغني بتجنب سيطرة أخرى قد نصبت على مسافة قريبة.
مشيت بحذر شديد، وقبل وصولي إلى تلك السيطرة قررت النزول عن الطريق والاتجاه نحو بيت أحد الأصدقاء الذين كانوا معي أيام الاحتجاجات.
وبسبب ما تعرضنا له من قمع وحشي، تفرقنا وذهب كل منا إلى حيث لا يدري. حاولت الاتصال، لكن دون جدوى بسبب انقطاع الاتصالات.
عجلات عسكرية كبيرة في كل مكان، وكأنها في حالة حرب.
صراخ هناك، وجنائز مؤجلة بسبب الفوضى.
الموت يخطف أرواح الشباب.

كنت وحدي أسير بين الأزقة الضيقة، وشعور قاتل بالجوع والعطش بعد نهار طويل من الهتافات والركض، وكأنهما يتحالفان مع القوات القمعية. حاولت الوصول إلى منزل أحد الأصدقاء، أو حتى بيت لا أعرف من فيه، لكي أختفي هذه الليلة، وبعدها أنطلق فجرا في طريق آخر أكثر أمانا، وربما أعود إلى ساحة الاعتصام.
فوجئت وأنا وسط الظلام بصوت رصاص، ونداء عال، ووقع أقدام من الجهة المعاكسة: اهربوا… اهربوا… خلفنا قوة عسكرية تحاول اعتقال الشباب في هذا الوقت من الليل.
ركضنا بين الأزقة الضيقة التي حددت حركتنا، وفي آخر خطوات الخلاص داهمتنا قوة من الأمام، فكنا بين خيارين: الاستسلام، أو تسلق جدران البيوت القريبة والاختباء لحماية أنفسنا من الجلادين.
وفي اللحظات الحرجة اخترنا التسلق إلى سطوح البيوت.
الآن نحن في بيت لا نعرف من بداخله. استقبلنا رجل كبير، وامرأة، وفتاة شابة، وبعد أن أخبرناهم بقصتنا وما حدث لنا، ازدادت حماسة استقبالهم لنا.
خبأنا الرجل في غرفة مكتبته المليئة بما لا يعد ولا يحصى من الكتب.
وقعت عيناي على كتاب عنوانه , الشعوب قائمة على الثورات
كنا متعبين جدا، فأخذنا قسطا من الراحة.
وفي فجر اليوم التالي جاءنا صاحب البيت بالماء والطعام، وهو يتمتم بكلمات طيبة ومشجعة، ثم قدم لي الكتاب الذي كانت عيناي مشغولتين به ، وقال:
هذا الكتاب جميل ومشوق، هو هدية لك يا ولدي.
أخذت الكتاب وشكرته، مضيفا: كل ما في هذا الكتاب عشته اليوم.
قررنا الخروج فجرا طلبا للأمان والسلامة، شاكرين لصاحب البيت موقفه الأصيل.
خرجنا تباعا ونحن ننزف، ولم نلتفت له ولا لألمه بسبب المطاردات التي لم تتوقف قط



#حسين_عباس_عزيمة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دهليز ضيق
- النخلة
- كن شاهداً
- فم الأبواب
- أحدهما حذائي
- حائط الغرفة
- الباص الذي عبر الفجر
- الرقص شنقاً
- لقاء مؤجل
- الليلة التي لم تنتهِ


المزيد.....




- برج إيفل يشهد ليلة استثنائية.. ونجمتان عربيتان تخطفان الأضوا ...
- ياسمين صبري تخطف الأنظار بفستان أحمر في أسبوع الموضة بباريس ...
- -خيوط مصر-.. القاهرة توطد العلاقات مع موسكو
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث تعزيز الت ...
- التعليم العالى: مجلس جامعة بنها الأهلية يوافق على دراسة جدوى ...
- كيف انتهى المطاف ببوابة مصرية في ضاحية من ضواحي بطرسبورغ؟
- دال في ذكراه الـ225.. كيف صار الدنماركي دال حارسَ اللغة الر ...
- إيليا ريبين.. الفنان الذي لم يتوقف عن الرسم حتى آخر أيامه
- بعد التخدير الطبي.. لماذا تختفي إحدى لغات ثنائيي اللغة مؤقتا ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة في جامعة علي جراه الهنديّة عن أدب الأط ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين عباس عزيمة - لوحة من الدم