ابراهيم زورو
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 04:47
المحور:
الادب والفن
اعتقد قراءة الشعر هايكو يختلف عن الشعر الحر والشعر العامودي اختلافاً ظاهراً كونه يعتمد على حاسة الرؤية فقط، كل اللوحة تصلح أن تكون الرؤية المشهدية ولا يمكن أن يمكن بأي حال من الاحوال نسيانها حيث تطبع في اللاشعور كعمق لوجود الفرد وهنا يحضرني تعريف ايديولوجيا من كلمة "Ideology" رأيت وابصرت "Eidon " أن أرى يعني أنا أرى " Idein"، هي رؤيتي أنا، هي رؤيتي أنا خاصة بيّ، ليس لأحد علاقة بها سواي أنا، وكلنا يعلم جيداً ماهي العقدة المشهدية التي تكلم عنها فرويد، هنا تكمن قمة أنا المشهدية حيث ينفي الآخر نهائياً ويزيله من الوجود تماماً، وكما أن "سوزوكي" قد ربطها تماماً مع مذهب "زن" الذي يعتمد على "حقيقة الألم، أصل الألم، إزالة الألم، وطريقة ايقاف الألم"، ويُقال أن البحث عن الألم غير مستحب لأنها "البحث هو الألم ذاته" من هنا هايكو اكتفت بثلاثة اسطر بعدما حذفت الأصل الألم منه.
مثلاً لنرى هذا المقطع:
بين زهرتين (الرؤية/انظر)
عن ظهر حب (اسمح بهذا الانتقال)
تنتقل فراشة(مالذي يحدث هنا)...
برأيي الشخص ولكني لا استطيع الجزم بأن الشطر الاخير كان يمكن أن تأتي مكان الثاني، بموجب الشرح الذي يسبقه!؟
والأمر ذاته يطبق على هذا الشطر،
خلف التلال / كم يبدو بعيداً / وجه القمر....!!!.
فمن المؤكد أنا لا أدعي بأنني على حق أو الخطأ أيضاً، من حيث كل قراءة الجديدة والمخالفة ما هي إلا اثراء واغناء للنص ولايمكن أن يكون غير ذلك، النصوص المبدعة تستدعي أكثر من قراءات متعددة من حيث أن لديها شيء ما كي تقوله، طالما لديها شيء فأن النص يستطيع الدفاع عن ذاته بدون أن يكون المؤلف النص سواء أكان كاتباً أو شاعرة تدافع عن نصوصها إذا اسلمنا مع البنيوية بموت المؤلف.
لطالما هايكو هو ابن الشرعي لمذهب "زن" فهو بعيد كل البعد عن مسائل الجنسية وصورها وما إلى ذلك.
من حيث أن الفلسفة تبتعد عن هذه المنطقة وتعتني تماماً بالروح ولا شيء غير الروح. ففي الديوان الثلاثة تبحث جلّها عن الروح، الغياب، الحضور، واللغة، ونستطيع أن نضيف هنا الفلسفة التجريبية التي تعتمد على الحواس الرؤية كعامل رئيسي لوجودها، ومعها طبعاً حواس اخرى عدا حاسة السمع التي تعتبر عقلية تماماً.
ونقرأ في ديوان مواسم الشوق:
هذ الصخب
معلق بأفواه النوارس
بقايا أمنيات!!!
الاجمل في هذه الصورة الصحيحة على عكس مما قلنا اعلاه من حيث استبدال السطر الاخير بالثاني، بأنه تم استبدال المنقار بفم، وهي التفات ذكية من الشاعرة كي لا يتم تفسيرها بأدوات اخرى وتكون على خلاف مع الروح!.
وكذلك نرى هنا صورة سليمة اخرى، حسب وجهة نظري!!:
لا شيء هناك
يمسح الندى عن وجه الزهر
مستحوذا الانتباه!!!
كان يمكن أن يقول لا أحد هنا، ولكن كي تبتعد عن الصور الجنسية وتكون قريبة من الروح أستبدلت "لاشيء" فمن سيقوم بمسح الندى عن وجه الزهر، ربما عليه أن يقترب منها أكثر!.
ووقفتُ على جميع الصور التي أبدعتْ فيها، ولا يخفى ذلك على أحد، لغة سليمة وتوصيف سليماً للروح، كل شيء يدل على أنها غذاء للروح وبإحساس الروحي بدون أدنى شك. كل كلمة في دواوين هذه الشاعرة تمنح الحق في العبور، وحتى أن شئتَ تستطيع الدخول بطرق فوضوية أو بطرق السرقة وهكذا.
عبر استنطاق النص ما من النصوص، يحبذ أن يكون بأدوات التي تركها المؤلف عبر أثره ربما يستطيع أن يستنتج صورة ما أو فكرة ما، وإلا لن يقدم على القراءة جملة وتفصيلاً ولن تكون ترفيه عن النفس في مثل هذه الحالات ولن يخرج بخفي حنين كما يقال عادة كجملة جاهزة ورفع عتب وتبرير! فقارنت بين عملك كمحامية وبين شعرك، وهو توافق جميل، لأنك تستطيعين - كعادة المحامين كلهم - أن تدافعي عن أي شخص إذا كان الوضع المادي على غير ما يرام، وعادة المحامي يعرف جيداً مكامن الضعف في رواية المدعى عليه، فيقوم بلَيِّ عنق الواقع والحقيقة كي يستطيع الوصول إلى الهدف وهو تبييض صفحته ولو كان غير مقتنع بذلك، طبعاً أنا أبرر هذا لأن الحصول على لقمة الخبز هو الأهم. إذاً هناك علاقة بين التحرر والحرية في سياق هايكو الذي اخترتها لأنك واعية جداً، وهذه تشبه مهنة المحاماة - خير الكلام ما قل ودل - فالتحرر يمكن أن تخرجه من قيوده ولكن الحرية هي قرار فردي داخلي لا يمكن لأي أحد أن يجلبها وهي ما يشبه السلام الداخلي. هذا السلام يجعل من العمل الكتابي أبداعاً، بمعنى التحرر لأنا المؤلف وربما على نصوصه هي بيان حرية القارىء على أنه وصل بسلام إلى مبتغاه، وهو أن هذه النصوص استطاعت أن تحررنا نحن كقراء من جهلنا بمقاطع هايكو وكيف يزجي بنا إلى فهم آخر لما وراء هذا المذهب زن الذي نسج لنفسه شعراً جميلاً بقليل الكلام! الذي يحمل تاريخاً من المعنى مركز كرؤية وكفكرة.
اعتقد هناك الصعوبة في الشعر هايكو بالنسبة إلى القراء الفوضويين الذين يبحثون عن كتب كثيرة ليفهموا معنى الأقل، وخاصة القراء الامس تعلموا أن يروا اشياء ثابتة، أقصد هنا تماماً أن أفرّق بين الصور الفرويدية والنفسية وبين النصوص والمعاني الروحية التي استطعتِ أن تساعد في تحليق الروح عالية بين الغيوم.
كل النصوص هايكو موجهة إلى الروح، القلب، الغياب، الحضور، المكان الخالي من آثار الجرائم، وكذلك إلى الخلاء الذي يأخذ المرء ويجعله يفكر ملياً بعظمة الروح التي خلقت من الخلاء فخاً لأندهاشه!.
يالروعة كتاباتك الجميلة روجبين:
قصائد توق / تستكين فيها الروح، إيماءة عينيك...!!!
بين زهرتين / عن ظهر حب / تنتقل فراشة...!!!.
خلف التلال / كم يبدو بعيداً / وجه القمر....!!!.
ناقص / لون هذا الصباح / غياب عينيك...!!!.
عاصفة ريح / على الفراغ تتكئ / الأقحوانة....!!!.
أنقاض بيتنا / وحدها الريح تتذكر أسماء قاطنيها....!!!.
في تحليل لهذه القصائد يمكن الوقوف على أوجع قصيدة من قصائدك على الإطلاق وهو البيت الأخير! شيء موجع حقا، أنى لك هذا القلب أن ترمي كل الأشياء للريح وتسيري على حافة الهاوية وتسمعي أنين من غادروا ولم يبق إلا صوت الريح وصفيره المزعج عن أسماء كانوا هنا منذ زمن. النص الأخير يتناص مع أغنية فيروز:
"يا جبل اللي بعيد خلفك حبايبنا".
بتموج متل العيد وهمك متعبنا
اشتقنا عالمواعيد بكينا تعذبنا
يا جبل اللي بعيد قول لحبايبنا"
كلمات عاصي ومنصور الرحباني.
ولكن فيروز عندها أمل بالعودة وهم على قيد الحياة وتدعو لهم بحياة جميلة. وذلك التناص مع المكان، حيث لا شيء هنا سوى أنهم راحوا في غياب، أما أنقاض البيت والريح والخراب! ما بالك لو كانت الريح الصرصر التي ذكرت في القرآن، وشرحها ابن عباس بقوله: "باردة تحرق ببردها كالنار تحرق بحرها"، تحرق ببرودتها! يا لقسوة هذا التناقض الذي يبعث على الخوف! فكيف تكون أشكالنا وهي تطير مع ريح الصرصر التي تمسح كل شيء أمامها بضربة واحدة؟ ربما لديك الحق في ذلك، ولكن أن تعدمي الأمل بالتحرر هو أمر باتت معه العودة حتى إلى الأنقاض مستحيلة، الريح باقية تحذف كل شيء حتى آثار أقدامنا وروائحنا سوف تذهب سدى ولم يبق منا شيء سوى الخراب. في كل هذه القصائد، هناك الحكاية مستمرة، هناك كلام يجب أن يقال في صمت مهيب! هناك ما يجعل الذاكرة ملح المكان!
سيدوم الإعجاب طويلا بأعمال كهذه وسوف تسهم في أن تملأ عيون القراء بمشاهد مختلفة في الشكل والمعنى دون أن تظهر نتائجها فورا، فيمكن أن نسمع الأسماء من صفير الهواء وقد نتذكر أشياء كنا بحاجة إليها. والمرعب لو كان من أثار هذا الهواء الصرصر هم البشر هداهم الله إلى خراب بيوت الآخرين! روجبين أنت مبدعة حقا، كل التقدير لك شاعرتنا ومحاميتنا.
#ابراهيم_زورو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟