أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد أحمد الصغير على عيد - نعوم تشومسكي و-الدول المارقة-: تفكيك الهيمنة الأمريكية في ضوء القانون الدولي والأدب الديستوبي : مراجعة أكاديمية نقدية لكتاب -Rogue States: The Rule of Force in World Affairs-















المزيد.....


نعوم تشومسكي و-الدول المارقة-: تفكيك الهيمنة الأمريكية في ضوء القانون الدولي والأدب الديستوبي : مراجعة أكاديمية نقدية لكتاب -Rogue States: The Rule of Force in World Affairs-


محمد أحمد الصغير على عيد

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 23:10
المحور: قضايا ثقافية
    


نعوم تشومسكي و"الدول المارقة": تفكيك الهيمنة الأمريكية في ضوء القانون الدولي والأدب الديستوبي

مراجعة أكاديمية نقدية لكتاب "Rogue States: The Rule of Force in World Affairs"

---

إعداد الباحث: محمد أحمد الصغير على عيد عويس قنديل
باحث مستقل – الجمهورية العربية المصرية

---

الفصل الأول: الإطار العام للكتاب وسياقه الفكري

1.1 تمهيد: تشومسكي بين اللسانيات والنقد السياسي

يُعد نعوم تشومسكي (مواليد 1928) واحداً من أكثر المفكرين تأثيراً في القرن العشرين، حيث جمع بين إسهاماته الرائدة في علم اللغة التوليدي وتحليله النقدي للسياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما جعله "أحد أكثر المفكرين تأثيراً في الأوساط الأكاديمية واليسارية" على مستوى العالم. وقد وصفه النقاد بأنه "مثل الطبيب الذي يحاول علاج وباء فقدان الذاكرة الانتقائي" في المجتمع الأمريكي، من خلال كشف التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية للقوة العظمى .

ويأتي كتاب "الدول المارقة: استخدام القوة في الشؤون العالمية" (Rogue States: The Rule of Force in World Affairs) ضمن مشروعه النقدي الطويل، وقد صدرت طبعته الأولى باللغة الإنجليزية عام 2000، في لحظة تاريخية كانت فيها الولايات المتحدة تبلغ ذروة هيمنتها الأحادية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وقبل أن تهزها أحداث 11 سبتمبر 2001. وقد صدرت الترجمة العربية عن مكتبة العبيكان بالرياض عام 2004، بتعريب أسامة إسبر.

1.2 الفكرة المركزية: قلب مفهوم "الدولة المارقة"

ينطلق تشومسكي في كتابه من أطروحة جوهرية مفادها أن مصطلح "الدولة المارقة" هو "بناء دعائي ابتدعته واشنطن كسلاح سياسي لشرعنة التدخلات العسكرية وتبرير العقوبات". فالدول التي تصفها الولايات المتحدة بأنها "مارقة" (كالعراق، وإيران، وكوبا، وكوريا الشمالية) تُدان لأنها تخرق القانون الدولي، أو تطور أسلحة غير شرعية، أو تعتدي على جيرانها . لكن تشومسكي يطبق هذه المعايير نفسها على الولايات المتحدة، ليبرز أنها تنطبق عليها بدرجة أكبر وبشكل أكثر انتظاماً.

ويطرح تشومسكي سؤالاً جوهرياً: من يملك سلطة تحديد من هو مارق؟ وبأي حق؟ ويخلص إلى أن "الدولة المارقة الحقيقية ليست تلك الخارجة على النظام العالمي، بل تلك التي ترى نفسها فوق النظام العالمي، وتعتبر نفسها مستثناة من القوانين التي تفرضها على الآخرين" . وقد لخّص تشومسكي هذه الأطروحة بعبارته الموجزة: "القاعدة الأولى في السياسة الدولية: الولايات المتحدة لا تُحاسَب" .

1.3 السياق التاريخي والفكري للكتاب

يأتي كتاب "الدول المارقة" في سياق تاريخي دقيق، حيث كانت الولايات المتحدة في عام 2000 تبلغ ذروة هيمنتها الأحادية القطبية، وقد استخدمت إدارة كلينتون مصطلح "الدولة المارقة" لأول مرة في منتصف التسعينيات لتشمل خمس دول هي: كوريا الشمالية، كوبا، إيران، ليبيا، والعراق . وقد أشار تشومسكي إلى أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يغير جوهر السياسة الأمريكية، بل زاد من حدتها، حيث أصبحت أمريكا تبحث عن أعداء جدد ليحلوا محل "الإمبراطورية الشريرة" .

وقد لاحظ الباحثون أن تشومسكي "يُقدّم قراءة نقدية لمفهوم الدولة المارقة ، ويُقلب الاتهام ليثبت أن الدولة المارقة الحقيقية هي الولايات المتحدة نفسها" . ويُعتبر الكتاب "واحداً من أهم النقود الجذرية للسياسة الخارجية الأمريكية والنظام الدولي المعاصر"، حيث "يجمع بين التوثيق الدقيق والتحليل العميق، ويكشف التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية للقوة العظمى" .

---

الفصل الثاني: المنهجية والهيكل التحليلي للكتاب

2.1 المنهجية: بين التوثيق الأكاديمي والخطاب السياسي

يعتمد تشومسكي في كتابه على منهجية تقوم على ثلاثة ركائز رئيسية:

أولاً: التوثيق الدقيق. يستند تشومسكي في تحليله إلى مصادر متعددة تشمل تقارير الأمم المتحدة، ووثائق وزارة الخارجية الأمريكية، وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية، وأقوال المسؤولين الأمريكيين أنفسهم. وقد أشار أحد النقاد إلى أن كتاب تشومسكي يتميز بـ"التوثيق الدقيق والتحليل العميق" . وقد لاحظ باحث في جامعة أكسفورد أن تشومسكي "يُحلل الطرق التي شكّلت بها الولايات المتحدة المؤسسات الدولية لتعزيز مكانتها المهيمنة باستمرار" .

ثانياً: المنهج المقارن. يعتمد تشومسكي على مقارنة السياسة الأمريكية تجاه الدول المختلفة، مُظهراً ازدواجية المعايير الصارخة. فهو يُقارن بين موقف واشنطن من غزو العراق للكويت (الذي عوقب) وغزو إندونيسيا لتيمور الشرقية (الذي تم التغاضي عنه لأن إندونيسيا كانت حليفاً استراتيجياً) . وقد لاحظ النقاد أن هذا الأسلوب يكشف عن "ازدواجية معيارية صارخة: قواعد للخصوم، واستثناءات للحلفاء" .

ثالثاً: النقد المؤسسي. لا يكتفي تشومسكي بنقد السياسات، بل يُحلل البنى المؤسسية التي تنتج هذه السياسات، بما في ذلك دور الإعلام، ومؤسسات المال والأعمال، والمجمع الصناعي العسكري. وقد أشار تشومسكي في مقدمة الكتاب إلى أن "القوة الإمبراطورية تستند إلى السيطرة على الداخل بقدر ما تستند إلى السيطرة على العالم" .

2.2 نقد المنهجية والتحفظات

وُجّهت إلى منهجية تشومسكي انتقادات عديدة، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسية:

أولاً: الانتقاء والتحيز. اتهم تشومسكي بأنه "يُقدّم صورة أحادية الجانب، ويتجاهل تعقيدات السياسة الدولية، ويهمل دوافع الولايات المتحدة الأمنية أو الإنسانية (وإن كانت نادرة)" . وقد أشار أحد النقاد إلى أن تشومسكي "يُقدّم معلومات منقاة بعناية" دون تقديم رؤية متوازنة .

ثانياً: غياب التحليل الهيكلي. يرى بعض الباحثين أن تشومسكي يركز على الدور الأمريكي لدرجة أنه "يهمش العوامل الداخلية للدول المتأثرة، وكأنها مجرد ضحايا سلبيين دون فاعلية" . وقد انتقد البعض عدم تقديم تشومسكي "تحليلاً مقارناً يوضح كيف تتراصف الإمبراطورية الأمريكية أمام الإمبراطوريات السابقة" .

ثالثاً: التعميم المفرط. يتهمه آخرون بأنه "لا يفرق بين أنواع التدخلات، ويخلط بين الحالات المختلفة دون مراعاة للسياق التاريخي والجغرافي" .

ومع ذلك، يُعترف للكتاب بقدرته على "إثارة أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة حول النظام الدولي"، ويُعتبر "مرجعاً مهماً للباحثين والناشطين في مجال نقد الإمبريالية والهيمنة الأمريكية" .

---

الفصل الثالث: المحاور الأساسية للكتاب

3.1 تفكيك مفهوم "الدولة المارقة" وازدواجية المعايير

يبدأ تشومسكي بتفكيك "معايير" الدولة المارقة التي تضعها واشنطن، ثم يستخدم هذه المعايير ذاتها ليبين أنها تنطبق بوضوح على الولايات المتحدة أكثر مما تنطبق على الدول الموضوعة في "القائمة السوداء" . ويُشير إلى أن مصطلح "الدولة المارقة" هو "بناء دعائي ابتدعته واشنطن كسلاح سياسي لشرعنة التدخلات العسكرية وتبرير العقوبات" .

ويُظهر تشومسكي أن الولايات المتحدة تتعامل مع القانون الدولي بوصفه "سلاحاً سياسياً تستخدمه القوى الكبرى لإضفاء الشرعية على هيمنتها، وتجريم خصومها" . وقد خلصت مراجعة نقدية للكتاب إلى أن "تشومسكي لا يكتفي بسرد الوقائع، بل هو دعوة لإعادة النظر في معنى الشرعية والسيادة وحقوق الإنسان، بعيداً عن خطاب المنتصرين، ومن موقع الهامش العالمي" .

3.2 دراسة الحالات: العراق، كوسوفو، وتيمور الشرقية

يُحلل تشومسكي ثلاث حالات نموذجية تُظهر ازدواجية المعايير الأمريكية:

أولاً: العقوبات على العراق. يستعرض تشومسكي التقارير الأممية التي تُظهر أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن ولندن على العراق بعد حرب الخليج أدت إلى وفاة مئات الآلاف من الأطفال العراقيين، واصفاً إياها بأنها "إبادة جماعية بطيئة" . ويستشهد بتصريح مادلين أولبرايت الشهير عام 1996 عن نصف مليون طفل عراقي قتلوا بفعل العقوبات: "كان خياراً صعباً، لكننا نعتقد أن الثمن كان يستحق الدفع" .

ثانياً: تدخل الناتو في كوسوفو. يُفكك تشومسكي السردية الرسمية حول "الحرب من أجل الإنسانية" في كوسوفو (1999)، مُشيراً إلى أن "التدخل العسكري لحلف الناتو لم يكن بدافع إنساني، بل بهدف إثبات قيادة الناتو بعد الحرب الباردة، وتأكيد الهيمنة الأمريكية على أوروبا الشرقية" . ويُبرز أن التدخل تم "دون تفويض من مجلس الأمن، وهو انتهاك صريح للقانون الدولي" .

ثالثاً: تيمور الشرقية. يُقدّم تشومسكي وثائق تُظهر "دعم واشنطن ولندن للدكتاتور سوهارتو في إندونيسيا، رغم علمهما بالمجازر التي ارتكبها ضد شعب تيمور الشرقية" . ويُشير إلى أن الإبادة في تيمور لم تكن "مأساة معزولة"، بل كانت "جزءاً من نظام يربط الشركات العالمية بالسلطة العسكرية" .

3.3 أدوات الضغط: الديون، صندوق النقد، والانقلابات الناعمة

يشرح تشومسكي أدوات الضغط الأمريكية على أمريكا اللاتينية والعالم الثالث: الديون الخارجية، وصندوق النقد الدولي، والانقلابات الناعمة، والدعم العسكري للأنظمة الموالية. ويُظهر أن "الدَّين ليس مشكلة اقتصادية فقط، بل هو آلية للسيطرة السياسية، تضمن تبعية الجنوب العالمي للشمال" . فالدين يُستخدم "لإجبار الدول على تبني سياسات نيوليبرالية تفتح اقتصادها للشركات الغربية، وتُجردها من سيادتها الوطنية" .

ويُربط تشومسكي بين النيوليبرالية والقمع كجزء من سياسة واحدة، حيث "تُستخدم الإصلاحات الاقتصادية لإضعاف الدول، وتُستخدم القوة العسكرية لقمع أي مقاومة" . وقد أشار النقاد إلى أن هذا التحليل يُذكّر بتحليل سمير أمين للتبعية والتبادل غير المتكافئ.

3.4 حقوق الإنسان والاستخدام الانتقائي

يكشف تشومسكي المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة "ترفض الانضمام إلى معظم الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان (مثل محكمة الجنايات الدولية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل)، لكنها تستعمل خطاب الحقوق كسلاح ضد خصومها" . ويُحلل تشومسكي "النسبية الثقافية" وكيف تُستخدم "لتبرير ازدواج المعايير، حيث تُنتقد انتهاكات حقوق الإنسان في الدول الخصوم، وتُتغاضى عنها في الدول الحليفة" .

---

الفصل الرابع: الكتاب في ضوء الأدب اليوتوبي والديستوبي

4.1 الديستوبيا كتحذير من الهيمنة المطلقة

يُعد الأدب الديستوبي، كما يظهر في أعمال جورج أورويل "1984" وألدوس هكسلي "عالم جديد شجاع"، تحذيراً من المجتمعات الشمولية التي تسيطر على الوعي بقدر ما تسيطر على الجغرافيا. ففي "1984"، تسيطر "الأخ الأكبر" على الحقيقة عبر تغيير التاريخ واللغة (اللجنة الحقيقية، اللغة الجديدة)، بينما في "عالم جديد شجاع"، يتم السيطرة عبر الترفيه والإشباع الاستهلاكي.

ويمكن قراءة تحليل تشومسكي في "الدول المارقة" كتفكيك للنظام العالمي الأحادي القطب الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، والذي يرفض الخضوع للقانون الدولي، ويسيطر على وعي العالم عبر الإعلام والدعاية . فالولايات المتحدة، كما يصفها تشومسكي، هي "دولة مارقة" بامتياز، لأنها تضع نفسها فوق القانون الدولي، وتستخدم القوة خارج الشرعية، وتفرض إرادتها على العالم، تماماً كما تفعل الأنظمة الشمولية في الروايات الديستوبية .

4.2 ازدواجية المعايير بين اليوتوبيا والديستوبيا العالمية

المفارقة الأساسية التي يكشفها تشومسكي هي أن الولايات المتحدة "تقدم نفسها كحامية للديمقراطية وحقوق الإنسان (اليوتوبيا الأمريكية)، بينما ممارساتها الفعلية تُذكّر بالديستوبيا: عقوبات قاتلة، دعم أنظمة قمعية، تدخلات عسكرية غير قانونية، ازدواجية معايير صارخة" . وقد خلص أحد النقاد إلى أن "الولايات المتحدة تضع نفسها كشرطي عالمي وقاضٍ ومنفذ، بينما تتصرف كقوة مارقة" .

وهذا يُعيد إنتاج الثنائية التي لاحظها الفلاسفة بين "اليوتوبيا" كمدينة فاضلة و"الديستوبيا" كمدينة فاسدة، حيث يكون الخطاب الرسمي هو اليوتوبيا، والممارسة الفعلية هي الديستوبيا. وقد أشار تشومسكي نفسه إلى أن "الشرعية ليست مجرد مسألة قانونية، بل هي نتاج لقدرة القوة المهيمنة على إنتاج المعرفة وتشكيل الوعي عبر الإعلام والتعليم" .

4.3 كيف يُشكّل الأدب الديستوبي وعياً نقدياً؟

يُسهم الأدب الديستوبي في تشكيل وعي نقدي من خلال ثلاث آليات رئيسية تتقاطع مع تحليل تشومسكي:

أولاً: كشف آليات السيطرة. عبر تصوير المجتمعات الشمولية، يُساعد الأدب الديستوبي في فضح آليات السيطرة والهيمنة، تماماً كما يفعل تشومسكي في تحليله للسياسة الأمريكية. وقد أشار تشومسكي إلى أن الولايات المتحدة "تسيطر على الداخل بقدر ما تسيطر على العالم" عبر "الدعاية والحرب النفسية" .

ثانياً: فضح ازدواجية المعايير. يُظهر الأدب الديستوبي التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية، وهو ما يشكل جوهر نقد تشومسكي للسياسة الخارجية الأمريكية. وقد لاحظ أحد الباحثين أن تشومسكي "يُفكك بنية الهيمنة الأمريكية، ويفهم كيف تُقدَّم القوة كقانون، ومصالح واشنطن كقيم عالمية" .

ثالثاً: الدعوة للتغيير. يُحفز الأدب الديستوبي على المقاومة والتغيير، من خلال إظهار عواقب الهيمنة المطلقة، وهو ما يتماشى مع مشروع تشومسكي النقدي. وقد أشار تشومسكي إلى أن "كل شخص يجب أن يختار بنفسه المساعدة في التغيير، رغم أن النضال قد يبدو أحياناً عبثياً" .

---

الفصل الخامس: الاستقبال النقدي والإرث الفكري

5.1 الإشادة والمكانة الأكاديمية

اعتُبر الكتاب "امتداداً مهماً لمشروع تشومسكي النقدي، وأشادت به دوائر يسارية وأكاديمية لدقته التوثيقية وتحليله العابر للحدود" . وقد قارن النقاد بينه وبين كتب جون بيلجر وهاورد زن، بوصفه "واحداً من أبرز نصوص نقد الإمبريالية في العصر الحديث" . وقد وصفته مجلة Village Voice بأنه "دليل توقيتي لتكتيكات الأقوياء للحفاظ على تركز السلطة وإبقاء الناس مطيعين" .

وفي الأوساط الأكاديمية، يُذكر أن تشومسكي "يُصنف كأكثر المفكرين تأثيراً في الأوساط الأكاديمية" . وقد لاحظت مراجعة من جامعة أكسفورد أن الكتاب يقدم "منظوراً جديداً بالكامل" للطلاب الذين اعتادوا على الأدبيات المتمركزة حول الغرب .

5.2 النقد والتحفظات

وُجّهت إلى الكتاب انتقادات عديدة، يمكن تصنيفها في ثلاث مجموعات رئيسية:

أولاً: الانحياز والتشاؤم. اتهمه المحافظون بأنه "يقدم صورة أحادية الجانب، ويتجاهل تعقيدات السياسة الدولية، ويهمل دوافع الولايات المتحدة الأمنية أو الإنسانية" . وقد انتقد أحد المراجعين "الافتقار إلى التوازن" في الكتاب، مشيراً إلى أن تشومسكي "لا يمنح الحكومة الأمريكية أي فضل لما تفعله" .

ثانياً: الإغراق في التفاصيل والتكرار. اتهم البعض الكتاب بأنه "متكرر وطويل بلا داع" ، وأنه يعاني من "إعادة نصية حرفية لفقرات وصفحات كاملة" . وقد لاحظ أحد النقاد الإسبان أن "التكرار النصي الحرفي للفقرات والصفحات في عدة مواضع من الكتاب" يُضعف قيمته .

ثالثاً: غياب التحليل الهيكلي والحلول. يرى بعض الباحثين أن تشومسكي "يهمل السؤال الأكثر إثارة للاهتمام: لماذا يحدث كل هذا، والأكثر إثارة: ماذا يمكن فعله حيال ذلك" . وقد أشار أحد المراجعين إلى أن "ما هو مطلوب، والمفقود في الدول المارقة ، هو دليل مقارن. كيف تتراصف الإمبراطورية الأمريكية مقابل أسلافها؟" .

5.3 المغزى الفكري للكتاب

يقدّم كتاب "الدول المارقة" أكثر من مجرد نقد للسياسة الخارجية الأمريكية؛ إنه "تفكيك جذري للنظام الدولي المعاصر، وكشف للعلاقة بين القوة والمعرفة والشرعية" . المغزى الأساسي للكتاب هو أن "القانون الدولي ليس معياراً أخلاقياً محايداً، بل هو أداة سياسية تستخدمها القوى الكبرى لإضفاء الشرعية على هيمنتها، وتجريم خصومها" . ويُذكّرنا الكتاب بأن "الشرعية ليست مجرد مسألة قانونية، بل هي نتاج لقدرة القوة المهيمنة على إنتاج المعرفة وتشكيل الوعي عبر الإعلام والتعليم" .

---

الفصل السادس: الخاتمة - الكتاب بين النقد والتحرر

6.1 خلاصة نقدية موازنة

يُعد كتاب "الدول المارقة" لنعوم تشومسكي واحداً من أهم النقود الجذرية للسياسة الخارجية الأمريكية والنظام الدولي المعاصر. يجمع الكتاب بين التوثيق الدقيق والتحليل العميق، ويكشف التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية للقوة العظمى. يقدّم تشومسكي قراءة نقدية لمفهوم "الدولة المارقة"، ويُقلب الاتهام ليثبت أن الدولة المارقة الحقيقية هي الولايات المتحدة نفسها، التي ترفض الخضوع للمعايير التي تفرضها على الآخرين .

ومع ذلك، يُعترف بأن الكتاب يعاني من بعض الإشكاليات المنهجية، منها: الانحياز المفرط، والتكرار، وغياب التحليل المقارن، وعدم تقديم بديل عملي للنظام القائم. وقد لخص أحد النقاد هذا الإشكال بقوله: "تشومسكي يُجيب بشكل نموذجي على السؤال حول كيفية منع القوى العظمى من متابعة أجندتها ضد مصالح الضعفاء، لكن إجابته صحيحة وغير مفيدة في آن واحد: يجب أن تأتي الضوابط من داخل القوى العظمى نفسها" .

6.2 إسهامات الكتاب في الفكر النقدي العربي

يُقدّم "الدول المارقة" إسهامات مهمة للفكر النقدي العربي:

· فضح ازدواجية المعايير: يُساعد الكتاب في كشف التناقض بين الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان والديمقراطية، والممارسة الفعلية للقوى الغربية في العالم العربي.
· تحليل آليات الهيمنة: يُقدّم أدوات تحليلية لفهم كيف تعمل القوى الكبرى على إعادة إنتاج التبعية والهيمنة في الجنوب العالمي.
· ربط السياسة بالاقتصاد والإعلام: يُظهر تشومسكي الترابط بين الأدوات الاقتصادية (الديون، صندوق النقد) والأدوات الإعلامية (الدعاية، تشكيل الوعي) في إنتاج الهيمنة.

6.3 الديستوبيا بين الأدب والسياسة: دعوة للوعي النقدي

في ضوء النقاش الأوسع حول اليوتوبيا والديستوبيا، يُقدّم تشومسكي قراءة للنظام العالمي الأحادي القطب كشكل من أشكال الديستوبيا العالمية، حيث تضع الولايات المتحدة نفسها فوق القانون الدولي، وتسيطر على الوعي بقدر ما تسيطر على الجغرافيا. وكما يُحذر أورويل من "الدولة الأبوية" التي تعيد كتابة التاريخ، يُحذر تشومسكي من "الدولة المارقة" التي تعيد كتابة القانون الدولي حسب مصالحها .

ويسهم الأدب الديستوبي، كما تُشير الدراسات، في تشكيل وعي نقدي من خلال كشف آليات السيطرة، وفضح ازدواجية المعايير، والدعوة للتغيير. في زمن تتصاعد فيه التوترات الدولية، وتتسع الفجوة بين الشمال والجنوب، وتتزايد أزمات اللاجئين والبيئة، تظل دعوة تشومسكي إلى كشف الوجه الخفي للقوة، وإلى محاسبة الدولة المارقة الحقيقية، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وكما يسهم الأدب الديستوبي في تشكيل وعي نقدي، يُسهم كتاب تشومسكي في فضح آليات الهيمنة، والدعوة إلى نظام دولي أكثر عدلاً، يقوم على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، بعيداً عن ازدواجية المعايير.

"الانهيار ليس نهاية، بل ولادة جديدة. فقه العمران الإنساني هو فقه التحرر من الهيمنة، والتنمية سبيل العدل، ومقاومة الاستبداد جوهر النهضة" .

---

قائمة المراجع والمصادر

المصادر الأساسية

· تشومسكي، نعوم. (2000). Rogue States: The Rule of Force in World Affairs. Cambridge: South End Press.
· تشومسكي، نعوم. (2004). الدول المارقة: استخدام القوة في الشؤون العالمية (ترجمة أسامة إسبر). الرياض: مكتبة العبيكان.

المصادر الثانوية

· أورويل، جورج. (1949). 1984. لندن: Secker & Warburg.
· هكسلي، ألدوس. (1932). Brave New World. لندن: Chatto & Windus.
· غرامشي، أنطونيو. (1971). Selections from the Prison Notebooks. نيويورك: International Publishers.
· Giroux, H. A. (2015). Dangerous Thinking in the Age of the New Authoritarianism. New York: Routledge.

المراجعات الأكاديمية

· Choice Review. (2001). Review of "Rogue States". Choice: Current Reviews for Academic Libraries.
· Publishers Weekly. (2000). Review of "Rogue States". Publishers Weekly.
· Moroney, M. (2000). Review of "Rogue States". Fortnight Magazine.
· University College Oxford. (2020). Student Review of "Rogue States". Univ College Oxford.

المصادر الإلكترونية

· Chomsky, N. (2015). Preface to the 2015 Edition, Rogue States. Retrieved from chomsky.info.

---

والحمد لله رب العالمين، الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وأرشده إلى سبيل النظر والتفكر في آياته في الأنفس والآفاق.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيناريوهات مستقبل الدولة المصرية في ضوء الأزمات البنيوية: قر ...
- فقه العمران المصري: تأصيل مقاصدي للتنمية في ضوء مشروع النهضة ...
- إسرائيل بين المشروع الاستعماري والذراع الإمبريالية: دراسة في ...
- تشريح الكيان الصهيوني من الداخل: الصناعة التكنولوجية العسكري ...
- شريان الحياة على حافة الجفاف: قراءة في أزمة الأمن المائي الم ...
- إعادة إنتاج الهيمنة في المجتمعات الريعية الخليجية: تشريح الو ...
- الخارطة الإبستمولوجية والامتدادات المنهجية في دراسات محمد أح ...
- من نقد الهيمنة إلى نقد تشكّل الإنسان : خارطة إبستمولوجية وقر ...
- الساحل الشمالي الشرير: تشريح طبقة النخبة الجديدة بين غسيل ال ...
- من طبقات ثلاث إلى عالمين: تشريح الجمود الطبقي في مصر 2026 : ...
- تشريح الطبقية المصرية في 2026: الواقع المتآكل والحراك المتوق ...
- الطبقات الجديدة في مصر: سياسات الإنتاج وإعادة الإنتاج بين ال ...
- من الاستيطان الجغرافي إلى الاستيطان الرقمي: تشريح أشكال الاس ...
- سوريا 2026: ثلاثية الاستعمار الكلاسيكي والداخلي والرقمي : در ...
- فوائد الدين.. قراءة في آلية الاستنزاف المالي كأداة للاستعمار ...
- بيع أصول الدولة المصرية: قراءة نقدية في آليات التبعية وإعادة ...
- مشروع النهضة النقدية: من تفكيك التبعية إلى بناء الإنسانية در ...
- مشروع النهضة النقدية في مواجهة شبكة المصالح الصهيو-أمريكية : ...
- مشروع النهضة النقدية في سياق الحضارة الإنسانية: نحو رؤية متك ...
- شبكة المصالح العالمية: الهندسة الخفية للهيمنة في العصر المعا ...


المزيد.....




- رئيس المرحلة الانتقالية في مالي يوافق على دعوة تبون لزيارة ا ...
- الرئيس الإيراني لقائد الجيش الباكستاني: البلطجة والغطرسة الأ ...
- وزيرة خارجية هنغاريا تؤكد معارضة بلادها لانضمام أوكرانيا الس ...
- عقود مليارية وتعاون دفاعي استراتيجي وتوافق في ملفات سوريا وه ...
- ميروشنيك يشبه تصريحات رئيس فنلندا حول استهداف نظام كييف المر ...
- فاغنكنخت تتوقع خسارة فادحة لحزب ميرتس في انتخابات ساكسونيا-أ ...
- الولايات المتحدة تعلن استعدادها لتسهيل المفاوضات بين موسكو و ...
- الدكتور/ محمد يوسف يكتب السد الإثيوبي: بين شفافية المعلومة و ...
- ألمانيا تقر أعمق إصلاح لأجهزة الاستخبارات في تاريخها الحديث ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. تفاصيل المشهد الميداني في الضفة الغر ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد أحمد الصغير على عيد - نعوم تشومسكي و-الدول المارقة-: تفكيك الهيمنة الأمريكية في ضوء القانون الدولي والأدب الديستوبي : مراجعة أكاديمية نقدية لكتاب -Rogue States: The Rule of Force in World Affairs-