أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد سليمان - أصالة تغني للشام: حين يصبح الفرح فعلاً يرمم ما دمرته الحرب















المزيد.....

أصالة تغني للشام: حين يصبح الفرح فعلاً يرمم ما دمرته الحرب


أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 09:09
المحور: الادب والفن
    


في بلدٍ أتعبته الحرب، قد تبدو حفلة غنائية مجرد ساعات من الموسيقى والضوء والتصفيق. لكنها أحياناً تكون أكثر من ذلك بكثير. أن يجتمع السوريون حول صوتٍ يعرفونه، وأن تغني أصالة للشام وياسمينها ووردها الجوري، وأن تُرى الوجوه وهي تبتسم بدل أن تبحث عن الخوف في الوجوه الأخرى، فهذه ليست تفاصيل هامشية في بلد يحاول أن يستعيد حياته.

إنها لوحة سورية جميلة.

والأجمل فيها أنها لا تحتاج إلى خطاب سياسي كي تبرر نفسها.

● الموسيقى ليست ترفاً بعد الحرب:

هناك من يتعامل مع الموسيقى والغناء والشعر والفن والأدب وكأنها كماليات يمكن تأجيلها إلى ما بعد بناء الدولة والاقتصاد وإعادة الإعمار.

لكن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا تُبنى المجتمعات السليمة بالإسمنت والقوانين والمؤسسات فقط.

الموسيقى تفتح نافذة في الروح، والشعر يعيد ترتيب علاقتنا بالكلمات، والفن يوسع قدرتنا على رؤية العالم، والأدب يدرّب الإنسان على فهم نفسه والآخرين. هذه كلها أقرب إلى حركة الحياة نفسها، وإلى البناء الصحيح لذائقة الإنسان ووعيه وحساسيته تجاه الجمال والاختلاف.

بعد سنوات العنف، يصبح استعادة هذه المساحات أكثر أهمية، لا أقل.

فالمدينة التي تعيد فتح مسارحها وقاعاتها وحدائقها، وتستعيد حفلاتها ومهرجاناتها وكتبها وأغانيها، لا تعيد الحياة إلى الأماكن فقط؛ إنها تحاول إعادة الحياة إلى الإنسان.

● لا تخربوا ذائقة السوريين باسم الوصاية:

المشكلة ليست أن يحب شخص أصالة أو لا يحبها. ولا أن يذهب شخص إلى الحفلة أو يختار البقاء في منزله.

المشكلة تبدأ عندما يعتقد أحد أنه يملك حق تحديد ما يجب أن يسمعه السوريون، وما يجوز لهم أن يفرحوا به، وما ينبغي أن يشاهدوه، وكيف يجب أن تبدو مدنهم وثقافتهم وحياتهم العامة.

هنا لا يعود الأمر اختلافاً في الذوق أو القناعة؛ بل يتحول إلى محاولة لإعادة تشكيل المجتمع وفق ذائقة واحدة.

والسوريون ليسوا مشروعاً لإعادة التربية على يد أحد.

لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً من أعمارهم وبيوتهم وأمنهم وأحلامهم، وليس من المنطقي أن يخرجوا من سنوات الموت ليجدوا أنفسهم أمام وصاية جديدة على تفاصيل حياتهم، وكأن المطلوب فقط تغيير الجهة التي تقول لهم: هذا مسموح، وهذا ممنوع، وهذا يليق بكم، وهذا لا يليق.

سوريا ليست بحاجة إلى ذائقة واحدة.

سوريا بحاجة إلى أن تستعيد تعددها الثقافي والإنساني، وأن يتعلم السوريون من جديد أن الاختلاف ليس خطراً، وأن وجود الموسيقى لا يلغي وجود التدين، وأن وجود الشعر والمسرح والفن لا ينتقص من أحد، وأن المجتمع يستطيع أن يتسع لكل ذلك من دون أن يتحول إلى ساحة صراع دائم.

ومن يريد أن يختصر سوريا في خطاب واحد، وصوت واحد، وذائقة واحدة، فإنه لا يعيد بناء المجتمع؛ بل يضيّق عليه.

● من يريد بناء الإنسان لا يخاف من الفن:

هناك فرق هائل بين مجتمع يريد أن يبني إنساناً قادراً على التفكير والإحساس والاختيار، ومجتمع يريد إنساناً يخاف من السؤال ويخضع للوصاية.

الفن لا يصنع مواطناً مثالياً، لكنه يفتح أمام الإنسان احتمالات أخرى للحياة. والأدب يجعله يرى العالم من عيون مختلفة. والشعر يمنحه لغة للتعبير عما يعجز الكلام اليومي عن قوله. والموسيقى تجمع أشخاصاً لا تجمعهم السياسة بالضرورة.

لهذا فإن الحرب على الفن ليست في حقيقتها حرباً على أغنية أو حفلة؛ إنها تضييق على واحدة من المساحات التي يتعلم فيها الإنسان كيف يكون إنساناً.

المجتمع الذي يريد بناء الإنسان لا يخيفه الفن، بل يفتح له الأبواب. لا يخاف من السؤال، بل يشجع عليه. ولا يحاول صناعة نسخة واحدة من البشر، بل يمنحهم حق الاختلاف والاختيار.

ولذلك فإن المشهد الذي رأيناه في دمشق يستحق أن يُقرأ بعيداً عن كل محاولات التجييش: سوريون يريدون أن يغنوا، وأن يسمعوا الموسيقى، وأن يستعيدوا شيئاً من حياتهم التي انتزعتها سنوات القسوة.
دعوا الناس تفرح.
ليس الفرح جريمة.

● سوريا تحتاج إلى أصالة… وإلى مالك جندلي وإلى الجميع:

إذا كانت دمشق قد بدأت تستعيد شيئاً من صوتها، فالأجمل أن تمتد هذه الحركة إلى بقية المدن السورية.

وإذا كانت هناك حفلات أخرى ستقام في حمص أو غيرها، فليكن ذلك جزءاً من عودة الحياة إلى المدن، لا مناسبة جديدة للانقسام.

والفرحة السورية تكتمل حين يصبح لكل الموسيقيين والشعراء والفنانين والأدباء السوريين مكان في هذا المشهد، ومن بينهم مالك جندلي، بما يمثله مشروعه الموسيقي من حضور سوري على المسارح العالمية.

نحتاج إلى أصالة، وإلى جندلي، وإلى فرق موسيقية، وإلى شعراء، وروائيين، ومسرحيين، وسينمائيين، وفنانين تشكيليين، وإلى كل من يستطيع أن يضيف حجراً في بناء الذائقة السورية الجديدة.

لأن إعادة بناء سوريا لا تعني فقط إعادة بناء الجسور والطرقات والمباني.

هناك شيء آخر يجب أن يُبنى: الإنسان نفسه.

والإنسان الذي خرج من سنوات طويلة من الموت يحتاج إلى أن يتعلم من جديد كيف يسمع الموسيقى، وكيف يقرأ الشعر، وكيف يرى الجمال، وكيف يختلف مع الآخر دون أن يكرهه، وكيف يفرح دون أن يشعر بأنه مطالب بتقديم اعتذار عن فرحه.

ربما تستمر حفلة أصالة ساعات قليلة.

لكن إذا استطاعت هذه الساعات أن تجعل السوريين يرون بعضهم بعضاً خارج صور الحرب والانقسام والخوف، فهي أكثر من حفلة.

إنها لحظة من حركة الحياة.

وسوريا التي تريد أن تبني مستقبلها لا تحتاج إلى من يطفئ هذه الحركة، بل إلى من يفتح لها الأبواب.

فالأوطان لا تُبنى فقط عندما يرتفع صوت المطرقة فوق الحجارة؛ أحياناً يبدأ البناء الحقيقي عندما يرتفع صوت أغنية، وتُفتح نافذة، ويستعيد الإنسان شيئاً من ذائقته، ومن ذاكرته، ومن حقه البسيط في أن يكون سعيداً.

وربما يصبح هذا الفرح أكثر اكتمالاً حين لا يبقى محصوراً فيمن استطاعوا شراء تذكرة وحضور الحفل. لذلك، أصالة مدعوة إلى أن يكون لضحايا الحرب وأسرها، وللفقراء والمحتاجين، ولمن فقدوا منازلهم أو يعيشون اليوم بلا مأوى، نصيب من ريع هذا الفرح السوري. فهؤلاء كثر، وفي ظل الظروف الاقتصادية القاسية هناك من لم يكن يملك ثمن تذكرة، وربما لم يكن يملك حتى ثمن طعامه أو نفقات عيشه بأبسط مقومات الحياة.

أن يصل جزء من ريع هذه الحفلات إلى هؤلاء، سيكون أجمل امتداد للأغنية خارج المسرح؛ أن تتحول الموسيقى إلى خبز، والفرح إلى مساعدة، والتصفيق إلى يد تمتد لمن يحتاجها.

عندها فقط لا تبقى أغنية أصالة عن الشام مجرد لحظة جميلة في ليلة سورية؛ بل تصبح جزءاً من حركة حياة أوسع، تقول إن الفرح الذي نستعيده بعد الحرب لا يكتمل إلا عندما يجد طريقه أيضاً إلى الذين ما زالوا يعيشون آثارها.

فربما يستطيع الفن أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات وحدها فعله: أن يجعلنا نفرح معاً، ثم نتذكر أن هناك من ينتظر أن نشاركه شيئاً من هذا الفرح.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحكام الساحل وأسئلة السويداء: خطوة مهمة في مسار المحاسبة بان ...
- ضرورة محاسبة أصحاب الخطاب المتشدد ومن يساندهم داخل مؤسسات ال ...
- الأمم المتحدة تتدخل في ملف تركته دمشق مفتوحًا: ما تكسبه السي ...
- اتحادُ الكُتّاب يقحم نفسه في عمل «هيئة العدالة الانتقالية»
- حين يصبح التقشف فاتورة اجتماعية: هل تدفع الطبقة الوسطى ثمن أ ...
- هل هو دمج أم إعادة تموضع؟ حين تتغير أسماء «قسد» ويبقى جسمها: ...
- الغوطة: منظومة الأسد بين الإخضاع والسارين والإفلات من العقاب
- محمد غميرة.. ضحية التعذيب في سوريا الجديدة: دماؤه تفتح ملف م ...
- حكم الإعدام على «مثلث الجرائم»: بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب
- من المليشيا إلى الدولة: هل يجري إعادة توزيع الأدوار الكردية ...
- هل حقًا الناشطة ميسون بيرقدار مكلّفة بمراقبة المعارضين في أل ...
- لو احترمت دولنا مواطنيها، لما كان اللجوء قدرًا والعودة مخاطر ...
- ألمانيا: هل نحن أمام انحدار تدريجي أم بداية فقدان الزخم الاق ...
- أخلاقيات الاعتذار: حين يكتب المثقف بأسنان الطائفة والسلطة
- من يحمي الأفراد من السلاح المتفلت؟
- حشمة العقول أولًا: قبل مراقبة مظاهر المجتمع... تحتاج الدولة ...
- هل تتحول جنسية المسؤولين إلى اختبار للشرعية في سوريا ؟
- هل يقود ترامب إعادة هندسة الأمن في سوريا ولبنان؟
- من انتخب مجلس الشعب؟ ولماذا يُمدَّد؟
- عندما يتحول الخوف إلى ثقافة والإقصاء إلى سلوك... تنتشر ظاهرة ...


المزيد.....




- بعد غياب 10 سنوات.. مهرجان دبي السينمائي الدولي يعود في ديسم ...
- بحلة جديدة.. مهرجان دبي السينمائي يعود في 2027
- -رجعت عالشام-.. أصالة تفتح دفتر المدن السورية على خشبة مسرح ...
- الفنان الأمريكي مكلمور يتبرع بمليون دولار لإغاثة الفلسطينيين ...
- -ملكة القطن- في الدوحة.. عرض الفيلم السوداني بعد رحلة حافلة ...
- الداخلية السورية تحسم الجدل حول توقيف شقيق الفنان لجين إسماع ...
- بعد أشهر من التكهنات.. نجمان مصريان يعلنان اقترانهما رسميا ( ...
- -لؤلؤ لا يقدر بذهب-.. نجاة مكتبة بحمص بعد 15 عاما تفتح جراح ...
- -مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس ...
- -أقف مع فلسطين وشعبها-.. انسحاب جميع الفنانين من جولة إد شير ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد سليمان - أصالة تغني للشام: حين يصبح الفرح فعلاً يرمم ما دمرته الحرب