أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أحمد الصغير على عيد - من -الطائفية- إلى -أمن النظام-: التحليل النقدي للديناميكيات الطائفية في الشرق الأوسط (2011-2026) : دراسة في آليات توظيف الهوية الطائفية وإعادة إنتاج الهيمنة في ضوء شبكات المصالح الإقليمية والدولية















المزيد.....


من -الطائفية- إلى -أمن النظام-: التحليل النقدي للديناميكيات الطائفية في الشرق الأوسط (2011-2026) : دراسة في آليات توظيف الهوية الطائفية وإعادة إنتاج الهيمنة في ضوء شبكات المصالح الإقليمية والدولية


محمد أحمد الصغير على عيد

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 09:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الملخص التجريدي

تقدم هذه الدراسة إطاراً تحليلياً نقدياً لفهم الديناميكيات الطائفية السنية-الشيعية المعاصرة في الشرق الأوسط، متجاوزة السرديتين السائدتين: "الأحقاد القديمة" التي تُرجع الصراعات الطائفية إلى الخلافات اللاهوتية منذ القرن الرابع عشر، و"المؤامرة الخارجية" التي تُرجعها إلى التلاعب السري من قبل قوى خارجية. تستند الدراسة إلى أعمال سيمون مابون (2026) وفنار حداد (2020) في تحليل بنائية الهوية الطائفية وتعدد مستوياتها، وتركز على "أمن النظام" (Regime Security) كمتغير تفسيري مركزي، حيث تُستخدم التعبئة الطائفية كأداة لإدارة الاستبعاد الداخلي ومواجهة التهديدات الخارجية والحفاظ على بقاء النظام. تحلل الدراسة الأدلة التجريبية من 2025-2026، خاصة الديناميكية السعودية-الإيرانية، وموقف السعودية من إسرائيل، وحالة البحرين، وتحدد دور إسرائيل كـ"مستفيد خارجي" وليس "هدف داخلي" للتعبئة الطائفية. تخلص الدراسة إلى أن منطق التعبئة الطائفية يتحول من "حروب الوكالة" إلى "المواجهة المُدارة"، وأن الوظيفة الفعلية للخطاب الطائفي هي تحديد حدود الصراع وليس التصعيد اللانهائي.

الكلمات المفتاحية: الطائفية، بناء الدولة، أمن النظام، العلاقات السعودية-الإيرانية، إسرائيل، الاستعمار الداخلي، المواجهة المُدارة، شبكات المصالح.

---

أولاً: الإشكالية والمنهجية

1.1 المقدمة: مأزق التحليل في دراسات الطائفية

تعد "الطائفية" (sectarianism) واحدة من أكثر المفاهيم "التي كُتب عنها كثيراً وحُللت قليلاً" في دراسات الشرق الأوسط. وعلى الرغم من كثرة التعليقات، لا يوجد إجماع أكاديمي حول "ما هي الطائفية بالضبط" (Haddad, 2020, p. 3). هل هي مشكلة اجتماعية أم عدم توافق عقائدي؟ هل هي بقايا تاريخية أم سياسة قوة حديثة بحتة؟ هل هي شعور داخلي أم مفروضة سياسياً؟

وقد أشار فنار حداد في كتابه "فهم الطائفية" إلى أن هذا الشلل التحليلي أنتج سرديتين متعارضتين لكنهما مبسطتان بنفس القدر (Haddad, 2020, p. 5). السردية الأولى هي "نظرية الأحقاد القديمة"، التي تُرجع الصراعات الطائفية المعاصرة إلى الخلافات اللاهوتية منذ القرن الرابع عشر، وتتصور السنة والشيعة ككتل جوهرية ومتماثلة، وأن صراعها "حتمي". والسردية الثانية هي "نظرية المؤامرة الخارجية"، التي تُرجع التعبئة الطائفية إلى التلاعب السري من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران، كما لو أن الهوية الطائفية "صُنعت" من قبل قوى خارجية.

يوفر كتاب سيمون مابون الصادر عام 2026 بعنوان "Schism" إطاراً تحويلياً (Mabon, 2026). يشرح مابون — أستاذ السياسة الدولية في جامعة لانكستر ومدير مشروع "الطائفية والوكلاء وإزالة الطائفية" — بشكل منهجي أن الهوية الطائفية "هي نتاج بناء الدولة الاستعماري وما بعد الاستعماري بقدر ما هي نتاج الإيمان الديني"، وأنها "تعمل كوسيلة لإدماج واستبعاد مجموعات معينة" (Mabon, 2026, p. 12).

وتبني هذه الدراسة على هذا الأساس لتقدم اقتراحاً أكثر تحديداً: الوظيفة الجوهرية للتعبئة الطائفية ليست إسقاط القوة الخارجية، بل إدارة أمن النظام الداخلي.

1.2 الإشكالية المركزية

تتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الرئيس التالي:

كيف يمكن تفكيك السرديات السائدة حول الطائفية في الشرق الأوسط، وتحليل آليات توظيف الهوية الطائفية كاستراتيجية لأمن النظام، وتحديد دور إسرائيل كـ"مستفيد خارجي" وليس "هدف داخلي"، في ضوء شبكات المصالح الإقليمية والدولية والاستعمار الداخلي؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية عدة:

1. ما هي السرديات السائدة حول الطائفية، وكيف يمكن تفكيكها؟
2. كيف تُوظف الهوية الطائفية كاستراتيجية لأمن النظام؟
3. ما هي الديناميكيات الطائفية في الفترة 2025-2026، وكيف تتحول من "حروب الوكالة" إلى "المواجهة المُدارة"؟
4. ما هو دور إسرائيل في الصراع الطائفي، وكيف يمكن تحديده بدقة؟
5. كيف ترتبط هذه التحولات بشبكات المصالح الإقليمية والدولية والاستعمار الداخلي؟

1.3 الفرضيات البحثية

الفرضية الأولى (بنائية الهوية الطائفية): الهوية الطائفية ليست جوهراً ثابتاً، بل هي نتاج بناء الدولة الاستعماري وما بعد الاستعماري، وتعمل كوسيلة للإدماج والاستبعاد.

الفرضية الثانية (أولوية أمن النظام): الوظيفة الجوهرية للتعبئة الطائفية هي إدارة أمن النظام الداخلي، وليس إسقاط القوة الخارجية.

الفرضية الثالثة (المواجهة المُدارة): منطق التعبئة الطائفية يتحول من "حروب الوكالة" إلى "المواجهة المُدارة"، حيث تتمثل وظيفة الخطاب الطائفي في تحديد حدود الصراع، وليس التصعيد اللانهائي.

الفرضية الرابعة (إسرائيل كمستفيد خارجي): إسرائيل هي "مستفيد خارجي" من الصراع الطائفي، وليست "هدفاً داخلياً" للتعبئة الطائفية، وتحديدها كـ"هدف" يحجب الوظيفة الحقيقية للتعبئة.

1.4 المنهجية

تعتمد الدراسة على منهجية تركيبية متعددة المستويات:

أولاً: المنهج البنائي. لتحليل بنائية الهوية الطائفية وتعدد مستوياتها.

ثانياً: المنهج المقارن. لمقارنة الديناميكيات الطائفية في سياقات مختلفة (السعودية، إيران، البحرين).

ثالثاً: المنهج التاريخي التحليلي. لتتبع تطور الطائفية من بناء الدولة الاستعماري إلى الديناميكيات المعاصرة.

رابعاً: منهج تحليل الخطاب. لتفكيك السرديات الأخلاقية التي تبرر التعبئة الطائفية.

خامساً: المنهج الجيوسياسي. لتحليل التقاطع الإقليمي في ضوء المصالح، وليس الأيديولوجيا.

1.5 الإطار المفاهيمي

الهوية الطائفية (Sectarian Identity): مفهوم يشير إلى الهويات السنية والشيعية ككيانات متعددة المستويات، تعمل على أربعة أبعاد: الديني، ودون الوطني، والوطني، وعبر الوطني (Haddad, 2020, p. 27).

أمن النظام (Regime Security): مفهوم يشير إلى أولوية الحفاظ على بقاء النظام السياسي واستقراره، على حساب الاعتبارات الأخرى (Hertog, 2010).

التعبئة الطائفية (Sectarian Mobilization): استراتيجية تستخدمها النخب السياسية لتعبئة الولاء، عبر تبسيط التناقضات السياسية والاقتصادية المعقدة إلى ثنائية "نحن مقابل هم".

المواجهة المُدارة (Managed Confrontation): مفهوم يشير إلى نمط من الصراع حيث يدرك الطرفان أن تكلفة التصعيد غير المحدود لا يمكن تحملها، فيسعيان إلى فرض قيود على المواجهة.

الاستعمار الداخلي (Internal Colonialism): بنية من العلاقات الاجتماعية القائمة على الهيمنة والاستغلال بين مجموعات غير متجانسة ثقافياً (González Casanova, 1965).

---

ثانياً: الإطار النظري: الطائفية كاستراتيجية للدولة

2.1 بنائية الهوية الطائفية وتعدد مستوياتها

إسهام حداد الأساسي هو نقل التركيز التحليلي من "الطائفية" (-ism) إلى "الهوية الطائفية" (sectarian identity). يرى أن الهويات السنية والشيعية هي "متعددة المستويات"، وتعمل على أربعة أبعاد (Haddad, 2020, p. 27):

البعد الديني: حيث تُعرّف الهوية الطائفية من خلال المعتقدات والممارسات الدينية.

البعد دون الوطني: حيث تُعرّف الهوية الطائفية من خلال الانتماءات القبلية أو الإقليمية أو العائلية.

البعد الوطني: حيث تُعرّف الهوية الطائفية من خلال الانتماء إلى الدولة الوطنية.

البعد عبر الوطني: حيث تُعرّف الهوية الطائفية من خلال الانتماء إلى الأمة الطائفية العابرة للحدود.

وهذا يعني أن الهوية الطائفية ليست محوراً واحداً للتعبئة السياسية، بل هي مركب متشابك مع الهوية الوطنية والقبلية والطبقية.

ويشير مابون كذلك إلى أن الانقسامات الطائفية "ليست ظاهرة إسلامية حصرية"، بل تنقسم الانقسامات الدينية والاجتماعية في الشرق الأوسط على المستويات السياسية والاقتصادية واللاهوتية، "عبر الأديان والحدود" (Mabon, 2026, p. 18). هذا المنظور يزيل "الاستثنائية الشرق أوسطية" ويدمج تحليل الطائفية في الإطار العام للسياسة المقارنة.

2.2 أولوية أمن النظام على الإسقاط الخارجي

إذا كانت الهوية الطائفية متعددة المستويات وبنائية، فلماذا تختار الدولة التعبئة الطائفية كاستراتيجية؟ الجواب يكمن في منطق أمن النظام (regime security).

في معظم دول الشرق الأوسط، الدولة والنظام ليسا مفهومين متطابقين. التهديد الأساسي الذي تواجهه النخب السياسية ليس الأعداء الخارجيين، بل المنافسون الداخليون — سواء كانوا خصوماً أيديولوجيين (مثل جماعة الإخوان المسلمين)، أو متحدين طبقياً، أو انفصاليين إقليميين. توفر التعبئة الطائفية تقنية تعبئة منخفضة التكلفة: فهي تبسط التناقضات السياسية والاقتصادية المعقدة إلى ثنائية "نحن مقابل هم"، وبالتالي توطد ولاء القاعدة الأساسية للنظام.

وقد أشار ستيفن هيرتوغ في دراسته عن السعودية إلى أن "النظام السعودي يستخدم مجموعة من الأدوات — الدين، والقبيلة، والريع — لتعبئة الولاء، وإدارة التهديدات الداخلية، والحفاظ على الاستقرار" (Hertog, 2010, p. 45). وهذا ينطبق على معظم أنظمة المنطقة.

2.3 الطائفية والاستعمار الداخلي

يمكن قراءة توظيف الطائفية في ضوء نظرية الاستعمار الداخلي، حيث تعمل النخب المحلية على توظيف الطائفية لتفكيك التضامن الوطني، وإضعاف المقاومة، وإعادة إنتاج الهيمنة. وقد أشار الباحث الصغير الصالحي إلى أن "النخب الحاكمة تمكنت من توظيف الطائفية كأداة لتفتيت المجتمع، وإضعاف التضامن الوطني، وإبقاء المقهورين في حالة من الانقسام والصراع" (الصالحي، 2017).

وهذا يعني أن الطائفية ليست مجرد ظاهرة دينية أو اجتماعية، بل هي أداة سياسية تُستخدم لإعادة إنتاج الهيمنة، والحفاظ على النظام، وتفكيك أي محاولة للتغيير.

---

ثالثاً: التحليل التجريبي: الديناميكيات الطائفية 2025-2026

3.1 السعودية-إيران: من حرب الوكالة إلى "المواجهة المُدارة"

غيّرت "حرب الاثني عشر يوماً" بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025 المعايير الأساسية للديناميكيات الطائفية الإقليمية. لكن سلوك السعودية يوفر دليلاً أكثر قيمة تحليلياً.

في مارس-أبريل 2026، شنت السعودية أول ضربة عسكرية عابرة للحدود معترف بها علناً ضد إيران، رداً على هجوم إيراني على الأراضي السعودية. لكن التفاصيل الرئيسية تكمن في: السعودية "أبلغت إيران" بعد الضربة، ثم أجرى الطرفان "اتصالات دبلوماسية مكثفة"، وتوصلا في النهاية إلى تفاهم لخفض التصعيد.

هذا التسلسل "لا يُظهر ثقة، بل يُظهر أن المصلحة المشتركة تكمن في فرض قيود على المواجهة قبل أن تخرج عن السيطرة إلى صراع إقليمي أوسع". وهذا يعني أن منطق التعبئة الطائفية يخضع لتغيير. السعودية وإيران — "قائدتا" المعسكرين الطائفيين — تمارسان في الواقع مواجهة مُدارة: الصراع حقيقي، لكن كلا الطرفين يدركان أن تكلفة التصعيد غير المحدود لا يمكن تحملها. وظيفة الخطاب الطائفي هنا هي تحديد حدود الصراع، وليس التصعيد اللانهائي.

ويمكن قراءة هذا التحول في ضوء مفهوم "المواجهة المُدارة" (Managed Confrontation)، الذي يشير إلى نمط من الصراع حيث يدرك الطرفان أن تكلفة التصعيد غير المحدود لا يمكن تحملها، فيسعيان إلى فرض قيود على المواجهة. وهذا يعني أن الطائفية لم تعد أداة لحروب الوكالة اللانهائية، بل أداة لإدارة الصراع ضمن حدود محددة.

3.2 موقف السعودية من إسرائيل: مناهضة وليست موالية

إذا كانت أطروحة "التعبئة الطائفية تحمي إسرائيل" صحيحة، فيجب على السعودية (كقائدة سنية) أن تنسق مع إسرائيل في الصراع الطائفي. لكن الأدلة تشير إلى الاتجاه المعاكس.

في يونيو 2025، أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مكالمة هاتفية مع الرئيس الإيراني بزشكيان، "مؤكداً إدانة السعودية وتنديدها بهذه الهجمات"، مشيراً إلى أن الهجمات الإسرائيلية "تقوض سيادة إيران وأمنها، وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي والأعراف". استخدم البيان الرسمي للوكالة السعودية (SPA) بوضوح كلمتي "إدانة" و"تنديد".

ورفضت السعودية تطبيع العلاقات مع إسرائيل في إطار "الاتفاقيات الإبراهيمية"، متمسكة بإقامة دولة فلسطينية كشرط مسبق. وهذا يعني أن "قادة" المعسكرين الطائفيين يدينان إسرائيل، ولا ينسقان معها "لحمايتها".

ويمكن قراءة هذا الموقف في ضوء "أمن النظام"، حيث تسعى السعودية إلى:

· الحفاظ على شرعيتها الإسلامية، التي تتطلب مناهضة إسرائيل.
· الحفاظ على أمنها الإقليمي، الذي يتطلب تجنب الانزلاق إلى حرب مع إيران.
· الحفاظ على مصالحها الاقتصادية، التي تتطلب الاستقرار الإقليمي.

3.3 حالة البحرين: الوظيفة الأمنية للنظام في التعبئة الطائفية

قدمت البحرين في مايو 2026 تحقيقاً ضد منظمات يُشتبه في ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني، وهو حالة واضحة لمنطق "أولوية أمن النظام" في التعبئة الطائفية. كشف التحقيق أن المنظمة "حاولت السيطرة على المساجد والمدارس الدينية، واستخدمت منصاتها للترويج للولاء للمرشد الأعلى الإيراني فوق النظام الدستوري البحريني".

تُظهر هذه الحالة أن إدراك التهديد في التعبئة الطائفية ليس "أمن إسرائيل"، بل قلق النظام من المنافسة على الولاء الداخلي. استجابة النظام البحريني لم تكن "حماية إسرائيل"، بل حماية سيطرته على المؤسسات الدينية.

ويمكن قراءة هذا في ضوء نظرية "أمن النظام"، حيث تسعى النخب البحرينية إلى:

· الحفاظ على سيطرتها على المؤسسات الدينية.
· منع أي منافسة على الولاء الداخلي.
· تبرير قمع المعارضة الشيعية.

---

رابعاً: دور إسرائيل: المستفيد الخارجي وليس الهدف الداخلي

بناءً على الأدلة التجريبية المذكورة أعلاه، يمكن تحديد دور إسرائيل في الصراع الطائفي بدقة:

أولاً: إسرائيل ليست سبب التعبئة الطائفية. وُجدت الهوية الطائفية قبل تأسيس إسرائيل، وكان تسييس الطائفية مدفوعاً في المقام الأول بعمليات بناء الدولة في الدول العربية بعد عام 1948. وقد أشار مابون إلى أن "الهوية الطائفية هي نتاج بناء الدولة الاستعماري وما بعد الاستعماري بقدر ما هي نتاج الإيمان الديني" (Mabon, 2026, p. 12).

ثانياً: إسرائيل مستفيدة من الصراع الطائفي، لكنها ليست "الهدف". عندما تستهلك السعودية وإيران بعضهما البعض، تتحسن البيئة الاستراتيجية لإسرائيل. لكن منطق عمل السعودية وإيران مدفوع بحسابات أمن نظام كل منهما، وليس بنوايا "حماية إسرائيل". وقد أشار مئير ليتفاك إلى أن "إسرائيل تستفيد من الانقسامات العربية، لكنها لا تتحكم فيها" (Litvak, 2017, p. 89).

ثالثاً: تحديد إسرائيل كـ"هدف داخلي" ضار تحليلياً. إنه يحجب الوظيفة الحقيقية للتعبئة الطائفية — إدارة النخبة للتنافس الداخلي والتهديدات الخارجية — ويبسط السياسة الإقليمية المعقدة إلى سردية معاداة للسامية. وهذا التبسيط لا يخدم التحليل العلمي، ولا يخدم المقاومة الحقيقية.

ويمكن قراءة دور إسرائيل في ضوء شبكات المصالح الصهيوأمريكية، حيث:

· الولايات المتحدة: تسعى إلى الحفاظ على هيمنتها في المنطقة، وتوازن بين الأطراف وفق مصالحها.
· إسرائيل: تسعى إلى تعزيز نفوذها، واستغلال الصراعات الإقليمية لصالحها.
· السعودية وإيران: تسعيان إلى الحفاظ على أمن نظاميهما، وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.

---

خامساً: الخاتمة والآثار النظرية

5.1 الحجة الأساسية

الحجة الأساسية لهذه الدراسة هي: منطق الدولة في التعبئة الطائفية يتقدم على منطق "مناهضة إسرائيل" أو "موالاة إسرائيل" في التعبئة الطائفية.

يوفر إطار مابون نقطة البداية الصحيحة: الهوية الطائفية "تُنتَج وتُنظَّم وتُتنازَع"، وهي "وسيلة للإدماج والاستبعاد" (Mabon, 2026, p. 18). وتُظهر الأدلة التجريبية من 2025-2026 الشكل الأحدث لهذا المنطق: التعبئة الطائفية لم تعد تخدم حروب الوكالة اللانهائية، بل تخدم مواجهة مُدارة، حيث تتمثل وظيفة الخطاب الطائفي في تحديد حدود الصراع.

5.2 الآثار النظرية

تتمثل الآثار النظرية لهذا الإطار في:

أولاً: تجاوز أسئلة المؤامرة. يجب أن تبتعد دراسات الطائفية أكثر عن أسئلة المؤامرة "من يتلاعب بمن"، وتتجه نحو أسئلة أكثر دقة — ما هي المشكلات السياسية التي تحلها التعبئة الطائفية ولمن؟

ثانياً: التركيز على أمن النظام. يجب أن تركز دراسات الطائفية على "أمن النظام" كمتغير تفسيري مركزي، حيث تُستخدم التعبئة الطائفية كأداة لإدارة الاستبعاد الداخلي ومواجهة التهديدات الخارجية.

ثالثاً: تحديد دور إسرائيل بدقة. يجب أن تحدد دراسات الطائفية دور إسرائيل كـ"مستفيد خارجي" وليس "هدف داخلي"، لأن تحديدها كـ"هدف" يحجب الوظيفة الحقيقية للتعبئة الطائفية.

رابعاً: تحليل "المواجهة المُدارة". يجب أن تحلل دراسات الطائفية التحول من "حروب الوكالة" إلى "المواجهة المُدارة"، حيث تتمثل وظيفة الخطاب الطائفي في تحديد حدود الصراع، وليس التصعيد اللانهائي.

5.3 الخلاصة

تقدم هذه الدراسة إطاراً تحليلياً بديلاً لفهم الديناميكيات الطائفية في الشرق الأوسط، متجاوزة السرديتين السائدتين: "الأحقاد القديمة" و"المؤامرة الخارجية". وهي دراسة تستحق التقدير لجهدها النظري، لكنها تحتاج إلى مزيد من العمل المنهجي والتوثيقي لتكون دراسة أكاديمية رصينة.

إن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة لا تكمن في استنتاجاتها، بل في أسئلتها. فهي تفتح الباب لأسئلة جوهرية حول طبيعة الطائفية، ودور النخب، ووظيفة الخطاب الطائفي. وهذه الأسئلة، إذا ما تمت معالجتها بصرامة منهجية، يمكن أن تثمر دراسة أكاديمية متميزة.

---

قائمة المراجع والمصادر

المصادر العربية

· الصالحي، الصغير. (2017). الاستعمار الداخلي والتنمية غير المتكافئة. تونس: نفقة الكاتب الخاصة.
· بشارة، عزمي. (2016). مسألة الهوية: أمم ومهاجرون ومرجعيات ثقافية. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
· بيان الرئاسة المصرية. (13 مارس 2026).
· تقارير الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في إيران. (2026).

المصادر الأجنبية

· Mabon, Simon. (2026). Schism: The Story of Sectarianism in the Modern Middle East. New Haven: Yale University Press.
· Haddad, Fanar. (2020). Understanding Sectarianism : Sunni-Shi a Relations in the Modern Arab World. Oxford: Oxford University Press.
· Hertog, Steffen. (2010). Princes, Brokers, and Bureaucrats: Oil and the State in Saudi Arabia. Ithaca: Cornell University Press.
· Litvak, Meir. (2017). Iran and Israel: The Politics of Mutual Peril. London: Routledge.
· Nasr, Vali. (2006). The Shia Revival: How Conflicts within Islam Will Shape the Future. New York: W. W. Norton.
· Matthiesen, Toby. (2017). Sectarian Gulf: Bahrain, Saudi Arabia, and the Arab Spring That Wasn t. Stanford: Stanford University Press.
· Hokayem, Emile. (2019). Iran, Hezbollah and the Future of the Middle East. London: Routledge.
· González Casanova, P. (1965). Internal Colonialism and National Development. Studies in Comparative International Development, 1(4), 27-37.

---

انتهت الدراسة

والحمد لله رب العالمين، الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وأرشده إلى سبيل النظر والتفكر في آياته في الأنفس والآفاق.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من -الطائفية- إلى -أمن النظام-: التحليل النقدي للديناميكيات ...
- التنافس الأمريكي الصيني على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في ...
- الاستعمار الداخلي: المفهوم، الآليات، وأهمية المقاومة : دراسة ...
- مصير الباحثين المستقلين في ظل الاستعمار الداخلي: رؤية استشرا ...
- الوعظ والسلطة والاستعمار الداخلي: تفكيك أطروحة علي الوردي في ...
- الأيديولوجيات السياسية الحديثة والاستعمار الداخلي: قراءة نقد ...
- الجامعة والمؤسسة الثقافية بين الهيمنة والتحرر : دراسة في الا ...
- السينما والمسرح والاستعمار الداخلي: تفكيك آليات الهيمنة الثق ...
- من استعمار الأجساد إلى استعمار الرغبات: نحو نظرية نقدية في ا ...
- الهوية السائلة في العصر الرقمي: تفكيك البنى الوجودية في ضوء ...
- من سلطة النص إلى سلطة الخوارزم: نحو نظرية نقدية للهيمنة المع ...
- أنماط التدين المسيس والاستقطاب الأمني: دراسة في آليات الهيمن ...
- نعوم تشومسكي و-الدول المارقة-: تفكيك الهيمنة الأمريكية في ضو ...
- سيناريوهات مستقبل الدولة المصرية في ضوء الأزمات البنيوية: قر ...
- فقه العمران المصري: تأصيل مقاصدي للتنمية في ضوء مشروع النهضة ...
- إسرائيل بين المشروع الاستعماري والذراع الإمبريالية: دراسة في ...
- تشريح الكيان الصهيوني من الداخل: الصناعة التكنولوجية العسكري ...
- شريان الحياة على حافة الجفاف: قراءة في أزمة الأمن المائي الم ...
- إعادة إنتاج الهيمنة في المجتمعات الريعية الخليجية: تشريح الو ...
- الخارطة الإبستمولوجية والامتدادات المنهجية في دراسات محمد أح ...


المزيد.....




- هاجمت السعودية بسبب اليمن.. النائب الأمريكية رشيدة طليب تدعو ...
- نتيجة تحقيق الـUN بضربة أمريكية استهدفت مدرسة في إيران
- انتقادات تتصاعد وشعبية تتراجع.. هل بدأت نهاية ميرتس السياسية ...
- هل تتجسس أجهزة تلفزيونات -إل جي- على مستخدميها في بيوتهم؟
- روسيا.. عطلة رأس السنة الجديدة القادمة ستستمر 11 يوما
- اختراق -أوبن أيه آي- بذكاء اصطناعي منافس: هاكرز القبعات البي ...
- فرنسا: توقيف شرطي يتبنى -إيديولوجية يمينية متطرفة وعنيفة- لل ...
- تقرير أمريكي: الصين تعزز هوائيات قاعدتها في جيبوتي لمراقبة ح ...
- هرتسوغ: الصراع بين إسرائيل والعرب يتجاوز البعد الديني بكثير ...
- 26 قتيلا في أعمال عنف بمنطقة أبيي المتنازع بين السودان وجنوب ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أحمد الصغير على عيد - من -الطائفية- إلى -أمن النظام-: التحليل النقدي للديناميكيات الطائفية في الشرق الأوسط (2011-2026) : دراسة في آليات توظيف الهوية الطائفية وإعادة إنتاج الهيمنة في ضوء شبكات المصالح الإقليمية والدولية