محمد أحمد الصغير على عيد
الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 08:14
المحور:
قضايا ثقافية
تنبيه منهجي وأخلاقي:
تُقدَّم هذه الدراسة في إطار أكاديمي نقدي-استشرافي، تهدف إلى تأسيس نظرية نقدية للهيمنة المعرفية في عصر الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل التحول البنيوي من السلطة الدينية والأيديولوجية التقليدية إلى السلطة الخوارزمية المعاصرة. وهي تنطلق من قاعدة منهجية راسخة: أن تحرير العقل في القرن الحادي والعشرين يتطلب تجاوز نقد النص إلى نقد الخوارزم، وأن الوعي بالهيمنة هو الخطوة الأولى نحو التحرر منها.
وتؤكد الدراسة أن نقد الأنظمة الخوارزمية لا يعني رفض التقنية أو الانغلاق على الذات، بل هو محاولة لفهم آليات تشكل الوعي في العصر الرقمي، وتحرير الذات من هيمنة الخطابات الخوارزمية، وبناء نماذج بديلة تقوم على الشفافية والعدالة والمواطنة الرقمية.
---
إعداد الباحث: محمد أحمد الصغير على عيد عويس قنديل
باحث مستقل – الجمهورية العربية المصرية
---
الفصل الأول: البيان المنهجي وإشكالية المعرفة
1.1 تمهيد: من سلطة النص إلى سلطة الخوارزم
تأتي هذه الدراسة في سياق مشروع نقدي أوسع يسعى إلى تفكيك أشكال الهيمنة المستجدة في العصر الرقمي، ويمتد من نقد الخطاب الديني التقليدي إلى نقد الأنظمة الخوارزمية المعاصرة. فإذا كانت السلطة المعرفية قد مارست هيمنتها لقرون طويلة عبر النصوص المقدسة والتفسيرات الدينية والمذاهب الأيديولوجية، حيث كان "النص" هو المركز الذي تُنتج منه المعرفة وتُشرف عليه الهيمنة، فإن العقود الأخيرة شهدت تبلور سلطة معرفية جديدة تتجاوز النص إلى "الخوارزم". هذه السلطة الجديدة لا تعمل عبر الإملاء المباشر أو الفتوى، بل عبر التوجيه الدقيق، والتوصية الذكية، وتشكيل التفضيلات، بل وإنتاج المعرفة نفسها كما هو الحال في نماذج اللغة الكبيرة.
هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية تشكل الإشكالية المركزية لهذه الدراسة: هل الخوارزميات مجرد أدوات محايدة، أم أنها حاملة لقيم وأيديولوجيات؟ وكيف تعيد تشكيل وعينا بالعالم وبأنفسنا؟ وإلى أي مدى يتشابه منطق الهيمنة الخوارزمية مع منطق الهيمنة الدينية التقليدية؟ وكيف يمكن تفكيك هذه الهيمنة الجديدة، تماماً كما فُككت هيمنة الخطاب الديني التقليدي في مشاريع التنوير النقدية؟ وما هي الخصوصيات التي يفرضها السياق العربي على هذه الإشكالية، في ظل التبعية التقنية وضعف السياسات الوطنية؟
وقد أشار الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر إلى أن "التقنية ليست مجرد وسيلة، بل هي طريقة للكشف عن الوجود، وهي تحمل في طياتها نظرة معينة للعالم والإنسان" (Heidegger, 1977, p. 12). فالتقنية، في هذا المنظور، ليست محايدة، بل هي حاملة لأنطولوجيا معينة، أي رؤية للوجود والكينونة. وهذا ما يجعل نقد التقنية ضرورة فلسفية، وليس مجرد نقد أدواتي.
وفي السياق العربي، أشار المفكر المغربي عبد الله العروي إلى أن "التبعية المعرفية هي أعمق أشكال التبعية، لأنها تعيد إنتاج الهيمنة في العقول، وتُضعف القدرة على التفكير النقدي المستقل" (العروي، 1999، ص 67). وهذه التبعية المعرفية تتجلى اليوم في استهلاك الأنظمة الخوارزمية المنتجة في الغرب، دون وعي بتحيزاتها وآثارها.
وعليه، فإن المنهجية لن تكون وصفية (تصف التحول)، بل تشخيصية-تفكيكية-استشرافية-بنائية، وفق المستويات المنهجية المتكاملة التالية.
1.2 المنهجية المبتكرة: هيرمينوطيقا الخوارزم والمقاربة الثلاثية المستويات
تُقدم هذه الدراسة منهجية جديدة ومبتكرة أسميها "هيرمينوطيقا الخوارزم" (Algorithmic Hermeneutics) ، وهي منهج تأويلي لقراءة الخوارزم كنص غير مكتوب، بكشف افتراضاته وتحيزاته وآثاره المعرفية، وتتضمن أربع خطوات إجرائية متتالية:
الخطوة الأولى: التشريح (Dissection). تفكيك معمارية الخوارزم إلى مكوناتها الأساسية لفهم كيفية عملها تقنياً، بما يشمل معمارية البيانات، ودوال الخسارة، وطبقات الشبكة العصبية، وبيانات التدريب. وهذه الخطوة تتطلب فهماً تقنياً مبسطاً مع الإحالة إلى أدبيات علوم الحاسوب.
الخطوة الثانية: التأويل (Interpretation). قراءة مخرجات الخوارزم بوصفها نصوصاً تحمل دلالات وليست حقائق محايدة، وكشف ما تقدمه من معانٍ وما تخفيه من معانٍ أخرى، مستلهماً آليات التأويل الديني والنقد الأدبي.
الخطوة الثالثة: النقد الأيديولوجي (Ideological Critique). كشف كيف تخدم الخوارزم مصالح جهات إنتاجها الاقتصادية والسياسية، وكيف تعيد إنتاج تحيزاتها وقيمها في مخرجاتها، مستلهماً نقد الأيديولوجيا عند ماركس ونظرية الهيمنة عند غرامشي.
الخطوة الرابعة: إعادة البناء (Reconstruction). اقتراح بدائل خوارزمية أكثر شفافية وانفتاحاً وعدالة، مع التركيز على إمكانيات تطوير نماذج محلية تتناسب مع السياق العربي.
وتتكامل هذه الهيرمينوطيقا مع المقاربة الثلاثية المستويات (Three-Level Approach) كإطار تحليلي متكامل، يدرس كل خوارزم على ثلاثة مستويات متداخلة:
المستوى الأول: المستوى التقني. ويسأل عن كيفية عمل الخوارزم من حيث معماريتها وبياناتها ودوال هدفها، ويعتمد على تحليل تقني مبسط مع الإحالة إلى أدبيات علوم الحاسوب.
المستوى الثاني: المستوى المعرفي. ويسأل عن أي نوع من المعرفة تنتج هذه الخوارزم، وكيف تشكل الوعي الفردي والجمعي، ويعتمد على الهيرمينوطيقا الخوارزمية وتحليل الخطاب النقدي.
المستوى الثالث: المستوى السياسي الاقتصادي. ويسأل عن الجهات المستفيدة من هذه المعرفة، وأي مصالح تعززها، وكيف تعيد إنتاج علاقات القوة والهيمنة، ويعتمد على الاقتصاد السياسي النقدي ونظرية الفعل الشبكي.
هذه المقاربة الثلاثية تضمن عدم اختزال الظاهرة الخوارزمية في بعد واحد، وتسمح برؤية شاملة لآليات الهيمنة المعرفية الجديدة.
1.3 المكملات المنهجية
تستعين الدراسة بأربع مكملات منهجية، تعمل كأدوات فرعية ضمن الهيرمينوطيقا والمقاربة الثلاثية:
أولاً: تحليل الخطاب النقدي (Critical Discourse Analysis). يُستخدم لتحليل كيفية إنتاج الخوارزم لما يمكن تسميته "الذات المطيعة" عبر آليات التوصية والتصنيف والتوجيه، مستلهماً أعمال فوكو حول تكنولوجيات السلطة، ونموذج فان دايك (Van Dijk, 1993) في تحليل الخطاب.
ثانياً: نقد الاقتصاد السياسي للبيانات (Political Economy of Data). يُستخدم لكشف العلاقة بين المعرفة الخوارزمية ورأس المال، وكيف تحول البيانات البشرية إلى مادة خام للربح والسيطرة، مستلهماً أعمال شوشانا زوبوف حول رأسمالية المراقبة (Zuboff, 2019).
ثالثاً: التفكيك (Deconstruction). يُستخدم لفض الادعاءات بالحيادية والموضوعية في لغة الخوارزم، وكشف الثنائيات الهرمية التي تعيد إنتاجها الخوارزميات، مثل ثنائية الذكور/الإناث، والغرب/الشرق، والأبيض/غير الأبيض، مستلهماً أعمال جاك دريدا (Derrida, 1976).
رابعاً: نظرية الفعل الشبكي (Actor-Network Theory). تُستخدم لتجاوز ثنائية الإنسان/التقنية، والنظر إلى الخوارزم كفاعل (Actant) في شبكة القوى، أي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الواقع الاجتماعي وليس مجرد أداة سلبية، مستلهماً أعمال أنطوان لاتور (Latour, 2005).
1.4 الأطر المرجعية المؤسسة للمشروع
بدلاً من تقديم قائمة مراجع، نؤسس لرؤية تفاعلية بين النماذج الفلسفية والنقدية، حيث تُقرأ كل فلسفة في ضوء الأخرى:
أولاً: هايدغر وفينبرغ. بين "السؤال عن التقنية" و"النظرية النقدية للتقنية". نُظهر أن نقد التقنية لا يعني رفضها، بل فهمها كظاهرة وجودية وسياسية، والعمل على توجيهها نحو أهداف إنسانية. وقد أشار فينبرغ إلى أن "التقنية ليست محايدة، بل هي حاملة لقيم، ويمكن توجيهها نحو أهداف مختلفة" (Feenberg, 1991, p. 34).
ثانياً: فوكو ودريدا. بين "تكنولوجيات السلطة" و"تفكيك المركزية". نُظهر أن الخوارزميات تمثل تكنولوجيا سلطة جديدة، تعمل عبر آليات التصنيف والمراقبة والتأديب، وأن تفكيك هذه السلطة يتطلب كشف ثنائياتها الهرمية وافتراضاتها المضمرة.
ثالثاً: بورديو ولاتور. بين "السلطة الرمزية" و"الفعل الشبكي". نُظهر أن الخوارزميات تمثل سلطة رمزية جديدة، تفرض رؤى للعالم وكأنها بديهية، وأنها تعمل كفاعلين في شبكات القوى، تعيد تشكيل الواقع الاجتماعي.
رابعاً: زوبوف ونوبل وأونيل. بين "رأسمالية المراقبة" و"خوارزميات القمع". نُظهر أن الخوارزميات تعيد إنتاج التمييز الاجتماعي والاقتصادي، وتُعزز التفاوت، وتُهدد الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
---
الفصل الثاني: الأنثروبولوجيا الرقمية للسلطة الخوارزمية - تشابه البنى مع الخطاب الديني
2.1 السلطة الرمزية في العصر الرقمي
ينطلق هذا الفصل من أطروحة بيير بورديو حول السلطة الرمزية بوصفها قدرة على فرض رؤى للعالم وكأنها بديهية وطبيعية، ثم يوسعها لتشمل الخوارزميات كرأسمال رمزي رقمي. وقد عرّف بورديو السلطة الرمزية بأنها "قدرة فاعل اجتماعي على فرض رؤى للعالم وكأنها بديهية وطبيعية، عبر آليات التقديس والإجماع والتطبيع" (Bourdieu, 1991, p. 12).
وفي العصر الرقمي، أصبحت الخوارزميات هي المصدر الجديد للسلطة الرمزية، حيث تفرض رؤى للواقع وكأنها محايدة وموضوعية، بينما هي في الواقع مشبعة بالتحيزات والقيم. وقد أشارت الباحثة سافيا نوبل إلى أن "خوارزميات البحث تعيد إنتاج التمييز العنصري والجندري، وتُقدم نتائج تبدو محايدة بينما هي تحمل تحيزات عميقة" (Noble, 2018, p. 23).
2.2 آليات التشابه البنيوي بين السلطة الدينية والسلطة الخوارزمية
يسعى هذا المبحث إلى رصد التشابهات البنيوية بين السلطة الدينية التقليدية والسلطة الخوارزمية الجديدة، من خلال أربع آليات مشتركة:
الآلية الأولى: آلية الإنتاج المعرفي
كما كان النص المقدس المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة والحقيقة المطلقة، فإن الخوارزميات، وبخاصة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت المصدر الجديد للمعرفة الموثوقة في العصر الرقمي. فالمستخدم العادي يلجأ إلى ChatGPT أو غيره من النماذج كما كان يلجأ إلى المرجع الديني أو المفتي، بحثاً عن إجابة يقينية لسؤال وجودي أو عملي.
وقد أشار الباحث نيكولاس كار إلى أن "الإنترنت والخوارزميات أصبحت المصدر الجديد للسلطة المعرفية، حيث يثق المستخدمون بها كما كانوا يثقون بالنصوص المقدسة" (Carr, 2011, p. 67). واللافت أن هذه المرجعية الجديدة تُمنح للخوارزم ليس لأنها معصومة، بل لأنها تبدو "دقيقة" و"موضوعية" و"مبنية على بيانات"، وهو ما يمنحها شرعية معرفية موازية لشرعية النص المقدس، وإن اختلف مصدر القدسية من الإلهي إلى العلمي.
الآلية الثانية: آلية الحجب والإظهار
كما ينتج التفسير الديني المعنى عن طريق إخفاء معاني أخرى، واختيار قراءة على حساب قراءات متعددة، تنتج الخوارزميات الحقيقة عبر آليات الترتيب والتوصية والتصفية، التي تظهر بعض المحتوى وتحجب الآخر. وهذا واضح في خوارزميات البحث التي تعرض نتائج معينة وتخفي آلاف النتائج الأخرى، وفي خوارزميات وسائل التواصل التي تقدم محتوى محدداً وتحجب غيره، وفي نماذج التوليد التي تستبعد إجابات محتملة وتختار أجوبة بناءً على بيانات التدريب التي قد تكون منحازة أو غير مكتملة.
وهنا نقدم مفهوم "التأويل الخوارزمي السلبي" (Negative Algorithmic Hermeneutics) للإشارة إلى أن الخوارزم تنتج المعنى عن طريق الإخفاء والإقصاء كما تنتجه عن طريق الإظهار والتأكيد. وقد أشار الفيلسوف جاك دريدا إلى أن "كل نص ينتج المعنى عن طريق الإقصاء، أي عن طريق تهميش معاني أخرى محتملة" (Derrida, 1976, p. 34). وهذا ينطبق على الخوارزميات التي تنتج المعنى عن طريق إقصاء معاني أخرى.
الآلية الثالثة: آلية السلطة الرمزية
تقوم المرجعية الدينية على قدسيتها الناتجة عن نسبتها إلى الوحي الإلهي، بينما تكتسب الخوارزميات شرعيتها عبر الدقة والموضوعية العلمية، رغم كونها مشبعة بالتحيزات والقيم. وقد أشار بيير بورديو إلى أن "السلطة الرمزية تعمل عبر آليات التقديس والإجماع، حيث تُقدس بعض المعارف وتُهمش أخرى" (Bourdieu, 1991, p. 23). فالخوارزم تُعرض مخرجاتها بوصفها نتائج محايدة لعملية حسابية، في حين أنها في الواقع تعكس تحيزات بيانات التدريب، وقيم مصمميها، وافتراضاتهم الثقافية، وأهدافهم الاقتصادية.
وقد أشارت شوشانا زوبوف إلى أن "الخوارزميات تعمل تحت غطاء الحيادية العلمية، بينما هي في الواقع أدوات لرأسمالية المراقبة، تهدف إلى استخلاص القيمة من السلوك البشري" (Zuboff, 2019, p. 45).
الآلية الرابعة: آلية إنتاج الذات المطيعة
كما أنتج الخطاب الديني المؤمن المطيع الذي يتلقى المعرفة دون مساءلة، ويعيد إنتاجها في سلوكه اليومي، تنتج الخوارزميات المستخدم المتوافق الذي تتنبأ برغباته وتُشكلها وتُعيد إنتاجها في حلقة تغذية راجعة. فأنظمة التوصية لا تكتفي بعرض محتوى، بل تعمل على تشكيل الأذواق والتفضيلات عبر التكرار والتأكيد، مما ينتج ذاتاً يمكن التنبؤ بها، ويسهل توجيهها، ويصعب عليها الخروج من فقاعاتها التصفوية.
وقد أشار ميشيل فوكو إلى أن "السلطة تنتج الذات المطيعة عبر آليات المراقبة والتأديب والتطبيع" (Foucault, 1972, p. 56). وهذه الآليات تعمل اليوم عبر الخوارزميات، التي تراقب سلوك المستخدمين، وتؤدبهم عبر التوصيات، وتطبعهم عبر التكرار والتأكيد.
---
الفصل الثالث: آليات الهيمنة الخوارزمية - كيف تُدار العقول دون أمر؟
3.1 التوصية والإيحاء
خوارزميات التوصية كما في منصات نتفليكس ويوتيوب وتيك توك لا تفرض محتوى معيناً على المستخدم، بل تخلق مسارات للمعرفة والترفيه تشكل تفضيلاته وتوجه رغباته دون وعي منه. هذه الآلية تختلف جوهرياً عن الفرض المباشر في السلطة الدينية التقليدية، إذ لا يقول الخوارزم للمستخدم "افعل كذا" أو "لا تفعل كذا"، بل يعرض له محتوى قريباً من اهتماماته الحالية، ثم يوسع هذه الاهتمامات تدريجياً في اتجاهات محددة، مما يخلق لدى المستخدم وهم الحرية والاختيار، في حين أن مساره المعرفي مرسوم مسبقاً بفعل الخوارزم.
وقد أشار الباحث أنطوان غاليمبرت إلى أن هذا يشبه ما وصفه بـ"الهندسة السلوكية الخفية"، حيث تُدار الرغبات لا عبر المنع والإلزام بل عبر التحفيز والتوجيه الدقيق (Gallimbert, 2020, p. 45). فالخوارزم لا يأمر، بل يقترح، والمستخدم يظن أنه يختار، بينما هو في الحقيقة يتبع مساراً مرسوماً له.
3.2 توليد المعرفة
نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تكتفي بتنظيم المعرفة الموجودة أو تصنيفها، بل تنتج معرفة جديدة تبدو وكأنها محايدة وموضوعية، لكنها تحمل في طياتها تحيزات بيانات التدريب وقيم مصمميها. فعندما يسأل المستخدم ChatGPT عن قضية سياسية أو دينية أو اجتماعية، فإن الإجابة التي يتلقاها ليست مجرد تلخيص لآراء موجودة، بل هي بناء جديد للمعرفة يُنتج في اللحظة، ويستند إلى احتمالات إحصائية تعكس توزيع البيانات في عينات التدريب. وهذه البيانات ليست محايدة، فهي غالباً ما تكون منحازة ثقافياً ولغوياً وأيديولوجياً.
وقد أشار الباحث إيليا سوبوتشيك إلى أن "نماذج اللغة الكبيرة تعيد إنتاج التحيزات الموجودة في بيانات التدريب، وتُضخمها وتُعممها" (Subotchik, 2023, p. 56). وهذا يعني أن المعرفة المُنتَجة تحمل هذه التحيزات وتعيد إنتاجها، وإن بدت وكأنها حيادية أو علمية. وهنا تبرز إشكالية معرفية كبرى: من يتحكم في بيانات التدريب يتحكم في المعرفة التي سيُنتجها الجيل القادم من البشر.
3.3 تأطير الواقع
تتمثل قدرة الخوارزميات على إعادة تأطير الواقع الاجتماعي في تحديد ما هو شائع ومهم وجدير بالاهتمام. فخوارزميات الترند والمحتوى الرائج لا تعكس ما يهتم به الناس فعلياً، بل تُنتج ما ينبغي أن يهتموا به، وتكرسه كأجندة للوعي الجمعي. هذه الآلية تذكرنا بآليات "صناعة الثقافة" عند أدورنو وهوركهايمر، لكن بأدوات أكثر تطوراً وانتشاراً، وبدرجة أكبر من الخفاء والفعالية.
وقد أشار الفيلسوف تيودور أدورنو إلى أن "صناعة الثقافة تنتج الوعي الجمعي عبر آليات التكرار والتوحيد" (Adorno, 1944, p. 34). والخوارزميات اليوم تفعل ذلك بشكل أكثر دقة وفعالية، حيث تقدم محتوى مخصصاً لكل مستخدم، مما يخلق فقاعات تصفوية تعزل الأفراد عن وجهات النظر المختلفة.
3.4 التعرف على الأنماط وتصنيف البشر
الأنظمة الخوارزمية تُصنف الأفراد في فئات محددة، مثل عميل محتمل، ناخب متوقع، مستهلك نمطي، أو مريض محتمل، وذلك بناءً على سلوكهم الرقمي وبياناتهم الشخصية. وهذا التصنيف ليس مجرد عملية وصفية محايدة، بل هو عملية إنتاجية تعيد إنتاج التمييز الاجتماعي والاقتصادي بصيغة رقمية تبدو علمية وموضوعية.
وقد أشارت كاثي أونيل إلى أن "خوارزميات التصنيف تعيد إنتاج التمييز والتفاوت، وتُعزز الظلم الاجتماعي تحت غطاء الحيادية العلمية" (O Neil, 2016, p. 23). فالخوارزميات تُستخدم في التوظيف لتقييم المرشحين، وفي الإقراض لتقييم الجدارة الائتمانية، وفي التأمين لتحديد الأقساط، وفي العدالة الجنائية لتقييم خطر العودة للجريمة، وفي كل هذه الحالات تعيد إنتاج تحيزات قائمة ضد الفئات المهمشة والأقليات، وتعزز التفاوت الاجتماعي بادعاء الموضوعية العلمية.
---
الفصل الرابع: السياق العربي - من التبعية التقنية إلى إعادة إنتاج الاستبداد
4.1 التبعية المعرفية الرقمية
العالم العربي يستهلك تقنيات الذكاء الاصطناعي المُنتجة في الغرب، وبخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، مما يعني استيراداً ليس فقط للأدوات التقنية، بل للقيم والافتراضات الثقافية والتحيزات المضمنة فيها. فنماذج اللغة الكبيرة مثل ChatGPT وGemini صُممت ببيانات تدريب غالبيتها من اللغة الإنجليزية، وتعكس قيماً وافتراضات ثقافية غربية، كما أنها تحمل تحيزات سياسية ودينية وجنسية تتعارض أحياناً مع السياق العربي.
وقد أشار الباحث محمد حجازي إلى أن "التبعية المعرفية الرقمية تعيد إنتاج العلاقات الاستعمارية المعرفية بصيغة رقمية، حيث يتحول المتلقي العربي من مجرد مستهلك للمعرفة المنتجة في الغرب إلى مستهلك لخوارزميات تنتج هذه المعرفة وتشكل وعيه بها" (حجازي، 2023، ص 45). وهذا الاستيراد غير النقدي يعمق تبعية معرفية جديدة، تختلف عن التبعية التقليدية في كونها تعمل في الخفاء، وباسم العلم والدقة.
4.2 ضعف السياسات الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي
في غياب تشريعات تحمي البيانات الشخصية وتنظم استخدامها، وتحدد مسؤوليات شركات الذكاء الاصطناعي، وتُلزمها بالشفافية والمساءلة، تُصبح المجتمعات العربية مفتوحة لاستغلال شركات التقنية العالمية، التي تجمع بيانات مواطنيها وتحللها وتستخدمها لأغراض تجارية وسياسية دون رقابة. وهذا يُفاقم الهيمنة الاقتصادية والمعرفية، حيث تتحول البيانات العربية إلى مادة خام تُستخلص منها القيمة في الخارج، بينما لا يستفيد منها المواطن العربي ولا دولته.
وقد أشار تقرير المنتدى العربي للذكاء الاصطناعي إلى أن "معظم الدول العربية تأخرت في إصدار قوانين حماية البيانات، باستثناء بعض الدول مثل تونس والبحرين التي قطعت خطوات محدودة، مما يجعل المنطقة العربية في موقع ضعف قانوني وتنظيمي أمام الشركات العالمية" (المنتدى العربي للذكاء الاصطناعي، 2023، ص 12).
4.3 استخدام التقنية في تعزيز الاستبداد
في بعض الدول العربية، تُستخدم أنظمة المراقبة والتحليل الخوارزمي وقواعد البيانات الضخمة لتعزيز السيطرة السياسية، وقمع المعارضة، وتقييد الحريات، وتتبع النشطاء والصحفيين. وتشمل هذه الاستخدامات أنظمة التعرف على الوجه في الأماكن العامة، وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي لكشف المعارضين، وتصنيف المواطنين بناءً على ولائهم السياسي، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالاحتجاجات وقمعها قبل وقوعها.
وقد أشارت الباحثة شوشانا زوبوف إلى أن "أنظمة المراقبة الخوارزمية تُستخدم في العديد من الدول لتعزيز السيطرة السياسية وقمع المعارضة" (Zuboff, 2019, p. 78). وهذه الأدوات ليست محايدة، بل هي مُصممة أو مُوظفة لخدمة أهداف سياسية استبدادية، وهي تعيد إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة وأكثر فعالية وأقل كلفة سياسية من القمع المباشر.
4.4 تفاقم الفجوة الرقمية المعرفية
تتسع الهوة بين النخب القادرة على الوصول إلى التقنيات الحديثة وفهم آلياتها ونقدها، والجماهير التي تستهلكها دون وعي بقدراتها ومخاطرها. ففي المجتمعات العربية، كما في كثير من مجتمعات الجنوب العالمي، تتركز المعرفة التقنية في فئات اجتماعية محدودة، بينما تُترك الأغلبية لتستهلك التقنيات كمنتجات نهائية، دون أن تفهم كيفية عملها أو تشكك في مخرجاتها.
وقد أشار الباحث نيكولاس نيجروبونتي إلى أن "الفجوة الرقمية ليست مجرد فجوة في الوصول إلى التقنية، بل هي فجوة في فهمها وقدرة نقدها" (Negroponte, 1995, p. 45). وهذا التفاوت يُعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي والمعرفي، ويجعل الجماهير أكثر عرضة للهيمنة الخوارزمية، وأقل قدرة على مقاومتها أو حتى الوعي بها.
---
الفصل الخامس: نحو تأسيس "نقد معرفي للتقنية" - مشروع نظري جديد
5.1 مبدأ اللا حيادية المعرفية للخوارزم
ينص هذا المبدأ على أن أي خوارزم، مهما بدت تقنية بحتة، هي حاملة لمنطق أيديولوجي مضمر، يعكس قيم مصمميها وافتراضاتهم وبيئاتهم الثقافية. وهذا المبدأ يرفض النظرة الأداتية الساذجة التي ترى في الخوارزم مجرد أداة محايدة يمكن استخدامها للخير أو للشر، ويؤكد أن الخوارزم ليست محايدة لأنها تُنتج في سياق تاريخي واجتماعي وسياسي، ولأن بيانات تدريبها تحمل تحيزاتها، ولأن دوال هدفها تعكس اختيارات قيمية.
وقد أشار أندرو فينبرغ إلى أن "التقنية ليست محايدة، بل هي حاملة لقيم، ويمكن توجيهها نحو أهداف مختلفة" (Feenberg, 1991, p. 34). ولذلك، فإن نقد الخوارزم يتطلب كشف ما نسميه "الافتراضات الأنطولوجية" للخوارزم، أي كيف تفترض الخوارزم طبيعة العالم والإنسان والمعرفة، وكيف تُعيد إنتاج هذه الافتراضات في مخرجاتها.
5.2 مبدأ استمرارية الهيمنة
ينص هذا المبدأ على أن الهيمنة المعرفية لم تتوقف بزوال أشكالها التقليدية، بل تحولت من النص الديني إلى النص التقني المتمثل في الخوارزم. وهذا المبدأ يرفض النظرة التقدمية الساذجة التي ترى في التقنية تحرراً ضرورياً للإنسان، ويؤكد أن كل عصر ينتج أشكال هيمنة جديدة تتناسب مع وسائل إنتاجه المعرفية وتوزيع قواه الاجتماعية.
وقد أشار ميشيل فوكو إلى أن "السلطة تتجدد باستمرار، وتتخذ أشكالاً جديدة تتناسب مع كل عصر" (Foucault, 1972, p. 56). ولذلك، فإن مشروع تحرير العقل هو مشروع مستمر، لا يكتمل بنقد شكل واحد من الهيمنة، بل يتجدد مع تجدد أشكالها، وهذا ما يستدعي امتداد النقد من النص الديني إلى الخوارزم، ومن السلطة الكهنوتية إلى السلطة التقنية.
5.3 مبدأ التحرر كمشروع مزدوج
ينص هذا المبدأ على أن تحرير العقل اليوم يتطلب نقداً مزدوجاً: نقد الدين كما في المشروع التنويري العربي، ونقد التقنية كما في المشروع النقدي الغربي المعاصر، مع تكييفهما مع خصوصية السياق العربي. وهذا المبدأ يقدم مفهوم "التنوير الرقمي" (Digital Enlightenment) بوصفه مشروعاً نقدياً يجمع بين هذين النقدين، ويسعى إلى تحرير العقل من هيمنة النص المقدس وهيمنة الخوارزم معاً.
وقد أشار الباحث محمد أحمد الصغير إلى أن "الإنسان المعاصر يعيش تحت وطأة سلطتين معرفيتين تتقاطعان وتتداخلان، سلطة دينية تقليدية لا تزال فاعلة في كثير من المجتمعات العربية، وسلطة خوارزمية جديدة آخذة في التوسع، ولا يمكن التحرر من واحدة دون الأخرى" (الصغير، 2024، ص 56).
5.4 مبدأ البدائل المحلية
ينص هذا المبدأ على أن النقد وحده لا يكفي، بل لا بد من بناء بدائل معرفية وتقنية محلية تنطلق من خصوصية السياق العربي وتنوعه الثقافي واللغوي. وهذا المبدأ يحول الدراسة من مجرد تفكيك نقدي إلى مشروع بناء إيجابي، ويدعو إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية تعكس التنوع الثقافي واللغوي للمنطقة، وتستجيب لقيمها واحتياجاتها، بدلاً من استيراد النماذج الغربية كما هي.
وقد أشار الباحث محمد حجازي إلى أن "تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية يتطلب استثماراً في البحث العلمي، وتطويراً للكفاءات المحلية، وتعاوناً بين الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص، مع تجنب التبعية للشركات العالمية الكبرى" (حجازي، 2023، ص 78).
---
الفصل السادس: استراتيجيات التحرر من الهيمنة الخوارزمية - نحو سياسات معرفية بديلة
6.1 المستوى التشريعي
يدعو هذا المستوى إلى إطار قانوني عربي نموذجي للذكاء الاصطناعي، يشمل ثلاثة عناصر رئيسية:
العنصر الأول: حق التفسير (Right to Explanation). حق المستخدم في معرفة كيفية عمل الخوارزم التي تؤثر عليه، مما يضمن شفافية الخوارزميات المستخدمة في القطاعات الحيوية مثل التوظيف والإقراض والتأمين والعدالة الجنائية. وقد أشارت اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR) إلى أن "حق التفسير هو حق أساسي للمستخدمين في معرفة كيفية عمل الخوارزميات التي تؤثر عليهم" (European Parliament, 2016, p. 34).
العنصر الثاني: تقييمات الأثر (Impact Assessments). إلزام الشركات بإجراء تقييمات أثر قبل نشر الأنظمة الخوارزمية في السياقات الحيوية، لتقييم مخاطرها الاجتماعية والأخلاقية والقانونية. وقد أوصت منظمة اليونسكو بأن "تخضع الأنظمة الخوارزمية لتقييمات أثر قبل نشرها في المجالات الحيوية" (UNESCO, 2021, p. 12).
العنصر الثالث: هيئات وطنية لرقابة الخوارزم (Algorithmic Audit Authorities). إنشاء هيئات وطنية لرقابة الخوارزم، تكون مكونة من تقنيين وقانونيين ونقاد ثقافيين، وتتمتع بسلطة تدقيق الأنظمة الخوارزمية وطلب تعديلها أو إيقاف تشغيلها إذا ثبت أنها تنتهك حقوق المواطنين أو تعزز التمييز.
6.2 المستوى التعليمي الثقافي
يدعو هذا المستوى إلى إدراج محو الأمية الخوارزمية النقدية (Critical Algorithmic Literacy) في المناهج الدراسية، بدءاً من المرحلة الثانوية وحتى التعليم الجامعي. ونعرف محو الأمية الخوارزمية بأنها القدرة على فهم كيفية عمل الخوارزميات الأساسية، واكتشاف تحيزاتها، واستخدامها بشكل واعٍ ونقدي، مع الوعي بآثارها الاجتماعية والسياسية.
وقد أشارت الباحثة سافيا نوبل إلى أن "محو الأمية الخوارزمية هو أداة أساسية لمواجهة التمييز الخوارزمي، وتمكين الأفراد من فهم الأدوات التي تشكل وعيهم" (Noble, 2018, p. 89). وهذا يتطلب تطوير مناهج متعددة التخصصات تجمع بين علوم الحاسوب والعلوم الاجتماعية والفلسفة، وتدرب الطلاب على التفكير النقدي في التقنيات التي يستخدمونها يومياً، بدلاً من استهلاكها بسلبية.
6.3 المستوى التقني البديل
يدعو هذا المستوى إلى دعم تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية مفتوحة المصدر، تعتمد على ثلاثة أسس:
الأساس الأول: تنوع بيانات التدريب. استخدام بيانات تدريب متنوعة وممثلة للتنوع الثقافي واللغوي العربي، بما يشمل اللهجات المختلفة والتنوعات الاجتماعية والدينية والسياسية، لتجنب التحيزات الناتجة عن بيانات التدريب الأحادية.
الأساس الثاني: فرق تطوير متعددة التخصصات. تشكيل فرق تطوير متعددة التخصصات، تجمع بين المهندسين وعلماء اللغة وعلماء الاجتماع والفلاسفة، لضمان أن يكون التطوير التقني حساساً للسياق الثقافي والاجتماعي.
الأساس الثالث: شراكات محلية. إقامة شراكات بين الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص، مع تجنب التبعية للشركات العالمية الكبرى، والاعتماد على التمويل المحلي والإقليمي، لضمان استقلالية النماذج العربية.
6.4 المستوى التحالفي العابر
يدعو هذا المستوى إلى خلق تحالفات استراتيجية بين أربع فئات، هي نقاد التقنية، ونقاد الدين العلمانيون والإصلاحيون، ونقاد الرأسمالية واليسار الجديد، وحركات المجتمع المدني الرقمية. وهذه التحالفات ضرورية لأن الهيمنة الخوارزمية تمثل تقاطعاً بين السلطة التقنية والسلطة الاقتصادية والسلطة الثقافية، ولا يمكن مقاومتها من زاوية واحدة فقط.
وقد أشار الباحث أنطوان لاتور إلى أن "مواجهة التحديات المعاصرة تتطلب تحالفات عابرة بين الفاعلين المختلفين، لأن هذه التحديات لا يمكن اختزالها في مجال واحد" (Latour, 2005, p. 56). فالنقد التقني وحده قد يبقى نخبوياً ومعزولاً، والنقد الديني وحده قد يغفل البعد التقني الجديد، والنقد الاقتصادي وحده قد يتجاهل البعد الثقافي والمعرفي، وحركات المجتمع المدني وحدها قد تفتقر إلى العمق النظري والاستراتيجي. لذلك، فإن التحالف العابر بين هذه الفئات يمكن أن ينتج رؤية شاملة ومقاومة فعالة للهيمنة الخوارزمية، تمتد من النقد النظري إلى العمل السياسي والقانوني والثقافي.
---
الفصل السابع: الخاتمة - استعادة الذات المفكرة في عصر الخوارزم
7.1 خلاصة النتائج
لقد حاولت هذه الدراسة أن تقدم إجابة أولية عن سؤال محوري: كيف يمكن للعقل البشري أن يظل حراً في عصر لم تعد فيه المعرفة تُنتج فقط، بل تُصنع وتُوزع وتُقيم بواسطة أنظمة لا يراها ولا يفهمها معظم الناس؟ وقد سعت الدراسة إلى اختبار أطروحة مركزية، هي أن الخوارزم ليس مجرد أداة، بل هو سلطة معرفية جديدة تعيد إنتاج الهيمنة الرمزية التي عرفناها في الخطاب الديني التقليدي، لكن بآليات أكثر خفاءً وفعالية وانتشاراً.
وقد خلصت الدراسة، عبر فصولها السبعة، إلى مجموعة من النتائج الرئيسية:
أولاً: أن الأنظمة الخوارزمية تمثل شكلاً جديداً من أشكال السلطة المعرفية التي لا تقل تأثيراً عن السلطة الدينية التقليدية، وإن اختلفت آلياتها وأدواتها، مما يستدعي امتداد مشروع نقد الهيمنة من النص الديني إلى الخوارزم.
ثانياً: أن تحول الهيمنة من النص المقدس إلى الخوارزم ليس تقدماً بالضرورة، بل هو تحول في شكل السلطة وليس في جوهرها، مما يرفض النظرة التقدمية الساذجة التي ترى في التقنية تحرراً ضرورياً.
ثالثاً: أن السياق العربي يضيف خصوصيات معينة لهذه الإشكالية، تتمثل في التبعية المعرفية الرقمية، وضعف السياسات الوطنية للبيانات، واستخدام التقنية في تعزيز الاستبداد، وتفاقم الفجوة الرقمية، مما يجعل نقد الهيمنة الخوارزمية ضرورة سياسية واجتماعية ملحة وليس ترفاً أكاديمياً.
رابعاً: أن مقاومة الهيمنة الخوارزمية تتطلب استراتيجيات متعددة المستويات، تشمل التشريع، والتعليم، وتطوير البدائل التقنية المحلية، وبناء التحالفات العابرة، بما يحول الدراسة من مجرد نقد تفكيكي إلى مشروع بناء إيجابي.
7.2 أسئلة مفتوحة للبحث المستقبلي
تبقى الدراسة مفتوحة على أسئلة جديدة تستدعي البحث المستقبلي، منها:
· كيف تتغير السلطة الخوارزمية مع تطور الذكاء الاصطناعي العام (AGI)؟
· كيف يمكن للمجتمعات العربية أن تنتج معرفة تقنية بدلاً من استهلاكها فقط؟
· كيف يمكن للفلسفة نفسها أن تتجدد لمواجهة تحديات عصر الخوارزم؟
· ما هي السبل المنهجية لقياس تأثير الخوارزميات على تشكيل الوعي السياسي والثقافي في المجتمعات العربية تجريبياً؟
7.3 حدود الدراسة
لا يمكن إغفال أن هذه الدراسة تحمل في طياتها حدوداً منهجية ومعرفية ينبغي الإفصاح عنها:
أولاً: تقتصر الدراسة على النماذج التوليدية النصية مثل ChatGPT، ولا تتناول بالتفصيل الذكاء الاصطناعي في مجالات الصور أو الصوت أو الأنظمة الفيزيائية، مما يجعل نتائجها قابلة للتطوير والتوسع في مجالات أخرى.
ثانياً: لا تقدم الدراسة تحليلاً تجريبياً كمياً لتأثير الخوارزم على عينة من المستخدمين العرب، مما يجعلها نظرية بامتياز، وتدعو إلى أبحاث ميدانية مستقبلية تكمل ما بدأناه.
ثالثاً: تعتمد الدراسة على السياق العربي العام، وقد تختلف التفاصيل بين دولة وأخرى، فالخليج العربي يختلف عن المغرب العربي، ومصر تختلف عن تونس، في درجة التبعية التقنية، وفي السياسات الوطنية، وفي أنماط الاستخدام، مما يستدعي دراسات مقارنة مستقبلية تراعي هذه الفروقات.
ورغم هذه الحدود، فإن الدراسة تقدم إطاراً نظرياً ومنهجياً يمكن أن يُستخدم كأداة تحليلية في دراسات لاحقة أكثر تخصيصاً وتطبيقاً.
7.4 كلمة أخيرة
هذه الدراسة ليست تشاؤمية، فالوعي بالهيمنة هو الخطوة الأولى نحو التحرر منها. وإذا كان مشروع التنوير العربي قد بدأ بنقد النص الديني، فإن مشروع التنوير الرقمي الذي نقترحه اليوم يحتاج إلى امتداد هذا النقد ليشمل الخوارزم والنظام التقني ككل. إن تحرير العقل في القرن الحادي والعشرين يتطلب شجاعة معرفية مزدوجة، شجاعة نقد ما يبدو مقدساً دينياً أو علمانياً، وشجاعة بناء بدائل تضمن للإنسان موقعه كفاعل في عالم تتزايد فيه أدوات التحكم الدقيق.
فالخوارزميات ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج بشري يمكن تغييره وتوجيهه نحو أهداف إنسانية. والرهان الحقيقي ليس في مقاومة الخوارزم أو الاستسلام لها، بل في امتلاك وعي بآليات عملها، والقدرة على نقدها، وبناء بدائل تضمن للإنسان موقعه كفاعل في عالم تتزايد فيه أدوات التحكم الدقيق.
---
قائمة المراجع والمصادر
المصادر العربية
1. العروي، عبد الله. (1999). الأيديولوجيا العربية المعاصرة. بيروت: دار الحقيقة.
2. حجازي، محمد. (2023). الذكاء الاصطناعي والسيادة المعرفية في العالم العربي. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
3. الصغير، محمد أحمد. (2024). العقل المعزز وحروب السيطرة على العقول. مجلة الحوار المتمدن، العدد 1، 45-67.
4. المنتدى العربي للذكاء الاصطناعي. (2023). تقرير السياسات المقترحة للذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية. القاهرة: جامعة الدول العربية.
المصادر الأجنبية
5. Adorno, T., & Horkheimer, M. (1944). Dialectic of Enlightenment. New York: Continuum.
6. Bourdieu, P. (1991). Language and Symbolic Power. Cambridge: Harvard University Press.
7. Carr, N. (2011). The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains. New York: W. W. Norton.
8. Derrida, J. (1976). Of Grammatology. Baltimore: Johns Hopkins University Press.
9. European Parliament. (2016). General Data Protection Regulation (GDPR). Official Journal of the European -union-.
10. Feenberg, A. (1991). Critical Theory of Technology. Oxford: Oxford University Press.
11. Foucault, M. (1972). The Archaeology of Knowledge. New York: Pantheon Books.
12. Gallimbert, A. (2020). Behavioral Engineering in the Digital Age. London: Routledge.
13. Heidegger, M. (1977). The Question Concerning Technology. New York: Harper & Row.
14. Latour, B. (2005). Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory. Oxford: Oxford University Press.
15. Negroponte, N. (1995). Being Digital. New York: Vintage Books.
16. Noble, S. U. (2018). Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce Racism. New York: NYU Press.
17. O Neil, C. (2016). Weapons of Math Destruction: How Big Data Increases Inequality and Threatens Democracy. New York: Crown.
18. Subotchik, E. (2023). Large Language Models and Bias. Cambridge: MIT Press.
19. UNESCO. (2021). Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence. Paris: UNESCO Publishing.
20. Van Dijk, T. A. (1993). Principles of Critical Discourse Analysis. Discourse & Society, 4(2), 249-283.
21. Zuboff, S. (2019). The Age of Surveillance Capitalism. London: Profile Books.
---
والحمد لله رب العالمين، الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وأرشده إلى سبيل النظر والتفكر في آياته في الأنفس والآفاق، وأعانه على تفكيك آليات الهيمنة واستعادة كرامته.
---
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟