|
|
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة بين العزلة الدولية وحسابات انتخابات الكنيست
علي ابوحبله
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 17:58
المحور:
القضية الفلسطينية
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
لم يكن خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في 24 أيلول/سبتمبر 2026، خطاباً دبلوماسياً تقليدياً منفصلاً عن الحسابات الداخلية؛ فقد جاء قبل نحو شهر من انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، وفي ظل سجال إسرائيلي داخلي واسع حول الحرب في غزة، ومسؤولية القيادة السياسية عن إخفاقات 7 تشرين الأول/أكتوبر، ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، ومكانة إسرائيل الدولية. ولذلك فإن قراءة الخطاب تقتضي النظر إليه في مستويين متداخلين: رسالته إلى المجتمع الدولي، والرسالة التي أراد نتنياهو إيصالها إلى الناخب الإسرائيلي.
وقد أشارت تقارير إسرائيلية ودولية إلى أن نتنياهو دخل قاعة الأمم المتحدة وهو يدرك أن كلمته ستُتابع على نطاق واسع داخل إسرائيل، وأنها تمثل إحدى الفرص الأخيرة قبل الانتخابات لتكريس صورته باعتباره صاحب الخبرة الأوسع في الملفات الأمنية والدبلوماسية.
منبر دولي يتحول إلى ساحة انتخابية
ركز نتنياهو في خطابه على إيران، والأمن الإسرائيلي، ومعاداة السامية، والدفاع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، ورفض الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بشأن حرب غزة، كما هاجم قطر وتركيا وعدداً من منتقدي إسرائيل، وتطرق إلى رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني. ولفتت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يحضر بقوة في الخطاب، إذ لم يذكره نتنياهو إلا مرة واحدة، رغم أن العلاقة مع الإدارة الأميركية تمثل عاملاً مهماً في السياسة الإسرائيلية.
أما على مستوى المشهد داخل القاعة، فقد غادر عدد كبير من الوفود قبل بدء الخطاب أو خلال بدايته، وهو مشهد حمل دلالة سياسية واضحة بشأن اتساع الفجوة بين الحكومة الإسرائيلية وقطاعات واسعة من المجتمع الدولي. وفي المقابل، استُخدم هذا المشهد في إسرائيل ضمن سردية مختلفة، تقوم على أن إسرائيل تواجه ضغوطاً دولية واسعة وأن القيادة مطالبة بالدفاع عنها في مواجهة ما تعتبره استهدافاً سياسياً ودبلوماسياً.
وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الخطاب: المشهد الذي يمكن أن يُقرأ خارج إسرائيل باعتباره مؤشراً إلى العزلة، يمكن أن يُقرأ داخل جزء من الجمهور الإسرائيلي باعتباره دليلاً على أن رئيس الحكومة يقف في مواجهة ضغوط خارجية.
وهذا ليس حكماً على النتيجة الانتخابية، وإنما توصيف لآلية سياسية معروفة في الخطاب الانتخابي الإسرائيلي، حيث تحتل قضايا الأمن والتهديدات الخارجية والعلاقة مع المجتمع الدولي موقعاً مركزياً في تشكيل النقاش العام.
الأمن بوصفه محور الرسالة الانتخابية
اختار نتنياهو أن يجعل الأمن القومي محوراً أساسياً لخطابه، مستحضراً إيران والتهديدات الإقليمية والعمليات العسكرية الإسرائيلية. وتنسجم هذه الرسالة مع محاولته تثبيت صورة سياسية قائمة على الخبرة الأمنية والدبلوماسية، خصوصاً في ظل منافسة انتخابية تتعدد فيها الأحزاب والكتل ولا تتمحور فقط حول الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار.
لكن المشكلة بالنسبة إلى نتنياهو أن الأمن لم يعد ملفاً خارجياً فقط؛ فقد أصبح مرتبطاً داخل إسرائيل بأسئلة تتعلق بمسؤولية القيادة عن إخفاقات 7 تشرين الأول/أكتوبر، وإدارة الحرب، ومستقبل الأسرى، ومسألة تشكيل لجنة تحقيق رسمية، والعلاقة بين الحكومة والمؤسسة الأمنية.
وتشير تغطية «تايمز أوف إسرائيل» إلى أن هذه الملفات تشكل جزءاً من المناخ السياسي الداخلي الذي يواجهه نتنياهو قبل الانتخابات.
ومن هنا، فإن الخطاب الذي يركز على التهديدات الخارجية لا يلغي الأسئلة الداخلية، بل يعيد ترتيب أولويات النقاش السياسي: هل تكون الانتخابات استفتاءً على إدارة الحرب والأمن، أم على أداء الحكومة ومسؤولياتها الداخلية، أم على مستقبل إسرائيل وعلاقاتها الدولية؟
الأرقام الانتخابية: برلمان بلا أغلبية واضحة
المؤشر الأهم في المرحلة الحالية ليس الحديث عن فوز طرف أو خسارته، وإنما حقيقة أن استطلاعات الرأي الأخيرة ترسم خريطة سياسية شديدة التشتت.
فقد أظهر استطلاع نشرته «تايمز أوف إسرائيل» في 24 أيلول/سبتمبر أن الكتلتين المؤيدة والمعارضة لنتنياهو تحصلان على 53 مقعداً لكل منهما، فيما تحصل الأحزاب العربية على 14 مقعداً، ما يعني أن أياً من الكتلتين لا تقترب من عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة تحظى بالأغلبية في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً. وأظهر استطلاع آخر للقناة 13 في اليوم نفسه تقدماً طفيفاً للكتلة المعارضة، بـ52 مقعداً مقابل 51، مع 13 مقعداً للأحزاب العربية وأربعة مقاعد لحزب لم يحسم تموضعه بين الكتلتين.
هذه الفوارق بين استطلاع وآخر تؤكد أن المشهد لا يزال مفتوحاً، وأن التعامل مع استطلاع منفرد باعتباره نتيجة انتخابية مسبقة سيكون منهجياً غير دقيق، خصوصاً أن استطلاعات الانتخابات الإسرائيلية تتغير بصورة متقاربة زمنياً وتتأثر بطريقة احتساب المقاعد ونسب الحسم وتوزيع الأصوات.
الأهم أن الأرقام تكشف عن مشكلة تشكيل ائتلاف أكثر مما تكشف عن هوية الحكومة المقبلة.
معضلة نتنياهو: الخطاب الدولي والواقع الداخلي
يحاول نتنياهو تقديم نفسه باعتباره رجل الدولة الذي يستطيع التعامل مع العالم والدفاع عن إسرائيل في أصعب الظروف. لكن في المقابل، فإن الانتخابات تفتح ملفات تتجاوز صورة الزعيم في المحافل الدولية، إلى قضايا الحكم والائتلاف والسياسات الاجتماعية والأمنية ومسؤولية القيادة السياسية.
وتبرز هنا مفارقة أخرى: فكلما تصاعدت المواجهة بين إسرائيل والهيئات الدولية، أصبح بإمكان الحكومة الإسرائيلية استخدام ذلك لتأكيد خطاب «إسرائيل في مواجهة العالم»، لكن استمرار التوتر الدولي قد يفتح في المقابل نقاشاً إسرائيلياً حول كلفة العزلة الدبلوماسية وتأثيرها في العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا ومصالح إسرائيل الاقتصادية والسياسية.
وقد وصفت تقارير دولية الخطاب بأنه جاء في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات دولية متزايدة، بينما أشارت تحليلات إسرائيلية إلى أن نتنياهو كان معنياً بصورة خاصة بكيفية استقبال كلمته لدى الناخب الإسرائيلي.
غياب «اليوم التالي» عن المشهد
ومن زاوية سياسية واستراتيجية، فإن السؤال الأهم الذي لم يحسمه الخطاب هو: ماذا بعد الحرب؟
فالمجتمع الإسرائيلي لا يواجه فقط سؤال كيفية خوض الحرب، وإنما سؤال التسوية السياسية والأمنية التي ستأتي بعدها، ومستقبل غزة، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية، ومستقبل الضفة الغربية، ومسألة المستوطنات، والعلاقات الإقليمية والدولية، ومستقبل إسرائيل في النظام الدولي.
وتكمن أهمية هذا السؤال في أن الانتخابات لا تجري في فراغ؛ فهي تأتي بعد سنوات من الحرب والتحولات الإقليمية، وبالتالي فإن الناخب الإسرائيلي يواجه خيارات تتعلق ليس فقط بالتهديدات الأمنية، وإنما أيضاً بالمسار السياسي الذي ستتبعه الدولة.
الخلاصة
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة يعكس بوضوح التداخل بين الدبلوماسية والسياسة الداخلية في إسرائيل. فقد استخدم منصة دولية للدفاع عن سياسات حكومته، وإعادة إبراز ملفات الأمن وإيران والتهديدات الخارجية، في وقت تتجه فيه إسرائيل إلى انتخابات شديدة التنافس والتشتت.
لكن لا توجد، حتى الآن، قاعدة موضوعية تسمح بالقول إن الخطاب أحدث تحولاً انتخابياً حاسماً. المؤشرات المتاحة بعد الخطاب ترسم برلماناً محتملاً من دون أغلبية واضحة لأي من الكتلتين الرئيسيتين، وتؤكد أن معركة الانتخابات ستبقى مرتبطة بتطورات الحرب، والموقف من نتنياهو، وتركيبة الأحزاب، وقدرة أي معسكر على بناء ائتلاف قابل للحكم.
ومن منظور عربي وفلسطيني، فإن الأهم ليس انتظار نتيجة انتخابية أو الرهان على شخصية بعينها، وإنما متابعة السياسات والبرامج الفعلية التي ستطرحها القوى الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، والاستيطان، والقدس، وغزة، والضفة الغربية، ومستقبل التسوية السياسية.
فالانتخابات الإسرائيلية قد تغير تركيبة الكنيست والحكومة، لكنها لا تعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته القانونية والسياسية تجاه القضية الفلسطينية، ولا تغير من حقيقة أن أي استقرار إقليمي مستدام سيظل مرتبطاً بمعالجة جذور الصراع، وإنهاء الاحتلال، واحترام الحقوق الوطنية الفلسطينية وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وبذلك، فإن خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة يمكن قراءته باعتباره جزءاً من معركة أوسع: معركة على صورة إسرائيل في الخارج، وعلى أولويات الناخب الإسرائيلي في الداخل، وعلى شكل المرحلة السياسية التي ستلي الانتخابات.
#علي_ابوحبله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين تصبح الكلمة سلاحاً للفتنة.. من يحمي الحقيقة من صحافة الخ
...
-
مشروع «صندوق فلسطين للتكافل والعلاج الإنساني»
-
رسوم الترشح وقوائم غزة: بين مقتضيات القانون وحق المشاركة الس
...
-
الانتخابات التشريعية 2026.. لجنة الانتخابات تمضي نحو الاستحق
...
-
الدورة ال81 للأمم المتحدة.. فلسطين تختبر صدقية النظام الدولي
-
الانتخابات التشريعية 2026.. استحقاق دستوري وتجديد للشرعية ال
...
-
أوسلو أمام اختبار الواقع
-
المجلس الوطني الفلسطيني بين النص القانوني وحق الشعب في اختيا
...
-
الاستيطان ليس ظاهرة هامشية: بين عقوبات المستوطنين ومسؤولية ا
...
-
المصالحة الفلسطينية أمام فرصة أخيرة لإغلاق ملف الانقسام وبنا
...
-
الأرض الفلسطينية بين «تسوية الملكية» وخصخصة الصلاحيات معركة
...
-
حصار واشنطن يسقط أمام إرادة فلسطين: الأمم المتحدة تفتح منبره
...
-
اليمن والسعودية.. آن أوان وقف الحرب والعودة إلى الحوار
-
«نازا».. عندما تتحول الشهادة من ساحة المعركة إلى معركة الروا
...
-
«العودة والدولة».. مبادرة وطنية لفتح الطريق أمام إنهاء الانق
...
-
القاهرة.. الفرصة الأخيرة لإنقاذ الانتخابات الفلسطينية من الا
...
-
الانتخابات الفلسطينية بين استحقاق الشعب وحسابات التأجيل
-
فك الارتباط الأردني ووادي عربة.. بين الحقيقة القانونية ومحاو
...
-
7 أكتوبر بين الاعتذار والمراجعة الوطنية.. فلسطين أمام استحقا
...
-
المجلس الوطني الفلسطيني.. لا شرعية بلا شراكة ولا تمثيل بلا ت
...
المزيد.....
-
دون أن تكون مليارديرًا.. عش ليلة داخل طائرة خاصة فاخرة من ال
...
-
صحة الحوثيين تعلن مقتل 7 أشخاص وإصابة 40 في قصف استهدف سوقا
...
-
جماعة أنصار الله تقول إن غارة سعودية استهدفت سوقاً في تعز قت
...
-
بعد هجوم -تشرشل-.. ستارمر يفتح قواعد بريطانيا لضربات ترامب ض
...
-
هل تشعل -حرب إيران- سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط؟
-
الكرملين يحذر من إتاحة منظومة -ستارلينك- لنظام كييف
-
إسرائيل تعلن تصفية قيادي في -حماس- متورط في احتجاز رهائن شما
...
-
رئيس حكومة شمال الراين يزور تركيا بمناسبة الذكرى الـ65 لاتفا
...
-
غارات إسرائيلية واسعة على جنوب لبنان
-
رئيس حكومة ولاية شمال الراين ينفي الانتقال إلى برلين ويؤكد ت
...
المزيد.....
-
الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ
...
/ سمير أبومدللة
-
إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط
...
/ فهد سليمان
-
في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48
/ محمد السهلي
-
لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
/ محمود الصباغ
-
خطة ترامب: بين النص والتطبيق
/ معتصم حمادة
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
/ غازي الصوراني
-
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
/ محمود الصباغ
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
المزيد.....
|