محمد أحمد الصغير على عيد
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 01:10
المحور:
قضايا ثقافية
السينما والمسرح والاستعمار الداخلي: تفكيك آليات الهيمنة الثقافية في المشهد الفني العربي المعاصر
دراسة في العلاقة بين الفنون الأدائية وإعادة إنتاج التبعية في ضوء نظرية الاستعمار الداخلي
---
تنبيه منهجي وأخلاقي:
تُقدَّم هذه الدراسة في إطار أكاديمي نقدي، تهدف إلى فهم العلاقة بين السينما والمسرح وآليات الاستعمار الداخلي في المجتمعات العربية. وهي تنطلق من قاعدة منهجية راسخة: أن تفكيك آليات الهيمنة الثقافية في الفنون هو خطوة أساسية نحو تحرير الوعي الجمعي واستعادة القدرة على الإنتاج الثقافي المستقل.
وتؤكد الدراسة أن نقد السينما والمسرح بوصفهما أدوات للهيمنة لا يعني رفض الفنون أو الانغلاق على الذات، بل هو محاولة لفهم كيف يمكن للفنون أن تكون أداة للتحرر بدلاً من أن تكون أداة للتبعية. كما تؤكد الدراسة أن استعادة السينما والمسرح لدورهما التنويري يتطلب وعياً بآليات استغلالهما، وقدرة على إنتاج خطاب فني نقدي يتجاوز إرث الاستعمار.
---
إعداد الباحث: محمد أحمد الصغير على عيد عويس قنديل
باحث مستقل
---
الفصل الأول: الإشكالية والمنهجية
1.1 مقدمة: الفنون بين التحرر والهيمنة
تمثل السينما والمسرح، منذ نشأتهما في العالم العربي، أكثر من مجرد فنون ترفيهية؛ فهما أدوات ثقافية وسياسية قادرة على تشكيل الوعي الجمعي، وإنتاج المعنى، وإعادة إنتاج الهيمنة أو مقاومتها. وقد أشار الناقد الإيطالي ريتشيوتو كانودو إلى السينما بوصفها "الفن السابع"، لما تتمتع به من قدرة على جمع الفنون الأخرى في قالب واحد مؤثر . وفي السياق العربي، أصبحت السينما المصرية "أوسع السينمات انتشاراً، إذ إن جمهورها امتد في كل دول العالم العربي، كما اعتُبرت أهم منتج ثقافي ظهر في العالم العربي في التاريخ الحديث" .
لكن هذه القوة الثقافية الهائلة جعلت السينما والمسرح ساحة للصراع بين مشاريع الهيمنة ومشاريع التحرر. ففي فترة الاستعمار المباشر، استخدمت القوى الاستعمارية السينما والمسرح كأدوات للترويج لثقافتها وقيمها، وتشويه صورة المجتمعات المستعمَرة. وبعد انتهاء الاستعمار العسكري المباشر، أعادت النخب المحلية إنتاج هذه الآليات في إطار الاستعمار الداخلي، حيث وظفت الفنون الأدائية لتكريس الهيمنة، وتفكيك التضامن الوطني، وإضعاف قدرة المجتمع على النقد والمقاومة.
وتنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية تتمثل في السؤال التالي: كيف أعاد الاستعمار الداخلي في المجتمعات العربية توظيف السينما والمسرح كآليات للهيمنة الثقافية، وكيف يمكن استعادة هذه الفنون لدورها التنويري والنقدي في مواجهة آليات الهيمنة؟
وتكمن أهمية هذه الدراسة في كونها تتجاوز القراءات السطحية للسينما والمسرح كفنون ترفيهية، إلى قراءة نقدية تحلل دورها في إعادة إنتاج الهيمنة أو مقاومتها، مع تقديم رؤية استراتيجية لاستعادة دورها التنويري.
1.2 الإشكالية المركزية والأسئلة الفرعية
تتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الرئيس التالي:
كيف أعاد الاستعمار الداخلي في المجتمعات العربية توظيف السينما والمسرح كآليات للهيمنة الثقافية، من خلال إنتاج خطابات فنية تكرس التبعية، وتُهمش الأصوات الناقدة، وتُعيد إنتاج الصور النمطية الاستعمارية، وكيف يمكن استعادة هذه الفنون لدورها التنويري والنقدي في مواجهة آليات الهيمنة؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية عدة، منها:
1. كيف تشكلت السينما والمسرح في السياق العربي تحت تأثير الاستعمار الكلاسيكي، وما هي آليات هذا التشكيل؟
2. كيف أعاد الاستعمار الداخلي توظيف السينما والمسرح في إنتاج خطابات تكرس الهيمنة وتُهمش الأصوات الناقدة؟
3. كيف تعمل آليات الرقابة والتمويل والإنتاج في إعادة إنتاج الهيمنة عبر السينما والمسرح؟
4. كيف يمكن للسينما والمسرح أن يكونا أدوات للمقاومة والتحرر من الهيمنة، وما هي التجارب الناجحة في هذا المجال؟
5. كيف يمكن بناء خطاب فني نقدي يتجاوز إرث الاستعمار، ويُعيد للسينما والمسرح دورهما التنويري؟
1.3 الفرضيات البحثية
الفرضية الأولى (تشكيل الفنون تحت تأثير الاستعمار): تشكلت السينما والمسرح في السياق العربي تحت تأثير مباشر للاستعمار الكلاسيكي، حيث فرضت القوى الاستعمارية قوالبها الفنية وأساليبها الإنتاجية، مما أدى إلى تبعية ثقافية استمرت حتى بعد انتهاء الاحتلال المباشر.
الفرضية الثانية (إعادة إنتاج الهيمنة عبر الاستعمار الداخلي):) أعاد الاستعمار الداخلي توظيف السينما والمسرح كآليات للهيمنة الثقافية، من خلال الرقابة، والتمويل المشروط، وإنتاج خطابات تكرس التبعية وتُهمش الأصوات الناقدة.
الفرضية الثالثة (إمكانيات المقاومة الفنية):) يمكن للسينما والمسرح أن يكونا أدوات للمقاومة والتحرر من الهيمنة، من خلال تجاوز القوالب الاستعمارية، واستعادة الجذور الثقافية المحلية، وإنتاج خطاب فني نقدي يعبر عن هموم المجتمع وقضاياه الحقيقية.
1.4 المنهجية
تعتمد هذه الدراسة على مقاربة منهجية تركيبية، تدمج بين عدة مناهج بحثية:
أولاً: المنهج التاريخي. يُستخدم لتتبع تطور السينما والمسرح في السياق العربي تحت تأثير الاستعمار، وتحديد نقاط التحول في علاقتها بالسلطة. وقد أشارت المصادر إلى أن السينما المصرية ظهرت بعد فترة وجيزة من ظهورها عالمياً، حيث قُدِّمت أول العروض في الإسكندرية عام 1896 .
ثانياً: منهج تحليل الخطاب النقدي. يُستخدم لتحليل الخطابات الفنية المنتجة في السينما والمسرح، وكشف آليات الهيمنة المضمنة فيها، بالاستناد إلى نموذج فان دايك (Van Dijk, 1993).
ثالثاً: المنهج السوسيولوجي. يُستخدم لتحليل تأثير السينما والمسرح على المجتمع، وخاصة على تشكيل الوعي الجمعي، وإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية.
رابعاً: المنهج المقارن. يُستخدم لمقارنة تجارب فنية مختلفة في مواجهة الاستعمار الداخلي، وتحديد العوامل المشتركة في نجاحها أو فشلها.
---
الفصل الثاني: الجذور التاريخية - تشكيل السينما والمسرح تحت تأثير الاستعمار
2.1 نشأة المسرح في السياق العربي: بين التأثير الغربي والجذور المحلية
شهد المسرح العربي، منذ نشأته، جدلاً حول جذوره ومرجعياته. فبينما يرى بعض الباحثين أن المسرح العربي نشأ تحت تأثير مباشر للمسرح الغربي، خاصة بعد الحملة الفرنسية على مصر، يذهب باحثون آخرون إلى أن للمسرح العربي جذوراً محلية تعود إلى الحضارة المصرية القديمة. وقد سعى الدكتور عمر المعتز بالله في كتابه "المسرح المصري القديم" إلى تأصيل نشأة المسرح المصري القديم، مدعماً ذلك بأدلة أثرية من برديات ومخطوطات .
وتشير الدراسات إلى أن المسرح المصري القديم يسبق المسرح اليوناني، حيث وثّق المؤرخ هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد أن كهنة مصر القديمة كانوا يقومون بطقوس دينية وصفها بالعروض التمثيلية . كما عُثر على بردية برلين وبردية المتحف البريطاني وبردية الرامسيوم الدرامية، التي تؤكد وجود عناصر مسرحية في مصر القديمة . وتضمنت هذه العروض حواراً، وأزياء خاصة، وأقنعة، وممثلين يؤدون أدواراً محددة، مما يؤكد أن المصريين القدماء عرفوا فن الدراما والمسرح منذ ما يقارب 5000 عام .
ورغم هذه الجذور المحلية، إلا أن المسرح العربي في العصر الحديث تأثر بشكل كبير بالمسرح الغربي، خاصة مع بدايات النهضة العربية في القرن التاسع عشر. وقد استوردت النخب العربية القوالب المسرحية الغربية، وطوّعتها لتتناسب مع السياق المحلي، مما أدى إلى خلق تبعية ثقافية استمرت لعقود.
2.2 نشأة السينما في مصر: بين الاستيراد والتوطين
ظهرت السينما في مصر بعد فترة وجيزة من ظهورها عالمياً، حيث قُدِّمت أول العروض في الإسكندرية عام 1896، ثم في القاهرة . وكان الدور المصري في البداية دور المتلقي فقط، حيث كان المصورون الأجانب هم الذين يصورون معالم مصر في أفلام تسجيلية . لكن المصريين سرعان ما بدأوا في اقتحام هذا المجال، وكان محمد بيومي أول مصري يقف خلف الكاميرا، حيث صور فيلم "عودة الزعيم" عن عودة سعد زغلول من منفاه .
وفي عام 1923، أنتج بيومي فيلم "برسوم يبحث عن وظيفة"، الذي يعتبر أول فيلم روائي مصري صامت، وأول فيلم صُوّر على مستوى أفريقيا، وقدم الفيلم نقداً جارحاً لثورة 1919، وأظهر حالة العوز والفقر والتقاتل على رغيف الخبز . وهذه الإشارة إلى النقد الاجتماعي في أولى الأفلام المصرية تؤكد أن السينما المصرية وُلدت بحساسية نقدية، لكنها سرعان ما تم احتواؤها وتوجيهها.
وفي عام 1925، أسس رجل الاقتصاد المصري طلعت حرب شركة مصر للتمثيل والسينما، ثم افتُتح أستوديو مصر عام 1935، مما شكل قاعدة ثابتة وعميقة للصناعة السينمائية المصرية . وقد جُلبت معدات التصوير للأستوديو من ألمانيا، ولم يتجه العاملون في ذلك الحقل للدولة المستعمرة بريطانيا، مما يعكس وعياً وطنياً مبكراً بأهمية الاستقلال التقني في صناعة الثقافة.
2.3 السينما والمسرح في مواجهة الاستعمار المباشر
رغم سيطرة القوالب الغربية على السينما والمسرح العربي، إلا أن هذه الفنون استُخدمت أيضاً كأدوات للمقاومة ضد الاستعمار. ففي فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر، حاولت السينما المصرية تجسيد بطولات المقاومة في عدد من الأفلام . وكان فيلم "مصطفى كامل" للمخرج أحمد بدرخان من أوائل الأفلام التي تناولت هذه الفترة، حيث يؤكد قيمة النضال والتضحية من أجل الوطن، والتنديد بالاستعمار والاستبداد . ولكن الرقابة منعت عرض الفيلم في ذلك الوقت، ولم يُعرض إلا بعد ثورة 1952 .
وبعد ثورة يوليو 1952، شهد الفيلم المصري نشاطاً متزايداً في تناول تاريخ المقاومة ضد الاستعمار، حيث أنتجت مؤسسة السينما عدة أفلام تتناول هذه الفترة، منها فيلم "في بيتنا رجل" عن قصة إحسان عبد القدوس، وفيلم "بورسعيد" عن العدوان الثلاثي، وفيلم "شياطين الليل" عن المقاومة الشعبية في عام 1919 . وقد استمر هذا الاتجاه حتى فيلم "حرب كرموز" عام 2018، وفيلم "كيرة والجن" المقرر عرضه عام 2020، والذي يتناول شخصيات حقيقية لأبطال ناضلوا ضد الاستعمار البريطاني .
---
الفصل الثالث: الاستعمار الداخلي والسينما - آليات الهيمنة وإعادة إنتاج التبعية
3.1 الرقابة كأداة للهيمنة
تُعد الرقابة من أهم آليات الاستعمار الداخلي في السينما، حيث تُستخدم لمنع إنتاج أو عرض الأفلام التي تنتقد النظام، أو تكشف آليات الهيمنة، أو تقدم روايات بديلة عن التاريخ والهوية. وقد بدأت هذه الآلية منذ فترة الاستعمار المباشر، حيث منعت الرقابة عرض فيلم "مصطفى كامل" لأسباب سياسية . واستمرت هذه الممارسة بعد الاستقلال، حيث أصبحت الرقابة أداة بيد النخب الحاكمة لمنع أي إنتاج فني يهدد هيمنتها.
وتتجلى آليات الرقابة في:
· منع الأفلام الناقدة: حظر عرض الأفلام التي تنتقد النظام، أو تكشف آليات الفساد، أو تقدم روايات بديلة عن التاريخ.
· تشويه الأفلام: طلب حذف مشاهد معينة، أو تغيير الحوار، أو إعادة دبلجة الأفلام لتتناسب مع الخطاب الرسمي.
· الترهيب: ترهيب المخرجين والكتّاب والممثلين، ومنعهم من تناول قضايا حساسة.
وقد أشارت الدراسات إلى أن "الرقابة في العالم العربي لم تكن مجرد أداة لمنع الأفلام، بل كانت أداة لتشكيل الوعي الجمعي، وإعادة إنتاج الهيمنة" (دراسات نقدية، 2020).
3.2 التمويل كآلية للهيمنة
يُعد التمويل من أهم آليات الاستعمار الداخلي في السينما، حيث يُستخدم لتوجيه الإنتاج الفني نحو قضايا "آمنة"، وتجنب القضايا الحساسة. وتشمل آليات التمويل:
· الدعم الحكومي المشروط: تقديم دعم مالي للأفلام التي تخدم الخطاب الرسمي، ومنع الدعم عن الأفلام الناقدة.
· التمويل الخارجي المشروط: تمويل الأفلام من مؤسسات غربية أو خليجية، مما يُلزم المخرجين بتقديم صورة معينة عن المجتمع العربي، تتناسب مع أجندات هذه المؤسسات.
· الاحتكار: سيطرة شركات إنتاج معينة على السوق، وتوجيه الإنتاج وفق مصالحها.
وقد أشارت الدراسات إلى أن "التمويل المشروط أصبح أداة رئيسية في توجيه الإنتاج السينمائي العربي، حيث أصبحت الأفلام تُنتج لتلبية طلبات الممولين، وليس لتعبير عن هموم المجتمع" (دراسات نقدية، 2021).
3.3 إنتاج الصور النمطية
تعيد السينما العربية، في سياق الاستعمار الداخلي، إنتاج الصور النمطية التي أنتجها الاستشراق عن المجتمع العربي، من خلال:
· تصوير المرأة: تقديم المرأة العربية ككائن خاضع، أو مثير، أو بحاجة إلى التحرر الغربي.
· تصوير الرجل: تقديم الرجل العربي كمتخلف، أو عنيف، أو غير قادر على الحكم.
· تصوير المجتمع: تقديم المجتمع العربي كمجتمع متخلف، يعيش في الماضي، وغير قادر على مواكبة العصر.
وقد أشارت الناقدة السينمائية المصرية إلى أن "السينما العربية، في كثير من أفلامها، تعيد إنتاج الصور النمطية التي أنتجها الاستشراق عن العرب، مما يُسهم في تثبيت هذه الصور في الوعي الجمعي، وتكريس التبعية الثقافية" .
---
الفصل الرابع: الاستعمار الداخلي والمسرح - آليات الهيمنة وإعادة إنتاج التبعية
4.1 المسرح بين التوطين والتغريب
يعاني المسرح العربي، منذ نشأته الحديثة، من صراع بين التوطين والتغريب. فمن جهة، يسعى المخرجون والكتّاب العرب إلى توطين المسرح، واستعادة الجذور المحلية، وتجاوز القوالب الغربية. ومن جهة أخرى، يظل المسرح العربي أسير القوالب الغربية، سواء في الشكل أو المضمون.
وقد تجلى هذا الصراع في مشروع يوسف إدريس المسرحي، حيث دعا في مقالته "نحو مسرح مصري" إلى العودة إلى أشكال المسرح المصري والعربي، والانسلاخ عن جماليات المسرح الأوروبي . وقد رأت الباحثة إميلي سيبلي أن تناقضات إدريس بين أهدافه وإخراج مسرحيته "الفرافير" يمكن حلها من خلال الرجوع إلى مبادئ "الأدب" بأنماطه التقليدية ومناداته المعاصرة بالالتزام السياسي .
وتشير الدراسات إلى أن محاولات توطين المسرح في الوطن العربي واجهت تحديات كبيرة، منها:
· التبعية الأكاديمية: هيمنة المناهج الغربية في تدريس المسرح في الجامعات العربية.
· التبعية الإنتاجية: اعتماد المسرح العربي على الدعم الحكومي أو الخارجي، مما يُلزمه بتقديم خطاب معين.
· التبعية الجماهيرية: تراجع الإقبال الجماهيري على المسرح، نتيجة لانفصاله عن هموم المجتمع.
4.2 المسرح والرقابة
كما هو الحال في السينما، تُستخدم الرقابة كأداة للهيمنة على المسرح، حيث تُمنع العروض التي تنتقد النظام، أو تكشف آليات الهيمنة. وقد تجلت هذه الآلية في منع عرض مسرحية "الفرافير" ليوسف إدريس في فترة معينة، وفي منع العديد من العروض المسرحية الناقدة في مختلف الدول العربية.
وتتجلى آليات الرقابة المسرحية في:
· منع النصوص: منع عرض نصوص مسرحية معينة، أو طلب تعديلها.
· منع العروض: منع عرض مسرحيات كاملة، أو إلغاء عروض في لحظات متأخرة.
· الترهيب: ترهيب المخرجين والكتّاب والممثلين، ومنعهم من تناول قضايا حساسة.
4.3 المسرح والمقاومة
رغم هذه التحديات، ظل المسرح العربي أداة للمقاومة والتحرر، حيث استخدمه المخرجون والكتّاب للتعبير عن هموم المجتمع، وكشف آليات الهيمنة. وقد تجلى هذا في عدة تجارب، منها:
· مسرح يوسف إدريس: الذي دعا إلى توطين المسرح، وتجاوز القوالب الغربية، وقدم مسرحيات ناقدة للواقع الاجتماعي والسياسي.
· مسرح سعد الله ونوس: الذي استلهم التراث العربي، وقدم مسرحيات ناقدة للواقع السياسي، مثل مسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران".
· مسرح محمود دياب: الذي استلهم الأساطير الشعبية، وقدم مسرحيات ناقدة للواقع الاجتماعي.
وقد أشارت الدراسات إلى أن "المسرح العربي، في لحظاته النضالية، كان أداة فعالة للمقاومة والتحرر، حيث استطاع تجاوز القوالب الغربية، واستعادة الجذور المحلية، والتعبير عن هموم المجتمع" (دراسات نقدية، 2021).
---
الفصل الخامس: نحو استعادة السينما والمسرح لدورهما التنويري
5.1 تفكيك آليات الهيمنة
يتطلب استعادة السينما والمسرح لدورهما التنويري تفكيك آليات الهيمنة التي تحكمهما، من خلال:
· نقد الرقابة: كشف آليات الرقابة، والضغط لإلغائها، أو على الأقل تخفيفها.
· نقد التمويل المشروط: كشف آليات التمويل المشروط، والبحث عن مصادر تمويل بديلة، مستقلة عن السلطة ورأس المال.
· نقد الصور النمطية: تفكيك الصور النمطية التي تنتجها السينما والمسرح عن المجتمع العربي، وإنتاج صور بديلة تعكس تنوعه وتعقيده.
5.2 استعادة الجذور المحلية
يتطلب استعادة السينما والمسرح لدورهما التنويري استعادة الجذور المحلية، وتجاوز القوالب الغربية، من خلال:
· الاستلهام من التراث: استلهام التراث العربي في السينما والمسرح، سواء في الشكل أو المضمون.
· استخدام اللغة المحلية: استخدام اللغة العربية الفصحى أو العامية، بدلاً من تقليد الأساليب الغربية.
· تناول القضايا المحلية: تناول القضايا التي تهم المجتمع العربي، بدلاً من تقليد القضايا الغربية.
وقد تجلى هذا في مشروع يوسف إدريس المسرحي، الذي دعا إلى العودة إلى أشكال المسرح المصري والعربي، والانسلاخ عن جماليات المسرح الأوروبي . وفي مشروع يوسف شاهين السينمائي، الذي استلهم التراث المصري، وقدم أفلاماً ناقدة للواقع الاجتماعي والسياسي.
5.3 إنتاج خطاب فني نقدي
يتطلب استعادة السينما والمسرح لدورهما التنويري إنتاج خطاب فني نقدي، يعبر عن هموم المجتمع، ويكشف آليات الهيمنة، ويقدم رؤى بديلة للمستقبل. ويتطلب هذا:
· دعم المخرجين والكتّاب الناقدين: توفير الدعم المادي والمعنوي للمخرجين والكتّاب الذين ينتجون خطاباً فنياً نقدياً.
· تطوير النقد الفني: تطوير النقد الفني في العالم العربي، ليكون أداة لتحليل الخطابات الفنية، وكشف آليات الهيمنة المضمنة فيها.
· تعزيز الوعي الجماهيري: تعزيز الوعي الجماهيري بأهمية السينما والمسرح كأدوات للتنوير والتغيير، وتشجيع الجمهور على مشاهدة الأفلام والمسرحيات الناقدة.
---
الفصل السادس: الخاتمة - نحو سينما ومسرح محررين
تُظهر هذه الدراسة أن السينما والمسرح في المجتمعات العربية كانا، ولا يزالان، ساحة للصراع بين الهيمنة والتحرر. فمن جهة، استخدمت القوى الاستعمارية، ثم النخب المحلية في إطار الاستعمار الداخلي، السينما والمسرح كآليات للهيمنة الثقافية، من خلال الرقابة، والتمويل المشروط، وإنتاج الصور النمطية. ومن جهة أخرى، ظل السينما والمسرح أدوات للمقاومة والتحرر، من خلال تجاوز القوالب الغربية، واستعادة الجذور المحلية، وإنتاج خطاب فني نقدي.
وتؤكد الدراسة أن استعادة السينما والمسرح لدورهما التنويري يتطلب وعياً بآليات الهيمنة التي تحكمهما، وقدرة على تفكيكها، واستعادة الجذور المحلية، وإنتاج خطاب فني نقدي يعبر عن هموم المجتمع، ويكشف آليات الهيمنة، ويقدم رؤى بديلة للمستقبل.
وفي الختام، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة المخرجين والكتّاب والفنانين العرب على تجاوز إرث الاستعمار في مجال السينما والمسرح، واستعادة دورهما كأدوات للتنوير والتغيير، في إطار مشروع تحرر وطني وإنساني شامل.
---
قائمة المراجع والمصادر
المصادر العربية
1. المعتز بالله، عمر. (2022). المسرح المصري القديم. القاهرة: دار العين.
2. الجزيرة الوثائقية. (2019). السينما المصرية.. من التأسيس إلى الواقعية.
3. القدس العربي. (2019). عودة أفلام مقاومة الاحتلال البريطاني إلى السينما المصرية.
4. مركز الأبحاث والدراسات. (2020). دراسات في النقد السينمائي العربي.
المصادر الأجنبية
5. Sibley, E. (2019). Redefining Theater: Yusuf Idris s "al-Farāfīr" and the Work of Cultural Decolonization. Alif: Journal of Comparative Poetics, (39), 31-62.
6. Van Dijk, T. A. (1993). Principles of Critical Discourse Analysis. Discourse & Society, 4(2), 249-283.
7. Said, E. (1978). Orientalism. New York: Pantheon Books.
8. Foucault, M. (1978). The History of Sexuality, Vol. 1: An Introduction. New York: Pantheon Books.
---
والحمد لله رب العالمين، الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وأرشده إلى سبيل النظر والتفكر في آياته في الأنفس والآفاق.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟