أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القراءة ولاء الصواف نقد الفعل الثقافي القاصر















المزيد.....

اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القراءة ولاء الصواف نقد الفعل الثقافي القاصر


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 00:47
المحور: قضايا ثقافية
    


تفكيك ميتافيزيقا الصراع ووهم المركزية الأيديولوجية
ينطلق النص من تفكيك ظاهري لثنائية (المركز/الهامش) و(اليمين/اليسار)، محاولاً إزاحة اليقينيات التي استقرت طويلاً على رفوف المعرفة المتراكمة عبر التاريخ. لكن القراءة التفكيكية الفاحصة تكشف أن النص، في سعيه لتقويض هذه الثنائيات، يعيد إنتاج ميتافيزيقا حضور جديدة تتمركز حول مفهوم "الصراع". بافتراضه أن "كينونة الإنسان مبنية وفق مفهوم الصراع منذ الخلق الأول"، يقع النص في فخ التمركز حول العقل أو اللوجوس)؛ حيث يُنصّب الصراع كأصل ثابت، وجوهر لا يتغير، ومرجعية نهائية تفسر الوجود بأسره. هذا التأسيس الميتافيزيقي يتناقض جذرياً مع دعوى النص ذاتها بالسيولة وعدم الثبات، ويحوّل الصراع من مجرد أداة تحليلية عرضية إلى "مقدس" بديل أو نقطة ارتكاز تُقاس عليها حركة الأيديولوجيا، مما يعيد إنتاج السرديات الكبرى التي ادعى تجاوزها.
الأيديولوجيا كجسد حي: أزمة الاستعارة البيولوجية
يستند المعمار المفاهيمي للمقال إلى استعارة بيولوجية واضحة المعالم، حيث يصف الأيديولوجيات بأنها "أجساد حية" تتعرض لـ "الموت السريري" أو "الضمور". هذه الاستعارة العضوية، رغم قدرتها الإيحائية، تُغلق النص على حتمية غائية صارمة. التفكيك يرفض النظر إلى النص أو الأيديولوجيا ككائن عضوي متجانس يمتلك يميناً ويساراً يضمنان "ديمومته". بل يمكن قراءة الأيديولوجيا كلوحة تجريدية واسعة تتقاطع فيها خطوط السلطة، وتتداخل فيها طبقات المعنى والألوان بشكل فوضوي ولا-غائي، بعيداً عن أي انتظام تشريحي. إن إضفاء الطابع البيولوجي على الفكرة الأيديولوجية هو محاولة لاهثة للقبض على المعنى وتثبيته داخل حدود جسد مادي متخيل، هرباً من رعب الاختلاف والإرجاء الذي يجعل الهوية الأيديولوجية في حالة انزياح دائم وتفكك مستمر لا تكتمل صورته أبداً.
ثنائية اليمين/اليسار وتأجيل المعنى
يطرح النص فكرة التداخل بين اليمين واليسار (يسار داخل اليمين، ويمين مضمر في اليسار)، وهي خطوة متقدمة نحو خلخلة وهم النقاء الأيديولوجي. إلا أنه، في الوقت ذاته، يُبقي على الحضور الطيفي لهذين القطبين ككيانين جوهريين ضروريين لحياة الفكرة واستمراريتها. تفكيكياً، لا يوجد يمين متأصل في ذاته ولا يسار يمتلك جوهراً مستقلاً؛ بل توجد شبكة من العلامات اللغوية والسياسية التي يكتسب فيها كل طرف معناه حصرياً من خلال اختلافه عن الآخر، وليس من خلال كينونة يمتلكها سلفاً. النص يقرأ هذا الانشطار كـ "خلل وظيفي" يهدد البنية التنظيمية، بينما هو في الواقع الشرط الأساسي لإنتاج أي معنى. إن السعي نحو "حالة الكشف" التي يبشر بها النص يظل سعياً طوباوياً؛ فالمعنى في الداخل الأيديولوجي يُرجأ باستمرار، ولا توجد لحظة تطابق تام مع الواقع المعاش، بل مجرد "آثار" لخطابات تتصارع على فرض تأويلها المؤقت.

خوارزميات الهيمنة: ما بعد الأيديولوجيا أم إعادة إنتاجها؟
يقارب النص مسألة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بوصفها صدمة حداثية أزاحت الأوامر البشرية لصالح أوامر صناعية غامضة. وهنا، ينجح النص في تفكيك سلطة المركز البشري التقليدي، لكنه يُنصّب "الخوارزمية" كمركز متعالٍ جديد يختبئ خلف "ستار الحضارة". إن عصر السيولة وحرب الأزرار لا يمحو الأيديولوجيا كما قد يُفهم ظاهرياً، بل يحولها إلى شفرات رقمية غير مرئية تتسرب في لاوعي الجماهير. المواجهة في هذا العصر لم تعد تتطلب مجرد استبدال السلاح الأبيض بأسلحة رقمية موازية، بل تتطلب تفكيك الشفرة ذاتها التي تبرمج وعي التلقي. تفترض الخاتمة إمكانية المحافظة على الإرث الأيديولوجي بشيء من المرونة، وهو ما يمثل عودة ارتدادية إلى حنين الأصول، متجاهلاً أن بنية التكنولوجيا النيوليبرالية لا تستوعب الأيديولوجيا كـ "محتوى" قابل للتعديل، بل تبتلعها كـ "شكل" من أشكال التسليع المعرفي، لتعيد إنتاج الهيمنة ضمن دورة لا نهائية من تشتيت الذات.

لا تنظر لما سيكون بعين ما كان..
ما عادت الأمور كما كانت، كل شيء تغيّر، وتغيّرت وظيفة الأشياء، وحلّ مبدأ الحلول في الأفكار، فلا الهامش اليوم يشبه هامش الأمس، ولا المتن يتربّع على رأس الفكرة. التكنولوجيا والمستقبل الرقمي، بما أضافته الخوارزميات واتساع المدى في البث والتواصل، جعلا من مفهوم الهامش والمركز، واليمين واليسار، والحقيقة والوهم، مثالاً لفكرة صراع الثنائيات الضدية العاملة بقوة في الوضع الراهن.
منذ الخلق الأول، وكينونة الإنسان مبنية وفق مفهوم الصراع بأنواعه، سواء كان مع الطبيعة، أو مع الذات، أو مع بعضهما، مما يؤدي إلى تشويش في صورة المعنى، ولاحقاً إلى اختفائه، فيبدأ البحث من جديد عن نقاط توتر مستجدّة لخلق هذا النوع من الصراع؛ لأن الفرد، كما أرى، لا يستطيع العيش بمعزل عن هذا الصراع. السكون لا يتلاءم معه، والعيش في الفراغ هو الموت الحتمي لكل الأشياء.
في سياق تنامي الفكر الفلسفي على مدى قرون طويلة، وإعادة تشكّله وفق مفاهيم تتوالد مع كل عصر، استجابةً للتحولات الناتجة عن ولادة مكتسبات فكرية وتكوينية جديدة للإنسان، ومتطلبات معرفية أنتجها الوعي البشري، ونتيجةً للمتغيرات الكبيرة الناشئة، انبثقت فلسفات جديدة بوصفها حالة تطورية فائقة، أحدثت انقلاباً في الكثير من المفاهيم القارّة، وتجاوزت ما كان مطروحاً من فلسفات عاشت ضمن سياقها التاريخي والثقافي.
مع انطلاق السؤال الفلسفي الأول في طفولة الفلسفة، وسؤال الوجود والكينونة والبحث عن الذات، بدأت البشرية تتلمّس طريقها لفتح أبواب المعرفة. عندئذٍ أمسكت أكرة الباب، لا لتلقّي الأجوبة فقط، بل لطرح المزيد من الأسئلة مع كل جواب مستحصل. وبعد أن أمسكت الفلسفة بحرفَي الاستفهام وأسمائهما، انطلقت، مستعينةً، بل مستعمرةً، كل أدوات الاستفهام في إطلاق الأسئلة.
ومع بدء الصراع الطبقي والفكري والمعرفي. فإن اختلاف الفلسفات يكمن في الزاوية التي يُطلق منها السؤال. التشكل المعرفي الإنساني الأول، في بحثه عن الحقيقة، ربما لأنه أدرك أنه يعيش في الوهم، فأصبح إدراك الحقيقة غايته.
تجاوزت هذه الفلسفات الأسئلة التقليدية في رؤيتها للسرديات الكبرى، وأنتجت كمّاً معرفياً لا يُستهان به، وفق مفهوم الحقبة التي أنتجت تلك المتغيرات آنذاك.
فلسفات وليدة عصرها، تناغمت معه، غير أنها فقدت القدرة على تجاوزه، بعدما أدركت ضعفها وقلّة حيلتها في تجاوز المستحدثات. في وقت قرأت فلسفات أخرى الظواهر الحياتية وتطور بناء المجتمع قراءة مختلفة، وأنتجت نظاماً معرفياً غير مشهود، وأنتجت وعياً يقرأ الأحداث والتطورات قراءة غير تقليدية.
الخروج من المعنى القديم الذي انتجته دلالات المرحلة السابقة، كفيل بأن يتطور الى معنى جديد تنتجه دلالات مستحدثة خارجة من لبّ الأزمات وإشكاليات المرحلة، ومتطلبات النمو الفكري والتاريخي للأشياء، له ملكة التفسير والكشف عن الحقائق.
الأيديولوجيات المستندة إلى فلسفة واحدة أو أكثر، تمتاز في بداية نشوئها بقوة الفكرة ووضوحها، والعمل بجدية لإرساء أسس قيام تنظيمات تعتمد هذه الأيديولوجيا وتتمثلها كلياً، والعمل وفق منظومتها المعرفية وقوانينها التكوينية ورؤيتها للأحداث الظاهرة أمامها، فتعطي التفسيرات لها وفق مفهوم منبثق من رؤيتها العامة للحياة والتاريخ.
غير أنها، ومع تقادم الأيام، تبدأ بصناعة المختلف في داخلها، بمعنى الاضطراب الوظيفي للرؤية، الذي ينمو بسبب قراءة الأحداث وفق مفاهيم مختلفة. فمن هذه القراءات والرؤى ما يبقى محافظاً على الشريعة الأولى التي لا يأتيها الباطل من أمامها ولا من خلفها، بوصفها نصوصاً مقدسة غير قابلة للنقد والمراجعة، ولا يمكن وضعها على طاولة التشريح لمعرفة أسباب فشلها في النمو المعرفي والتنظيمي المتوافق مع الأحداث الجارية، وطبيعة اختلاف الإنسان، وانهيار مركزيته، وسيولته المعرفية والفكرية، وإيمانه بعدم الثبات، بل فهمه لمعنى عدم الثبات.
في وقت تنمو أيضاً قراءات مختلفة للرؤية السابقة، تتساوق مع الجديد المبتكر، وتنهض بواقع الأسئلة التي يطلقها المجتمع تجاهها، لتبيان موقعه الحقيقي في الخارطة المعرفية والتكوينية للبشر. فيحدث خلل بنائي في الطبيعة التنظيمية، التي سرعان ما ستنفصل إلى يمين يمسك بالتعاليم السالفة، ويسار يؤمن بالتجديد. على أن لا يتحول اليمين واليسار الى أنساق مغلقة، وعليه فأن صراع اليمين واليسار هو صراع أنساق داخل سياق الايديولوجيا.
كل هذا يفرز صراعاً بنيوياً في الداخل الأيديولوجي، يفضي في أغلب الأحيان إلى ضمور وتضاؤل الجسد الحي للأيديولوجيا وللتنظيم، بمختلف مسمياته وتوجهه العقائدي أو الفكري.
أرى أن لا قوانين ثابتة ولا مرتكزات قائمة تمتلك الأبدية؛ فهي قابلة للتغيّر، وما لائم عصراً ما ليس بالضرورة أن يتوافق مع عصر لاحق. لذا، فإن سيطرة اليمين في الداخل الأيديولوجي على حساب اليسار التنويري تؤدي إلى إحداث هذا الخلل البنيوي.
وفي الوقت نفسه، كيف تمسك بمفاتيح عصر سائل اختلف فيه كل شيء، وما عاد نمط الحياة المعاش شبيهاً بنمطه السابق، وكيف عملت التكنولوجيا ووسائل التواصل والذكاء الاصطناعي في إنتاج وتربية جيل جديد، غير محكوم بأوامر بشرية بقدر ما هو محكوم بأوامر صناعية تتحكم بها أصابع تلهو على لوحة مفاتيح الأجهزة اللوحية، وتختبئ خلف ستار الحضارة ؟
مواجهة صدمة الواقع وامتصاصها وإعادة توجيهها ثانيةً بشكل مغاير لوجودها الأولي صعب كثيراً على اليمين، في وقت استطاع اليسار في داخل التنظيم من الإمساك بزمام المبادرة وإعادة التوجيه.
الوعي الثقافي بالمرحلة، ودراسة عناصر تكوينها والأحداث المؤثرة فيها، هي التي ترسم سياسة التنظيم.
التغيير المستمر للواقع تستوجب الوعي بهذا التغيير وهو الذي يستطيع تثوير الصراع، من أجل الوصول إلى حالة الكشف التي تُبنى عليها الممارسة الفكرية في قيادة قطاع واسع من الجماهير، وتوجيه وعيهم وفق بروباغندا معينة متّبعة من التنظيمات الأيديولوجية كافة.
حين تفتقد لرؤية تقرأ فيها المعاصرة قراءة واقعية، فهذا يعني أنك قرأت التفاصيل الأولى التي آمنت بها في بدء مسيرتك الأيديولوجية قراءة خاطئة، أو أن الوعي أصابه الجمود الفكري.
تتجلى بوضوح في الراهن المعاش أزمة التوتر بين اليمين واليسار داخل التنظيم الواحد. يرى اليمين أنه متن، واليسار كذلك، فقط قاعدة الهرم التنظيمي وحدها تؤمن بهامشيتها، وأنها مغلوبة على أمرها، ولا تستطيع البوح بمكنونها خوفاً أو طمعاً أو وجاهةً... إلخ، من المعطيات التحفيزية.
الكثير من التنظيمات الحزبية يؤمن يمينها المتطرف، بوصفه متناً كما يرى، بمنع تجاوز حدود الفهم المرسوم لأفراده، مع أن ظاهر الأمر فيه يدفع إلى الاستزادة من المعرفة والثقافة. وحينما يصل الفرد إلى هذه المساحة الفكرية التنويرية، يبدأ اليمين بنثر الألغام في مساحات التفكير هذه، وإنبات العقد المنهجية للأيديولوجيا.
سلة من الشعارات والهتافات تحملها الجماهير على أكتافها، وتلقيها ساعة تأتيها الأوامر العليا، بوجوهٍ المختلف عنهم، وفي غالبيتها وعدٌ ووعيد.
من الجميل أن تؤمن بفكرة، وتتحدث عنها بشغف، وتحاول أن تنشر امتدادها إلى أقصاه، لكن أن تكون عبداً لهذه الفكرة، وتمنحها من القدسية ما ليس فيها، وألّا تضعها على طاولة النقد أو التشريح، بوصفها غير قابلة للنقد، فهذا الأمر فيه قول آخر؛ لأنها ستتحول إلى مشروع استبداد، وتكون أنت أول ضحاياها.
الكثير من الأيديولوجيات وتنظيماتها السياسية تمر بمرحلة النقطة الحرجة في مسايرة الواقع وقراءة تفاصيله بدقة، فإذا صعب عليها تجاوز هذه النقطة، فعليها الاحتفاظ بذكرى تأسيسها والجهود المبذولة في إرساء أسسها، فهي قد دخلت قائمة التراث الإنساني الفكري والمعرفي. أما من استطاع تجاوز هذه النقطة، وقرأ الواقع بما يتناسب مع مبادئه، وعدم الإخلال (بثوابته) النسبية، إلا تلك التي تملك مرونة في التغيير، وأجاب عن متطلبات الأفراد، فهذا وحده من يضمن استمرارية العمل الفكري في الوسط الجماهيري، بكلّيات أنماطه ومشاربه.
التحديات ليست سهلة إلى حدّ أن لا نعير أهمية لوجودها، بل هي الحد الفاصل بين الوجود وعدمه.
السقوط في العمى التنظيمي يؤشر بدايات مبكرة للموت.
الدفاع عن الفكرة يعني الثبات على المبدأ.
تنامي الصراع بين اليمين واليسار في الداخل الايديولوجي، يؤدي إلى إحداث حالة غموض في التفكير وتلكؤ في التنفيذ، فتخرج المعادلة عن أصولها، وتتحول الفكرة إلى صراع أضداد، بمعنى صراع على فهم فكرة المسايرة والتغيير.
دائماً ما يحدث انشطار في البنية التكوينية لليمين واليسار الواحد في التنظيم الواحد، كنتيجة حتمية لمتطلبات الصراع، فتنشأ بُنى ضمنية في داخلهما، مما يتولد عنه هامش ومركز ثانوي. أي يتولد يسار معارض في داخل اليمين، وبوصفه هامشاً ضئيلاً غير قادر على التأثير المباشر إلا في حدود معينة، بينما يفرض المتن الناشئ في اليمين سطوته، ويتمسك بآليات الاشتغال والتفكير حسب المتفق عليه في عصر ظهور الأيديولوجيا أو الفلسفة.
وهذا أيضاً ينطبق حرفياً على اليسار في الداخل الأيديولوجي، أي بمعنى أن الأنساق الظاهرة في اليمين المتشكّل تحمل معها أنساقاً مضمرة في داخلها، تدخل معها في حالة صراع فكري. وكذلك اليسار وأنساقه الظاهرة والمضمرة.
هذه القراءة هي محاولة لتجاوز مفهوم (نقاء) اليمين واليسار في الداخل الايديولوجي، إذن هو صراع في داخل النسق الواحد.
وبوصف الأيديولوجيات، بمختلف أنواعها وأنساقها الثقافية والفكرية والتاريخية، عبارة عن أجساد حية ووظائف تشبه، إلى حد كبير، ما هو موجود في بقية الكائنات الحية، أرى أن جميع الأجساد المادية المنظورة تمتلك يميناً ويساراً، ويتعايشان مع بعضهما بتناغم كبير جداً، ولا يمكن الفصل بينهما؛ إذ إن الفصل يسبب فشل حياة الآخر.
إذن، تشكّلهما معاً يعطي هذه الديمومة،
يعيش كلٌّ منهما حالة صراع مع نفسه ومع الآخر. هما في محاولة جادة لإلغاء الآخر، ومع هذا الإلغاء يُلغى الآخر أيضاً؛ أي لا وجود لليسار بغياب اليمين، ولا وجود لليمين بغياب اليسار.
في حالة تراجع أحدهما إلى مستويات متدنية، يأخذ الصراع شكل الموت السريري. وهذا يفضي إلى انهيار القاعدة الجماهيرية وتفككها، فتكون أثراً بعد عين.
الإنسان يحمل في داخله صراع الأضداد: الخير والشر، الهدوء والصخب، القوة والضعف، الحب والكره، الارتماء في حضن السلطة أو معارضتها، الإيمان والإلحاد، وجميعها في حالة توتر دائم لا تعرف الخمول. كذلك الفكرة الأيديولوجية، فهي تحمل جميع ما تقدّم، وفي حالة توتر مستمر تعطي حيوية الفكرة وتمنحها الحياة.
غير أن التمسك بآليات التفكير القديمة من شأنه الإضرار بالواقع التنظيمي، والإشادة بالمنجزات المتحققة سابقاً لا تحمي التنظيم من الانزلاق نحو هاوية التفكك، والمراهنة على التعاطف الشعبي حالة مؤقتة تتغير بتغير المؤثر. والتحالفات السياسية غير المتكافئة فكرياً وعقائدياً تؤدي إلى اضطراب الفهم لدى عيّنة الجمهور المستهدف لنيل ثقته. فلابد من ملاحقته مفاهيمياً وتنظيمياً، لأجل المحافظة على وجوده ضمن الهيكل التنظيمي. هذا القول ليس بمعنى التخلي عن إرث التنظيم الفكري وانتمائه الأيديولوجي، بقدر ما يعني إمكانية المحافظة عليه في صُوَر الانفعالات الذاتية، والقيم المتغيرة، والمنظومات الفكرية المتصارعة، وشيوع ثقافة السوق والتسليع، ودخول النيوليبرالية بأسلحتها غير التقليدية، على حساب الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة في وقت ما، والتي كانت تضم شرائح لا يمكن حصرها بعدد، بغية التطور الفكري والعقائدي، لكن عليها أن تأخذ تشكيل المواجهة الحتمية مع الآخر.
نعم، أنت مسلّح بالعقيدة و(ثبات المبدأ)، غير أنك تفتقر إلى آليات الصراع الحديث. في عصر حرب الأزرار، لا تستطيع القتال بالسلاح الأبيض، إلا إذا اقتضت المواجهة المباشرة وجهاً لوجه.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كهانة العجز: تشريح النكوص المعرفي وتواطؤ الوعي المقهور
- وثن الإمارة وذبيحة العقل: حفريات التحالف المدنس
- جدلية القلق الوجودي عند الهامش الطبقي: تفكيك مائدة التزييف و ...
- سلطنة الرداءة: كيف تُدار العقول في مقاطعات التجهيل المنظّم؟
- تحولات السؤال الأنطولوجي ومأزق الميتافيزيقا
- سياط الطغيان وعدسات التزييف: تشريح الجهل وتأميم الكرامة في م ...
- من اليقين الوثوقي إلى الارتجاج المعرفي: تفكيك خرافة الألقاب ...
- لعنة الانعتاق: ميتافيزيقا العقل المصادر
- سُلطة القهر وأطياف البدء:حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسل ...
- تهافت التهافت وتفكيك أزمة التفلسف في الإسلام: أفق النزاع، ال ...
- التصدع البنيوي للنظام الدولي: بوسايدون وأثينا كاستعارتين لجد ...
- انحلال الجمال الفلسفي في عصر التفاهة: تحولات علم الجمال والت ...
- التآزر المفاهيمي في استلاب العقل الاعتلال المعرفي الجمعي
- تَفْكِيكُ السُّلْطَةِ المطلقة في ضَوْءِ الصَّيْرُورَةِ الكَو ...
- الشرق الأوسط ونزاعات الاستنزاف المفتوحة تفكيك فلسفي لجيوبولي ...
- تراتبية التشيؤ في الوضع العالمي المعاصر قراءة نقدية في تآزر ...
- حينَ يبتلعُ النصُّ بلاغةُ المستنقع ، وتنوحُ آلهةُ الطين-سرد ...
- الصفر الفلسفي المطلق وتداعيات الوعي المطلق رعشة الوجود الأول ...
- الحتمية البيولوجية في تفكيك عقلية القطيع: رؤية نقدية في الأخ ...
- معضلة الشرق الأوسط: تقاطعات فساد السلطة والنص والإنسان في ظل ...


المزيد.....




- هل تشعر بـ-الغيرة- من لقاء ترامب مع رئيس الصين؟.. بوتين يرد ...
- إيران تعرض مجددا -خطة الـ7 أيام-.. وتوجه -رسالة- لأمريكا وإس ...
- واشنطن تتجاهل مطالب كييف وتستبعد صواريخ باتريوت من حزمة المس ...
- لافروف يبحث مع نظيره السوداني تطورات الأزمة السودانية المستم ...
- مسلسل المسيرات الروسية يستنفر أوروبا
- وزير الخارجية الإيراني يلتقي نظيريه السعودي في نيويورك
- ميندل تنتقد الإعلام الغربي وتؤكد رغبة الأوكرانيين في السلام ...
- مصر.. طبيب شهير يقترح نزع أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام
- الشرطة الإسرائيلية تستعد لتمرد واسع ورفض لنتائج الانتخابات و ...
- في أول زيارة بابوية منذ 18 عاما... ليون الرابع عشر في فرنسا ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القراءة ولاء الصواف نقد الفعل الثقافي القاصر