أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إيرينى سمير حكيم - من يُربّي الطفل؟ الأهل أم غرباء الهواتف الذكية؟














المزيد.....

من يُربّي الطفل؟ الأهل أم غرباء الهواتف الذكية؟


إيرينى سمير حكيم
كاتبة وفنانة ومخرجة

(Ereiny Samir Hakim)


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 00:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


"في الشارع .. لا تتحدث إلى شخص غريب"، جملة شهيرة في مجتمعنا، يتم تداولها من قِبل الأهل لأطفالهم من جيلٍ إلى جيل، ولكن!، ماذا إذا كان الأهل هم من يُحضرون الغرباء إلى أطفالهم بأنفسهم ليتحدثوا إليهم؟!، ماذا إذا كان الآباء هم من يجلبون الشارع، لا بل العالم كله في بيوتهم، وغرف نوم أطفالهم؟!، ويعرِّضونهم لكل أضرار الحضور الثقافي المُربِك المُختلَط، بين شعوب وأجناس، وفئات عمرية من كل مرحلة سنية، فيحاصرون دماغ الطفل وإحساسه ومخيلات أفكاره، ليكون تحت تأثير الانفتاح النفسي والفكري المهزوم، على عالم بأكمله؟!

لابد أنَّه تصُور مخيف، كمشهد خيالي في فيلم رعب فانتازي، لطفل يلُف بخيالاته مَشاهِد سريعة متتالية، منها الغريبة والمفزعة، ومنها الجذَّابة كقطعة حلوى تقدِّمها ساحرة، لتكون طُعماً لاستقطابه وحبسه، لكنَّ الأكثر خيفة حقاً، هو أنَّه واقع حيٌّ، قابع في كل بيتٍ من المجتمع، ومشهد يومي بين أفراد كل أسرة، بل هو من سمات حاضر العائلة في العالم كلُه.

وأصبحت الهواتف المحمولة في أيادي الأطفال، أقرب إليهم من أحضان أهاليهم، وفترات عزلتهم مع الإنترنت، وخضوعهم للتأثير المهول على وعيهم، أكبر جداً من تأثير بضعة كلمات ينطق بها الأهل تربوياً مع أطفالهم، وفترات اندماجهم الفعَّال معهم، فالهواتف بالنسبةِ للأهل المنشغلين بأعمالهم، ومشاكلهم الشخصية، ومزاجاتهم المُتقلِّبَة، وشغفهم هم أيضاً بهواتفهم- فرصة ذهبية للتخلص من إزعاج الأطفال لهم، وإسكات حقوقهم في طلباتهم الطفولية، التي تحافظ على توازن براءتهم وصحتهم النفسية، في استكشاف الواقع المادي من حولهم، والتحرك في البيت، واللعب، والحكي، أو الصراخ حتى، الذي يلزَم تعامل مباشر من الأهل، لا الإلهاء في هاتف!

وبهذا، لم يَعُد الغرباء بعيدين، بل مَدعوين من قِبل الأهل، ولم يَعُد تحذيرهم لأطفالهم من هؤلاء الغرباء، فعالاً وصادقاً، بل أصبح فُصاماً تربويّاً، يأمر من خلاله الأهل بشيء، ويُنفذون في تربيتهم لأولادهم بصدده، العكس تماماً، ومعه أصبحت التربية للأطفال سطحية وفاترة، يفزعون فيها الأهل، من الخطف الخارجي للطفل، ولا يعيرون انتباهاً للخطف المعنوي، النفسي، العقائدي، فالطفل لم يصل بعد للمساحة العمرية الواعية، التي تؤهله للاطلاع على العالم، بهذا الكَّم من الاختلافات والتناقضات، والمفاجآت، المشابهة منها، والمعاكسة لمبادئ أسرته ومجتمعه، بل حتى نوعه وجنسه، ليكون على وعيٍ كافٍ بكيفية تنقية المعلومات من الشوائب، والحد من الانبهار الخَطِر، الذي يثير فضول طفل شجاع شجاعة السذاجة، ليشرُد بالتطلعات، ومحاولات تذوق تجارب الآخرين، وما في الأرض من خطايا وجرائم، وجنون من الأفكار والاقتراحات والتصرفات! إنَّه عبءٌ أكبر من أن يتحمله طفل في نفسهِ، وفي خزائن وعيه، في هذه المرحلة العمرية، وهذه القدرة المحدودة من التغلب على دهاء الحياة وأطروحاتها!

والمشكلة أنَّ الردود التقليدية للأهالي، في مواجهة التحذيرات من هذه المخاطر الكبيرة التي يتعرَّض لها أطفالهم، هي أنَّ الهواتف الموصولة بالإنترنت، مُجازَفَة مفروضة، على تربية الآباء للأبناء في العالم كله، وعلى التكوين النفسي للأطفال في بقاع الأرض وثقافاتها، وأنَّهم لا يستطيعون إمداد أطفالهم، بهذه الوسيلة التي لا يتمكنون من الحياد عنها.

والحقيقة أنَّ هذا أمرٌ لا جدال عليه، ولكنَّ بقية المشهد، يحمل لهم مسؤولية، لا يستطيعون التهرب منها، وهي أنَّ الكثير منهم، لا يتمكنون من التحكم في حياتهم الشخصية، وهواتفهم الخاصة ومشاكلهم الداخلية، بالقدر الكافي الذي يجعلهم قادرين على التواصل بشكل جيد مع أطفالهم، والتحكم بالتالي في حجم الوقت الذي يتناولون فيه الهواتف، المفتوحة أبوابها على العالم كله، والذي عليهم فيه، أن يكونوا في حالة حضور ذكي، رشيق حولهم، ليتابعوهم فيما يتابعون، ويعلمون مَن مِن الغرباء يجلس مع طفلهم في بيتهم، وماذا يقول له، وعلى ماذا يجتَّر فضوله، وينقش وعيه بدلاً عنهم، كما عليهم أن يكونوا على قدر من الثقافة التربوية التي تؤهلهم لإفراز ما يمكن أن يطَّلِع عليه الطفل ويشاهده، وبأي نسبة من الوقت، وكم فيديو يحمل نفس النهج الفكري لفكرة أو حالة واحدة يطرحها، التي حتى وإن كانت أشياء لطيفة وجميلة، فمن الممكن أن تترك ترسبات غير صحية، وتراكمات خبيثة التأثير على مستقبلهم، فالأمر نسبيٌّ للغاية، وشديد التعقيد، لما عليه النفس البشرية من غموض في التكوين، ولما عليه العصر الحالي من غموض، برُغم مظاهره المكشوفة والمتاحة، الخدّاعة للغاية، للبالغين قبل الأطفال والقاصرين!

لذا نجد أنَّ الأهل أنفسهم، أسرى لتلك الهواتف!، لهذا استراحت التناقضت في الواقع الأسري، فظُلِمَت التربية، وأخذ اللا تحكُّم في حضور الغرباء في بيوتنا مع أطفالنا، يُرسِّخ لأسرة مفككة، وأنماط تربوية سلوكية متهالكة التكرار، فاقدة للبُعد الأخلاقي، ومُفتَقرة لفاعلية حقيقية في نفسية الطفل، على المدى القريب والبعيد، حيث تركوا أطفالهم مع آخرين غيرهم ليشكِّلوا وعيهم، وطموحاتهم، وسلوكياتهم المتخيلة حالياً، المُفعَّلة مستقبلاً.

وهذا الكلام يسري بالتأكيد على فئات عمرية أكبر لأبنائنا وبناتنا، ولكن!، كم يكون الخطر، إذا نشأ أطفالنا على تربية غرباء عنا، نستحضرهم بأنفسنا لحياتهم وحياتنا؟!!



#إيرينى_سمير_حكيم (هاشتاغ)       Ereiny_Samir_Hakim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تُكحِّل أعين الشيطان
- بين أمانة الموت وإماتة الحياة
- ماذا أضافت -بينا باوش- لمسرح الرقص الحديث؟
- هل آن الأوان لإنهاء اختيارية الثقافة النفسية؟
- حماية إنسانية الأطفال في عصر الذكاء الاصطناعي
- في ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن..نذكر كوميتاس: حارس الهُويَّ ...
- -كوميتاس- حارس الهُويَّة والسفير الموسيقيّ للثقافة الأرمنية
- المُشاركة في آلام المسيح
- مَن هو -نونيز- ولماذا أُحِب -نونيز-؟
- كَشف العُنف الرمزي للختان على الجسد الأنثوي في كتاب -أقنعة ا ...
- في كتاب *أقنعة الختان المختلفة* تجد ما لا تعرفه عن *الختان*
- يا رايح -ترشيش- مشوارك على مفيش!
- تحت الطوفان
- المجد للقائم من بين الأموات
- مريمات القلب
- المسيح بين عرفات والصباح الجزء الثاني
- بين الغروب والليل .. شمس
- المسيح بين عرفات والصباح!
- توما أغسطينوس دوستويفسكي .. امنعوا الشك
- هزالة المراحل الانتقالية!


المزيد.....




- انتخابات روسيا.. رد على إرهاب نظام كييف
- الدنمارك تتكتم على تفاصيل اتفاقها مع واشنطن حول غرينلاند
- ترامب يطالب زيلينسكي بوقف الضربات على مصافي النفط الروسية
- -كل الخيارات متاحة-.. وزير مصري يكشف أوراق القاهرة في مواجهة ...
- السلطات الإيرانية تنفي رسميا وقف تسيير الرحلات مع العراق
- البيت الأبيض يعد مرسوما لتشديد الرقابة على المنح العلمية الص ...
- سوريا.. إلقاء القبض على ضابط سابق في مخابرات نظام الأسد
- أول تعليق من خوان بيزيرا بعد انتقاله إلى شباب الأهلي
- كواليس حسم الزمالك الاتفاق مع المدير الرياضي الجديد
- محمد الشناوي يدرس الاعتزال دوليًا بسبب حسام حسن


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إيرينى سمير حكيم - من يُربّي الطفل؟ الأهل أم غرباء الهواتف الذكية؟