أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جوتيار تمر - أين الخلل؟ قراءة نقدية في واقع إقليم كوردستان















المزيد.....

أين الخلل؟ قراءة نقدية في واقع إقليم كوردستان


جوتيار تمر
كاتب وباحث

(Jotyar Tamur Sedeeq)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 14:03
المحور: القضية الكردية
    


د. جوتيار تمر
اقليم كوردستان 8-9-2026
كلما اشتدت أزمة سياسية أو اقتصادية في إقليم كوردستان، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة، ولكن بصيغة تحمل في داخلها اتهاما مبطنا للمجتمع: هل المشكلة في السلطة أم في الشعب؟ هل أخفقت الأحزاب في إدارة الإقليم، أم أن الإنسان الكوردي نفسه لم يتغير بما يكفي ليصنع واقعا سياسيا مختلفا؟ ومع تكرار الأزمات، يصبح من السهل أن نسمع عبارات من قبيل: الشعب هو الذي أوصل هؤلاء إلى السلطة، الشعب لا يعرف كيف يختار، المجتمع نفسه غارق في الحزبية، والناس لا يريدون التغيير؛ وهكذا، وبهدوء شديد، تنتقل المسؤولية من الذين يملكون السلطة والقرار والثروة إلى الذين يعيشون نتائجها.
لكن هل هذا السؤال صحيح من الأساس؟ وهل يمكن النظر إلى العلاقة بين السلطة والمجتمع بهذه البساطة؟ فالمواطن الذي يعيش داخل منظومة سياسية واقتصادية محددة ليس كائنا حرا تماما يتحرك خارج شروط الواقع، كما أنه ليس مجرد ضحية بلا إرادة؛ إنه جزء من مجتمع تشكل خياراته داخل شبكة معقدة من المصالح والخوف والحاجة والولاءات، ولذلك فإن تحميل الشعب مسؤولية فشل السلطة قد يكون أحيانا أسهل طريقة لإعفاء السلطة من مسؤوليتها.
المشكلة تبدأ عندما ننسى الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الأخلاقية؛ فمن حقنا أن ننتقد المجتمع، وأن نسأل عن دوره في استمرار الأحزاب التقليدية، وعن ثقافة الولاء، وعن الصمت، وعن ضعف المبادرة المدنية، لكن هذا لا يعني وضع المسؤولية نفسها على قدم المساواة بين المواطن والمسؤول، فليس المواطن هو الذي يملك القرار السياسي، ولا هو الذي يدير الثروة العامة، ولا هو الذي يعين كبار المسؤولين، ولا هو الذي يضع السياسات الاقتصادية؛ المسؤولية تتناسب مع مقدار السلطة، وكلما اتسعت سلطة الفرد أو المؤسسة اتسعت مسؤوليتها عن النتائج.
إن السياسي الذي يفشل في إدارة مؤسسة ثم يقول إن المشكلة في الشعب يشبه من يقود سفينة إلى العاصفة ثم يلوم الركاب لأنهم لم يعرفوا كيف ينقذونها؛ صحيح أن المجتمع ليس معصوما من الخطأ، وأن الانتخابات لا تعفي الناخب من مسؤوليته، لكن الديمقراطية لا تعني أن الشعب يصبح مسؤولا عن كل ما تفعله السلطة بعد وصولها إلى الحكم؛ فالانتخاب تفويض مشروط، وليس صكا مفتوحا يعفي الحاكم من المساءلة.
والسؤال الأكثر أهمية هو: هل يملك المجتمع فعلا حرية الاختيار التي نفترضها نظريا؟ من السهل أن نقول للناس: غيروا الواقع، لكن من الصعب أن نسأل عن الأدوات المتاحة لهم لتغييره؛ ماذا يفعل المواطن عندما تكون فرص العمل مرتبطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بشبكات النفوذ؟ وكيف يتصرف الشاب الذي ينتظر وظيفة في اقتصاد محدود الخيارات؟ وما مدى استقلال القرار السياسي للفرد عندما يشعر بأن اعتراضه قد ينعكس على حياته المهنية أو الاجتماعية؟ وهل يمكن مطالبة مجتمع يعتمد جزء كبير منه على مؤسسات السلطة اقتصاديا بأن يتصرف كما لو كان مستقلا عنها تماما؟.
هنا ينبغي أن نتوقف عند حقيقة غالبا ما يجري تجاهلها: السلطة لا تحكم المجتمع فقط، بل تساهم أيضا في تشكيله؛ فهي تنتج، عبر سياساتها ومؤسساتها وخطاباتها، أنماطا معينة من العلاقات والسلوك، عندما يصبح الولاء طريقا أسرع للحصول على الفرص، فإن الولاء لا يعود مجرد خيار أخلاقي للفرد، بل يتحول إلى سلوك تفرضه شروط البقاء، وعندما يشعر المواطن بأن القانون لا يحميه بالقدر نفسه الذي تحميه العلاقات، فإنه يبدأ بالبحث عن الجماعة التي توفر له الحماية، وعندما تصبح المؤسسة ضعيفة أمام النفوذ، يتعلم الفرد أن الوصول إلى حقه لا يمر دائما عبر القانون.
لهذا فإن السؤال ليس فقط: لماذا لا يتغير المجتمع؟ بل يجب أن نسأل أيضا: كيف تصنع السلطة المجتمع الذي يجعل تغييرها أمرا صعبا؟، هذه ليست محاولة لتبرئة المجتمع من كل مسؤولية، بل محاولة لفهم العلاقة الحقيقية بين الطرفين.. فالمجتمع الذي نراه اليوم ليس نتاج ذاته فقط، وإنما هو أيضا نتاج عقود من التعليم والسياسة والاقتصاد والإعلام وطبيعة المؤسسات،ولا يمكن أن نطالب المواطن بسلوك سياسي مثالي بينما نترك البنية التي تنتج عكس ذلك السلوك دون مساءلة.
وفي إقليم كوردستان تأخذ هذه المسألة بعدا أكثر حساسية، لأن السلطة السياسية لا تستند فقط إلى أدوات الحكم التقليدية، بل تحمل معها أيضا شرعية تاريخية وقومية؛ وهذا ما يجعل نقدها أكثر تعقيدا، فغالبا ما يختلط نقد السلطة بنقد القضية، ويصبح الاعتراض على أداء حزب أو مسؤول قابلا للتأويل باعتباره اعتراضا على تاريخ كامل من النضال والتضحيات، وهنا تنشأ واحدة من أخطر المشكلات: عندما تتحول شرعية التاريخ إلى وسيلة لحماية الحاضر من النقد؛ فالشعب الذي ضحى من أجل الحرية لا ينبغي أن يتحول إلى متهم لأنه يطالب بمؤسسات أفضل؛ والمواطن الذي ينتقد الحكومة لا يصبح أقل إخلاصا لقضيته، بل ربما يكون العكس هو الصحيح: فالقضية التي لا تستطيع تحمل النقد تتحول تدريجيا من مشروع جماعي إلى ملكية خاصة لمن يديرونها.
إن لوم الشعب عند فشل السلطة يحمل في داخله نوعا من الوصاية السياسية؛ فهو يفترض أن الناس غير قادرين على فهم مصالحهم، وأنهم بحاجة دائما إلى من يقرر عنهم، والمفارقة أن السلطة قد تستخدم ضعف الوعي الذي ساهمت هي نفسها في إنتاجه دليلا على ضرورة استمرارها، فتصبح الحلقة مغلقة: لا نعطي المجتمع مؤسسات حقيقية لأنه غير جاهز، ثم نقول إنه غير جاهز لأنه لم يتعلم كيف يعيش داخل مؤسسات حقيقية، وهنا يصبح السؤال عن وعي الشعب سؤالا ملتبسا؛ فالوعي لا ينمو في الفراغ، والديمقراطية ليست مكافأة تمنح لشعب بعد أن يثبت أنه أصبح مثاليا، بل هي ممارسة يتعلم المجتمع من خلالها معنى المشاركة والمسؤولية والمحاسبة، ولا يوجد شعب يولد ديمقراطيا، كما لا توجد سلطة تصبح ديمقراطية بمجرد إعلانها ذلك، المجتمعات تتعلم من خلال التجربة، والمؤسسات هي المدرسة الحقيقية للمواطنة.
إن مطالبة الشعب بأن يكون أكثر وعيا مشروعة، لكن مطالبة السلطة بأن تكون أكثر مسؤولية أكثر مشروعية؛ فليس من العدل أن نطالب المواطن وحده بالتضحية والصبر والوعي، بينما لا نطالب من يملك السلطة بالشفافية والكفاءة والمساءلة، ولا يمكن أن تتحول أخطاء المجتمع إلى ذريعة دائمة لتبرير أخطاء الحاكم، ربما كان علينا أن نعيد ترتيب السؤال كله، فبدلا من أن نسأل: لماذا لا يغير الشعب السلطة؟ ينبغي أن نسأل: ما الذي يجعل تغيير السلطة صعبا؟ وبدلا من أن نكرر أن المجتمع يعاني من الحزبية، ينبغي أن نسأل: من الذي جعل الحزب يتغلغل في تفاصيل الحياة إلى هذا الحد؟ وبدلا من اتهام المواطن بالصمت، ينبغي أن نسأل: ما هي كلفة الكلام في مجتمع تختلط فيه السلطة بالعمل والعلاقات والمصالح؟.
هذا لا يعني أن الشعب بريء تماما، ولا أن المجتمع لا يحتاج إلى نقد ذاتي، فكل مجتمع يحتاج إلى مراجعة ثقافته السياسية، وإلى التحرر من الولاءات المغلقة، وإلى بناء حس مدني أكثر استقلالا، لكن النقد الذاتي يختلف تماما عن تحميل الضحية مسؤولية النظام الذي يعيش داخله، فالمواطن مسؤول عن موقفه بقدر ما يملك من قدرة على الاختيار، أما السلطة فمسؤولة عن النظام كله بقدر ما تملك من أدوات القرار؛ المشكلة الحقيقية إذن ليست في الإنسان الكوردي ولا في افتقاره إلى الإيمان بقضيته؛ كما أنها ليست، في المقابل، مجرد مشكلة أفراد سيئين وصلوا إلى السلطة؛ المشكلة الأعمق هي في العلاقة التي تشكلت بين السلطة والمجتمع، وفي قدرة البنية السياسية على تحويل الحاجة إلى تبعية، والولاء إلى وسيلة للعيش، والتاريخ إلى حصانة، والنقد إلى تهمة.
ولهذا فإن الخروج من الأزمة لا يبدأ بإلقاء اللوم على الشعب، ولا بتبرئته بصورة رومانسية، بل بإعادة تعريف المسؤولية، يجب أن يعرف المواطن أن له دورا في التغيير، لكن يجب أن تعرف السلطة أن امتلاكها للقوة والقرار يعني امتلاكها للنصيب الأكبر من المسؤولية؛ فالمجتمعات لا تتغير فقط عندما يصبح أفرادها أكثر شجاعة، بل عندما تصبح المؤسسات أقل قدرة على معاقبة الشجاعة؛ ولا تتطور المواطنة بمجرد مطالبة الناس بأن يكونوا مواطنين، بل عندما يشعرون أن القانون يحميهم أكثر مما تحميهم الأحزاب، لذلك، فإن السؤال الأصح ليس: هل الخلل في الشعب أم في السلطة؟ بل: كيف وصلنا إلى بنية تجعل الشعب يدفع ثمن أخطاء السلطة، ثم يطلب منه أن يتحمل مسؤوليتها أيضا؟، عند هذه النقطة يبدأ النقد الحقيقي، لأن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة ليس أن تفشل فقط، بل أن تقنع المجتمع بأن فشلها هو عيبه هو.



#جوتيار_تمر (هاشتاغ)       Jotyar_Tamur_Sedeeq#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة كشعار: بين الولاءات الخارجية والطموحات الهوياتية
- ثورة الجياع: حين تسقط الأصنام من العقول قبل الشوارع
- السلطة التي تأكل أبناءها: من رحم النضال إلى اقتصاد الإذلال
- ليست أزمة تنوع... بل أزمة إدارة للتنوع في العراق :تسييس الهو ...
- إلقاء اللوم على الآخر: قراءة سوسيولوجية في التبرير بوصفه آلي ...
- كوردستان شرعية التاريخ وتحدي بناء المؤسسات
- أزمة البنزين في إقليم كوردستان: حين يتحول القرار الاقتصادي إ ...
- إدارة الأزمة عبر التشتيت الإعلامي والسياسي: قراءة في العراق ...
- تحدي الأفسد للفاسد: عبث السلطة في كوردستان (حين لا يكون الهد ...
- الدكتور جوتيار تمر : حكومة الصورة وبنية الفشل: كيف تعيد السل ...
- الفساد في العراق: حين تختبر الدولة قبل الحكومات
- الفساد المحصن: كيف تحمي القداستان السياسية والدينية المصطنعت ...
- بيع الأرض وتهديد الهوية: حين يتحول العقار إلى أداة لإعادة تش ...
- حين يكتب الآخر التاريخ: تغييب تاريخ الكورد وشعوب زاغروس
- المهندس المستبد: سيكولوجية الحاكم في معادلة الحجر المغترب وا ...
- ضعف الجبهة الكوردية في الوقت الحاضر: بين الانقسام الحزبي وتح ...
- مقاربة تاريخية–فقهية لمفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القب ...
- الهوية أسبق من التسميات: قراءة تاريخية في استمرارية كوردستان ...
- الفن حين يتجلى في بهائه
- العراق بين انسداد -النخبة- وتآكل -الدولة-: قراءة في مشهد ما ...


المزيد.....




- كيف أسهمت منظمات إنسانية سويسرية في إعادة توطين نازيين في ال ...
- هيئة الأسرى الفلسطينية: أسرى النقب يتعرضون للقتل البطيء
- باميلا أندرسون: -حكم بالإعدام دمر حياتي-
- حماس تحذر من جرائم الحرب المتصاعدة التي ترتكبها حكومة الاحتل ...
- اقتحام واعتقالات ثم جثمان من غزة.. ماذا جرى داخل لجنة زكاة ط ...
- الروسية فالييفا تصعد قضيتها إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإن ...
- الآلاف يتظاهرون ضد حزب -البديل من أجل ألمانيا- في برلين
- الأمم المتحدة تطالب ليبيا بحماية موظفيها بعد اقتحام مركز خدم ...
- الأمم المتحدة: دخان حرائق الغابات السام يتسبب في 100 ألف وفا ...
- الأمم المتحدة تدعو إسرائيل إلى إنهاء العنف ضد الفلسطينيين وا ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جوتيار تمر - أين الخلل؟ قراءة نقدية في واقع إقليم كوردستان