|
|
من ازمة الحكومة الى ازمة الكيان: كوردستان امام لحظة الحقيقة
جوتيار تمر
كاتب وباحث
(Jotyar Tamur Sedeeq)
الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 15:08
المحور:
القضية الكردية
د. جوتيار تمر اقليم كوردستان 14-9-2026 لم تعد الازمة التي يعيشها اقليم كوردستان العراق مجرد ازمة تشكيل حكومة جديدة، ولا خلافا عابرا بين الاحزاب حول توزيع المقاعد والوزارات والمواقع؛ فلو كانت المشكلة محصورة في تشكيل الحكومة، لكان من الممكن التعامل معها باعتبارها جزءا طبيعيا من العملية السياسية، مهما طال التفاوض حولها؛ لكن ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو ان ازمة تشكيل الحكومة جاءت في سياق اوسع تتراكم فيه ازمات السياسة والاقتصاد والامن والعلاقة مع بغداد والثقة الشعبية، بحيث اصبح كل ملف ينتج اثرا في ملف اخر؛ ولهذا فان السؤال الحقيقي لم يعد: متى تتشكل الحكومة؟ بل: ما طبيعة الكيان السياسي الذي ستديره هذه الحكومة، وما مقدار القرار الذي ما زال يمتلكه، وما المشروع الذي تستطيع تقديمه لشعب يزداد شعوره بالقلق والياس؟. ان الصراع على تشكيل الحكومة يكشف في جوهره مشكلة تتجاوز توزيع المقاعد؛ فعندما يصبح التفاوض منصبا بصورة اساسية على الحصص والمناصب والنفوذ، تتحول الحكومة من مؤسسة يفترض ان تكون اداة لادارة المصلحة العامة الى مساحة لتوزيع القوة بين الاحزاب؛ والنتيجة المباشرة هي ان تشكيل الحكومة يصبح هدفا بحد ذاته، بينما يتراجع السؤال المتعلق بما ستفعله هذه الحكومة بعد تشكيلها؛ وهنا يصبح من المشروع ان نسأل: هل يجري التنافس على السلطة من اجل بناء مؤسسات اكثر كفاءة، ام ان المؤسسات نفسها اصبحت مجالا لاعادة توزيع النفوذ السياسي؟ فالحكومة التي تولد من صراع طويل على المقاعد قد تجد نفسها منذ اليوم الاول مقيدة بالتوازنات التي انتجتها، وعندها تصبح قدرتها على اتخاذ قرارات صعبة ومستقلة محدودة بطبيعة الاتفاق الذي قامت عليه. ولا يمكن فصل هذه الازمة عن طبيعة العلاقة بين القوى السياسية الكوردية وبغداد؛ فالعلاقة مع الحكومة الاتحادية ليست في حد ذاتها مشكلة، بل هي جزء من النظام الدستوري والسياسي الذي يفترض ان ينظم العلاقة بين الاقليم وبغداد؛ لكن المشكلة تبدأ عندما لا يستطيع الاقليم انتاج موقف موحد في القضايا التي تمس حقوقه ومصالحه وموقعه الدستوري؛ وحين تصبح حسابات بعض القوى السياسية مرتبطة بصورة اقوى بمصالحها الحزبية وعلاقاتها الخاصة مع بغداد من ارتباطها بموقف كوردستاني مشترك، فان الموقف التفاوضي للاقليم يضعف تلقائيا، لاسيما وأن قوات التحالف التي يتسمك الاقليم بها على وشك الخروج من العراق والاقليم – احتمال خطر قادم - ؛ وذلك ما سيفرض واقعا جديدا ، فبغداد اذا استمرت الاوضاع كما هي الان لا تعود تتعامل بالضرورة مع كيان سياسي يتحدث بصوت واحد، بل مع بيئة سياسية متعددة المواقف يمكن ان تتحول خلافاتها الداخلية الى عناصر ضغط في التفاوض. وهنا تظهر واحدة من اخطر مشكلات المرحلة الراهنة: تراجع وحدة القرار.. فالكيان السياسي لا يقاس فقط بوجود حكومة وبرلمان وحدود ومؤسسات رسمية، وانما يقاس ايضا بقدرته على اتخاذ قرار واحد في القضايا التي تحدد مستقبله، وكلما تعددت مراكز القرار في الملفات المصيرية، اصبحت وحدة الكيان اضعف من الناحية السياسية، حتى لو بقيت قائمة من الناحية القانونية، فالانقسام لا يبدأ عندما ترسم حدود جديدة، بل قد يبدأ عندما يصبح القرار المشترك رهنا بتفاهمات بين مراكز سياسية متنافسة، وعندما تصبح المؤسسة اضعف من القوى التي يفترض ان تعمل من خلالها. وهنا ينبغي التمييز بين بقاء الكيان من الناحية القانونية، وبقاء مؤسساته من الناحية الشكلية، وبقاء قدرته على الفعل من الناحية السياسية؛ فقد يبقى الاقليم قائما بحدوده ومؤسساته واسمه، بينما تتراجع تدريجيا قدرته على انتاج قرار موحد؛ وهذه هي النقطة التي تجعل الخطر الحالي مختلفا عن مجرد ازمة حكومية او خلاف حزبي، فالكيان السياسي لا يفقد قوته بالضرورة عندما تختفي مؤسساته، بل قد يبدأ ضعفه عندما تبقى المؤسسات قائمة، بينما تصبح قدرتها على صناعة القرار محدودة او موزعة بين مراكز قوة متعددة.. وبمعنى اخر، قد يبقى الشكل السياسي للكيان، بينما تتآكل وظيفته السياسية. وتزداد خطورة هذه المسالة في الملف الامني، ولا سيما ملف البيشمركة؛ فمن حيث المبدأ، لا يمكن ان يكون هناك اعتراض على بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تخضع لمرجعية مؤسسية واحدة، لان توحيد البيشمركة هو في جوهره جزء من بناء دولة قوية وقادرة على حماية نفسها، لكن القضية ليست في مبدأ التوحيد، بل في طبيعة التوحيد ومرجعيته ووظيفته السياسية، فالدمج الذي لا يستند الى مشروع وطني واضح قد يتحول من توحيد لمؤسسة وطنية الى مجرد اعادة ترتيب لموازين القوى، ولذلك فان السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: هل ستندمج البيشمركة؟ بل: تحت اي قرار ستندمج، ومن يملك قرارها، وما طبيعة المؤسسة التي ستنتج عن هذا الدمج، وهل ستكون مؤسسة وطنية تعبر عن ارادة كوردستان الموحدة، ام مجرد مؤسسة يعاد توزيع نفوذها ضمن ترتيبات سياسية اوسع؟، لاسيما اذا خضعت ادارة البيشمركة لبغداد. ان ازمة البيشمركة تكشف في الحقيقة عن ازمة القرار السياسي نفسه؛ فالمؤسسة العسكرية لا تستطيع ان تكون موحدة بصورة كاملة اذا كانت المرجعيات السياسية التي تقف خلفها غير موحدة؛ ولذلك فان استمرار تعدد مراكز القرار السياسي ينعكس بالضرورة على المجال الامني، ويجعل اي ازمة مستقبلية اكثر حساسية، لان قوة المؤسسة لا تتحدد فقط بعدد افرادها وتسليحها، بل ايضا بوضوح المرجعية التي يصدر القرار عنها، وعندما تكون وحدة القوة منفصلة عن وحدة القرار، تصبح وحدة الارض وحدها غير كافية لضمان وحدة الكيان. ولا تتوقف المشكلة عند السياسة والامن، بل تمتد الى الموارد التي تمثل جوهر القدرة على الحكم، فالنفط والمنافذ والايرادات ليست مجرد ملفات مالية او ادارية، وانما هي ادوات من ادوات القرار السياسي، وكلما انتقلت ادارة هذه الملفات الى ترتيبات مركزية اوسع، تراجع هامش القرار المحلي اذا لم يقابله تصور سياسي واضح يحمي مصالح الاقليم ضمن اطار دستوري متوازن، ولا يعني ذلك ان كل تفاهم مع بغداد يمثل انتقاصا من الاقليم، ولا ان كل اجراء اتحادي يعني الغاء خصوصية كوردستان، لكن من الضروري التمييز بين الشراكة الاتحادية وبين تراجع القدرة الفعلية على اتخاذ القرار، فالقدرة السياسية لا تقاس فقط بوجود المؤسسات والرموز، بل تقاس ايضا بمقدار القدرة على ادارة الموارد واتخاذ القرارات المؤثرة في مستقبل المجتمع. ومن هنا ينبغي النظر الى النفط والمنافذ والعلاقة المالية مع بغداد ضمن سؤال واحد: هل ما زال الاقليم قادرا على ادارة موارده والتفاوض عليها من موقع مؤسسي موحد، ام ان الخلافات الداخلية جعلت هذه الملفات تتحول الى ساحات اضافية للصراع السياسي؟ فكلما اختلفت القوى الكوردية حول هذه القضايا، اصبحت قدرة الاقليم على التفاوض اضعف، وكلما ضعفت القدرة على التفاوض، ازدادت قابلية القرار المحلي للتأثر بموازين القوى الخارجية، وهذه هي الطريقة التي يتآكل بها القرار السياسي تدريجيا: ليس من خلال قرار واحد يلغي وجود الاقليم، وانما من خلال تراكم ترتيبات تجعل مساحة القرار الذاتي اضيق من السابق. وفي الداخل، تظهر نتائج هذا المسار في ازمات تمس الحياة اليومية للمواطن مباشرة.. ازمة الرواتب وازمة البنزين ليستا مجرد مشكلتين اقتصاديتين منفصلتين، ولا يجوز التعامل معهما باعتبارهما ازمات خدماتية عابرة، فحين يتكرر العجز عن ضمان انتظام الراتب او توفير الوقود او معالجة الاختناقات الاقتصادية، يتحول المواطن من متلق للسياسة الى ضحية مباشرة لها، المواطن لا يعيش تفاصيل الخلافات الحزبية، ولا يعنيه كثيرا من حصل على الوزارة او من ربح جولة التفاوض، لكنه يعرف ما اذا كان راتبه يصل في موعده، وما اذا كان يستطيع شراء الوقود، وما اذا كانت مؤسسات الدولة قادرة على تلبية احتياجاته الاساسية. ومن هنا تتحول الازمة الاقتصادية الى ازمة ثقة، فعندما تتكرر الوعود ولا تتحقق النتائج، يصبح المواطن اكثر شكا في الخطاب السياسي.. وعندما تتكرر الازمات نفسها دون حلول مستدامة، يفقد المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على معالجة مشكلاته، ومع استمرار هذا الوضع، ينتقل المجتمع من الاحتجاج الى الارهاق، ومن الارهاق الى اللامبالاة، ومن اللامبالاة الى اليأس، وهذه المرحلة اكثر خطورة من الغضب نفسه، لان المواطن الغاضب ما زال يؤمن بان التغيير ممكن، بينما المواطن اليائس يبدأ بفقدان الايمان بامكانية الاصلاح. وفي هذه النقطة تحديدا تظهر مسؤولية الاحزاب التي تقدم نفسها بوصفها معارضة، فالمعارضة السياسية ليست مجرد رفض للعوائل الحاكمة، وليست مجرد انتقاد يومي للحكومة، وليست مجرد محاولة لتغيير الاشخاص الذين يحتلون مواقع السلطة، المعارضة التي لا تقدم مشروعا اقتصاديا وسياسيا واداريا وامنيا لا تقدم بديلا حقيقيا، وانما تعيد انتاج الصراع نفسه من موقع مختلف، فالمواطن يحتاج الى ان يعرف ماذا ستفعل المعارضة اذا وصلت الى السلطة، وكيف ستعالج الرواتب، وكيف ستتعامل مع النفط والمنافذ، وكيف ستوحد البيشمركة، وكيف ستعيد بناء العلاقة مع بغداد، وكيف ستواجه الفساد، وكيف ستعيد الثقة بالمؤسسات. اذا لم تقدم المعارضة اجابات عن هذه الاسئلة، فانها تظل جزءا من ازمة النظام السياسي حتى لو كانت خارج الحكومة، فالسلطة التي لا تقدم حلا، والمعارضة التي لا تقدم بديلا، تضعان المجتمع امام انسداد مزدوج: لا اصلاح من داخل السلطة، ولا مشروع واضح للتغيير من خارجها، وفي مثل هذه البيئة يصبح المواطن محاصرا بين واقع لا يرضيه ومستقبل لا يعرف كيف يمكن الوصول اليه. اما الحكومة، فان الخطر عليها لا يكمن فقط في فشلها في حل الازمات، بل في تحولها تدريجيا الى واجهة لادارة التوازنات، فالحكومة التي لا تستطيع اتخاذ القرار المستقل تصبح اقرب الى مساحة لتوزيع النفوذ منها الى مركز للقرار العام، ويمكن ان تتشكل الحكومة فعلا، وان تعلن برنامجها، وان تعقد الاجتماعات، وان تصدر البيانات، وان تعرض مشاريعها، لكن كل ذلك لا يكفي اذا كانت القرارات الكبرى تحتاج في كل مرة الى موافقات ومساومات خارج اطار المؤسسة الحكومية. ولهذا فان تشكيل الحكومة لا يمثل حلا بحد ذاته، فقد تكون هناك حكومة مكتملة من الناحية الشكلية، لكنها عاجزة عن انتاج سياسة عامة متماسكة، وقد يكون هناك مجلس وزراء، لكن القرار الفعلي موزع بين مراكز اخرى، وفي هذه الحالة تصبح الحكومة مجرد اطار لادارة التوازنات، لا مؤسسة قادرة على قيادة المرحلة، وهذه هي المشكلة التي يجب الانتباه اليها قبل الاحتفال بمجرد الوصول الى اتفاق على توزيع المناصب، وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الخطاب الذي تركز فيه الحكومة على الانجازات الكونكريتية باعتبارها دليلا نهائيا على نجاح التجربة، فالطرق والجسور والمباني والمشاريع العمرانية مهمة بلا شك، ولا يمكن التقليل من قيمتها في حياة الناس، لكن التنمية المادية لا تعني وحدها قوة الدولة، والكونكريت لا يمكن ان يكون بديلا عن المؤسسة، يمكن بناء شارع جديد في وقت تعاني فيه المؤسسة من ضعف، ويمكن تشييد مبنى حديث في وقت تتراجع فيه الثقة، ويمكن افتتاح مشروع جديد في وقت يواجه فيه المواطن ازمة راتب او وقود. لذلك فان معيار النجاح السياسي لا ينبغي ان يكون عدد المشاريع المنجزة فقط، بل قدرة النظام على بناء مؤسسات مستقرة، وادارة الموارد بكفاءة، وتوحيد القرار، وحماية حقوق المجتمع، والحفاظ على مساحة القرار الكوردستاني، وتقديم رؤية واضحة للمستقبل، فالطريق والجسر والمبنى تثبت ان هناك قدرة على الانجاز المادي، لكنها لا تثبت وحدها ان هناك مشروعا سياسيا متماسكا. والمشكلة تصبح اكثر عمقا عندما تقترن هذه الصورة باستمرار الوعود والشعارات التي لا تجد طريقها الى التنفيذ، فالسياسة لا تعيش على الوعد الى ما لا نهاية، الوعد الذي لا يتحول الى نتيجة يفقد قيمته، والوعد المتكرر من دون تنفيذ يتحول الى عامل من عوامل فقدان الثقة، وعندما يسمع المواطن كل مرة عن اصلاحات قادمة، وعن حلول قريبة، وعن خطط استراتيجية، ثم يجد نفسه بعد فترة امام الازمة نفسها، يصبح الخطاب السياسي نفسه جزءا من المشكلة، هنا تتشكل دائرة مغلقة: ازمة سياسية تؤخر القرار، وتأخر القرار يفاقم الازمات الاقتصادية، والازمات الاقتصادية تضعف ثقة المجتمع، وتراجع الثقة يزيد اليأس، واليأس يضعف الضغط المجتمعي من اجل الاصلاح، وضعف الضغط يسمح باستمرار النظام على حاله، واستمرار الحال يعيد انتاج الازمة السياسية من جديد.. وعندما تستمر هذه الدائرة طويلا، لا تعود الازمة ظرفا مؤقتا، بل تتحول الى نمط في ادارة الحكم. ومن هنا يمكن فهم الخطر الحقيقي الذي يواجه اقليم كوردستان اليوم، الخطر ليس ان تختفي كوردستان غدا من الخريطة، ولا ان يصدر قرار مفاجئ بالغاء وجودها – وهذا احتمال وارد- ، الخطر الاكثر واقعية هو ان يتآكل الكيان من الداخل عبر فقدان وحدة القرار، وتراجع استقلالية المؤسسات، وتعدد مراكز القوة، وضعف القدرة على ادارة الموارد، وتراجع الثقة الشعبية، فالكيانات السياسية لا تزول دائما بضربة واحدة، بل يمكن ان تفقد وظائفها تدريجيا حتى يبقى الاسم بينما تتراجع القدرة على الفعل؛ وهذا يعني ان بقاء الكيان قانونيا لا يكفي وحده للحكم على قوته السياسية، فقد يبقى الاسم، وتبقى الخريطة، وتبقى المؤسسات، بينما تتراجع القدرة على اتخاذ القرار في القضايا المصيرية، وعندما يصبح الفرق كبيرا بين وجود الكيان من الناحية الشكلية وقدرته على الفعل من الناحية السياسية، فان الازمة لا تعود ازمة حكومة، بل تصبح ازمة في الوظيفة التي يفترض ان يؤديها الكيان نفسه. وهنا تتضح العلاقة بين الملفات كلها، الصراع على المقاعد يعرقل تشكيل حكومة مستقرة، وتعثر الحكومة يضعف مركز القرار، وتعدد مراكز القرار يضعف الموقف التفاوضي مع بغداد، وضعف الموقف التفاوضي يضيق مساحة القرار في الملفات الاستراتيجية، وتعدد المرجعيات السياسية ينعكس على المؤسسة الامنية، بينما تستمر ازمات الرواتب والبنزين والخدمات في دفع ثمن هذا الانقسام الى المواطن، فتتراجع الثقة وينتشر اليأس، وفي المقابل، تستمر الحكومة والاحزاب في تقديم الخطابات والوعود والمشاريع الكونكريتية، وكأن الازمة يمكن قياسها بما بني من مبان وطرق، لا بما فقد من ثقة وقرار ومشروع. لهذا فان السؤال الذي ينبغي ان يطرح اليوم ليس فقط: من سيشكل الحكومة؟ وليس فقط: من سيحصل على الوزارات؟ وليس فقط: من هو المسؤول عن ازمة الرواتب او البنزين؟ بل السؤال الاكبر هو: هل ما زال لدى الطبقة السياسية الكوردستانية مشروع واضح لحماية كوردستان ككيان سياسي، ام ان الجميع انشغل بادارة السلطة الى درجة نسيان الغاية من وجودها؟، اذا كان هناك مشروع، فعليه ان يظهر في القرارات لا في الشعارات، وفي توحيد المؤسسات لا في توزيع المناصب، وفي بناء اقتصاد قادر على الصمود لا في معالجة الازمات بعد وقوعها، وفي بناء مؤسسة امنية وطنية موحدة لا في ادارة الانقسام، وفي علاقة متوازنة مع بغداد لا في الارتهان لمواقف متفرقة، وفي استعادة ثقة المواطن لا في مخاطبته بالوعود. اما اذا استمر المشهد كما هو، فان الخطر لن يكون في ان تسقط كوردستان دفعة واحدة، بل في ان تبقى موجودة في الاسم والخريطة بينما تتآكل في الواقع، وقد تبقى الحكومة موجودة بينما تتراجع وظيفتها، وقد تبقى البيشمركة موجودة بينما تصبح مرجعيتها موضع اعادة ترتيب – كأن تدمج مع الجيش العراقي -، وقد تبقى الاحزاب تتحدث باسم الشعب بينما يتزايد ابتعاد الشعب عنها، وقد تستمر المشاريع الكونكريتية بينما تتراجع الثقة بالمشروع السياسي نفسه. وهنا تصل الازمة الى جوهرها الحقيقي: كوردستان لا تواجه فقط ازمة حكومة، وانما تواجه اختبارا لقدرتها على البقاء ككيان يمتلك قرارا ومؤسسات ومشروعا وثقة شعبية، ولهذا فان اللحظة الراهنة تحتاج الى شجاعة سياسية تتجاوز الحسابات الحزبية والعائلية، والى مراجعة صريحة لا تبحث فقط عن المسؤول عن الازمة، بل عن النظام الذي يعيد انتاجها.. المطلوب ليس حكومة جديدة بالاسم، وانما حكومة قادرة على الحكم، وليس معارضة جديدة في الاسم، وانما معارضة تملك مشروعا، وليس دمجا اداريا للبيشمركة، وانما مؤسسة وطنية موحدة بقرار واضح، وليس تفاهمات جديدة مع بغداد، وانما استراتيجية تحمي حقوق الاقليم ومصالحه ضمن الدستور، وليس مزيدا من الوعود، وانما نتائج يمكن للمواطن ان يلمسها في حياته اليومية. فالكرسي يمكن ان يبقى، والمبنى يمكن ان يبقى، والخريطة يمكن ان تبقى، والشعار يمكن ان يبقى، لكن الكيان السياسي لا يبقى قويا الا اذا بقي القرار موحدا، والمؤسسات فاعلة، والموارد قابلة للادارة، والامن خاضعا لمرجعية وطنية، والمواطن مؤمنا بان المستقبل لا يزال ممكنا، وهنا تكمن لحظة الحقيقة: اما ان تتحول الازمة الراهنة الى فرصة لاعادة بناء مشروع كوردستان على اسس سياسية ومؤسسية جديدة، واما ان يستمر الجميع في ادارة الازمة حتى يصبح ما نعده اليوم مجرد ازمة مؤقتة، واقعا دائما يصعب تغييره. فالمشكلة في النهاية ليست من يجلس على كرسي الحكومة، بل ما اذا كان هذا الكرسي ما زال قادرا على صناعة القرار، وليست المشكلة فقط في مستقبل البيشمركة، بل في مستقبل المؤسسة التي تحمي الكيان، وليست المشكلة فقط في الراتب والبنزين، بل في علاقة المواطن بالدولة. وليست المشكلة فقط في بغداد، بل في مقدار ما تستطيع كوردستان ان تقرره بنفسها، لأن الكيان لا يحيا بالخرائط وحدها، ولا تحميه الشعارات وحدها، ولا تنقذه المشاريع الكونكريتية وحدها.. الكيان يحيا عندما يمتلك قرارا، ومؤسسات، ومشروعا، وشعبا يؤمن بان هذا المشروع يستحق ان يدافع عنه.
#جوتيار_تمر (هاشتاغ)
Jotyar_Tamur_Sedeeq#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أين الخلل؟ قراءة نقدية في واقع إقليم كوردستان
-
الدولة كشعار: بين الولاءات الخارجية والطموحات الهوياتية
-
ثورة الجياع: حين تسقط الأصنام من العقول قبل الشوارع
-
السلطة التي تأكل أبناءها: من رحم النضال إلى اقتصاد الإذلال
-
ليست أزمة تنوع... بل أزمة إدارة للتنوع في العراق :تسييس الهو
...
-
إلقاء اللوم على الآخر: قراءة سوسيولوجية في التبرير بوصفه آلي
...
-
كوردستان شرعية التاريخ وتحدي بناء المؤسسات
-
أزمة البنزين في إقليم كوردستان: حين يتحول القرار الاقتصادي إ
...
-
إدارة الأزمة عبر التشتيت الإعلامي والسياسي: قراءة في العراق
...
-
تحدي الأفسد للفاسد: عبث السلطة في كوردستان (حين لا يكون الهد
...
-
الدكتور جوتيار تمر : حكومة الصورة وبنية الفشل: كيف تعيد السل
...
-
الفساد في العراق: حين تختبر الدولة قبل الحكومات
-
الفساد المحصن: كيف تحمي القداستان السياسية والدينية المصطنعت
...
-
بيع الأرض وتهديد الهوية: حين يتحول العقار إلى أداة لإعادة تش
...
-
حين يكتب الآخر التاريخ: تغييب تاريخ الكورد وشعوب زاغروس
-
المهندس المستبد: سيكولوجية الحاكم في معادلة الحجر المغترب وا
...
-
ضعف الجبهة الكوردية في الوقت الحاضر: بين الانقسام الحزبي وتح
...
-
مقاربة تاريخية–فقهية لمفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القب
...
-
الهوية أسبق من التسميات: قراءة تاريخية في استمرارية كوردستان
...
-
الفن حين يتجلى في بهائه
المزيد.....
-
اعتقال إسرائيلي بتهمة تهريب طائرة مسيرة إلى الأراضي المصرية
...
-
الجزيرة ترصد من أوبوخ الجيبوتية معاناة النازحين اليمنيين في
...
-
إصابة شاب واعتقالات واسعة خلال اقتحامات للاحتلال في الضفة ال
...
-
بعد تصريحات سيباستيان كو.. 17 رياضيا روسيا يوجهون رسالة إلى
...
-
لحظة الأمم المتحدة الحرجة.. لماذا قد تكون هذه هي الفرصة الأخ
...
-
السويد تشدد شروط الإقامة وتدفع المهاجرين للرحيل
-
تصعيد ميداني في الضفة: إصابات واعتداءات للمستوطنين وحملة اعت
...
-
فرنسا تعرب عن أسفها بعد انتقاد تصويت أمريكي في الأمم المتحدة
...
-
الغارديان: هل حملة مكافحة الفساد في العراق مؤقتة أم ستؤدي إل
...
-
جرب وجوع وضرب.. هيئة الأسرى تكشف تفاصيل معاناة الأسرى بسجون
...
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|