أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - جوتيار تمر - الدولة كشعار: بين الولاءات الخارجية والطموحات الهوياتية















المزيد.....

الدولة كشعار: بين الولاءات الخارجية والطموحات الهوياتية


جوتيار تمر
كاتب وباحث

(Jotyar Tamur Sedeeq)


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 15:32
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


ليست كل دولة ضعيفة دولة فاشلة بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فقد تبقى الدولة حاضرة بكل علاماتها الشكلية: علمها، ودستورها، ومؤسساتها، وحكومتها، وعضويتها في المنظمات الدولية، بينما تكون قد فقدت، في الواقع، وظيفتها الأساسية بوصفها الإطار الأعلى لتنظيم المجتمع وإدارة اختلافاته، في هذه الحالة لا تختفي الدولة، بل يحدث تحول أكثر عمقا: تتحول من إطار يؤسس للمواطنة والسيادة إلى شعار يمنح الشرعية لفاعلين وشبكات لا تتحرك بالضرورة وفق منطقها.
المشكلة، إذن، ليست دائما في غياب الدولة، بل قد تكون في بقائها شكلا بعد أن تتغير وظيفتها، فالمؤسسات تستمر، والقوانين تبقى، والوظائف الرسمية تشغل، لكن السلطة الفعلية تنتقل تدريجيا إلى شبكات عائلية أو حزبية أو طائفية أو قومية أو ميليشياوية، تستخدم الدولة بوصفها غطاء قانونيا ورمزيا لمصالحها، وهنا لا تعود الدولة إطارا يحكم هذه الشبكات، بل تصبح موردا تستثمره.
تعمل هذه البنية من خلال توزيع غير معلن لوظائف السلطة: الهوية تمنح الشرعية، والخارج يمنح الموارد، والشبكة توفر الحماية، بينما تمنح الدولة الغطاء القانوني والاعتراف الرسمي، ومن هذا التقاطع تنشأ بنية هجينة يصعب فيها الفصل بين الرسمي وغير الرسمي، أو بين القانوني وغير القانوني، لأن الشبكة لا تعمل بالضرورة خارج الدولة، بل قد تعمل من داخل مؤسساتها وتحت شعاراتها؛ حين تعتمد القوى المحلية على ولاءات خارجية، تتحول السيادة إلى مورد تتقاسمه قوى متعددة، فالدعم الخارجي لا يوفر الموارد فحسب، بل يعيد تشكيل النخب المحلية أيضا، تصعد قوى لا تستمد قوتها من شرعية محلية بقدر ما تستمدها من قدرتها على الوساطة بين الداخل والخارج؛ وهنا يمكن الحديث عن - اقتصاد الريع الجيوسياسي-، حيث يتحول الولاء السياسي إلى مصدر لتدفقات مادية تشمل التمويل والسلاح والحماية والعقود وفرص التجارة والتهريب، ولا تعود قوة النخب الاقتصادية ناتجة عن موقعها داخل الاقتصاد الوطني وحده، بل عن قدرتها على تحويل علاقاتها الخارجية وموقعها الجيوسياسي إلى موارد قابلة للتوزيع داخل المجتمع.
وهكذا يصبح الوصول إلى الراعي الخارجي، في بعض الحالات، أكثر أهمية من الوصول إلى المجتمع، وتتحول الدولة إلى ساحة تتنافس فيها الشبكات على مصادر القوة خارج حدودها أكثر مما تتنافس على ثقة السكان داخلها، ومع اتساع هذا النمط، لا تعود الدولة الجهة الوحيدة القادرة على توفير الحماية والموارد، بل تتقاسم هذه الوظيفة مع فاعلين محليين وخارجيين، فتتجزأ السيادة من دون أن تتجزأ الدولة بالضرورة من الناحية القانونية؛ لكن الولاء الخارجي وحده لا يفسر هذه البنية، فالهويات القومية والمذهبية والطائفية والدينية قد تتحول، في بعض الحالات، من فضاءات للانتماء إلى أدوات لإنتاج شرعيات سياسية منافسة، والمشكلة هنا ليست في تعدد الهويات، إذ إن التعدد جزء طبيعي من المجتمعات الحديثة، وإنما تبدأ الأزمة عندما تتحول الهوية إلى مرجعية سياسية تتجاوز الدولة، أو عندما تعامل الدولة القائمة باعتبارها مجرد محطة عبور نحو مشروع قومي أو مذهبي أو ديني أوسع؛ عندها تفقد الدولة قدرتها على أن تكون غاية مشتركة، وتتحول إلى مساحة مؤقتة تتصارع داخلها مشاريع لا ترى في بقائها هدفا نهائيا.
ومع هذا التحول يظهر تعدد مراكز الشرعية؛ فلا يعود القانون والدستور المصدر الوحيد الذي تستند إليه السلطة، بل تنافسهما شرعيات قومية ومذهبية ودينية وطائفية وعشائرية؛ وعندما تتفوق هذه الشرعيات عمليا على شرعية الدولة، يصبح القانون واحدا من مصادر السلطة، لا مرجعيتها العليا، وهنا لا تعود الأزمة مجرد خلاف حول السياسات، بل تصبح خلافا حول السؤال الأعمق: من يملك حق تعريف الشرعية نفسها؟، في هذه اللحظة يتآكل معنى المواطنة، فالفرد لا يعود مرتبطا بالدولة مباشرة بوصفه مواطنا يتمتع بحقوق ويلتزم بواجبات، بل يصبح ارتباطه بها مشروطا بالشبكة التي ينتمي إليها؛ الحزب يوفر له فرصة، والطائفة تمنحه حماية، والعشيرة تؤمن له سندا، والجماعة المسلحة تحمي مصالحه، بينما تبقى الدولة بعيدة أو عاجزة أو مستخدمة من قبل هذه القوى نفسها؛ وهكذا تنتقل العلاقة من منطق المواطن والدولة إلى منطق التابع والشبكة.
وعندما تتحول الدولة إلى غطاء، يصبح هذا الغطاء نفسه موردا قابلا للاستثمار، فالمؤسسات العامة يمكن استخدامها لتوزيع المناصب والعقود والتراخيص والموارد والحماية بما يخدم شبكات النفوذ، عندها لا يعود الفساد مجرد انحراف عن النظام، بل يصبح جزءا من طريقة عمله، وتتداخل الممارسات القانونية وغير القانونية إلى درجة يصعب معها تحديد الحدود الفاصلة بين الدولة والشبكة، لأن كلا منهما يعمل من خلال الآخر، وهنا تظهر نتيجة أكثر خطورة: تتحول الدولة من فضاء للمواطنة إلى سوق للولاءات، تتنافس الشبكات على الموارد والاعتراف والحماية، بينما يصبح القانون إحدى الأدوات المستخدمة في هذا الصراع بدلا من أن يكون حكما عليه، ومع تراجع الثقة بالمؤسسات، يعود الأفراد إلى دوائرهم الأولية بحثا عن الأمان، فتتقوى الشبكات أكثر، وتضعف الدولة أكثر، وتدخل البنية الاجتماعية في دائرة تعيد إنتاج نفسها.
ولا يقتصر أثر ذلك على المجال السياسي، بل يمتد إلى بنية المجتمع نفسه، فعندما تصبح الشبكات مصدرا رئيسيا للحماية والموارد، تتراجع الثقة العامة، ويتعمق الانقسام، ويصبح العنف أكثر قابلية لإعادة الإنتاج بوصفه أداة لإدارة الصراعات والمصالح، كما يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، لأن أي محاولة لإعادة الاعتبار للمؤسسات العامة تهدد مصالح شبكات متعددة ارتبط بقاؤها بالتوازن القائم بين الدولة والهوية والموارد والنفوذ الخارجي، لهذا لا يكفي وصف هذه الحالة بـ(الدولة الفاشلة)، فالفشل يوحي بغياب النظام أو انهيار القدرة على العمل، بينما نحن قد نكون أمام نظام يعمل بالفعل، لكنه يعمل وفق منطق مختلف، له قواعده، ونخبه، واقتصاده، وتحالفاته الداخلية والخارجية، وآليات واضحة لإعادة إنتاج سلطته؛ المشكلة ليست في أن الدولة لا تعمل، بل في السؤال: لصالح من تعمل؟ .
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس أن تنهار مؤسساتها بالكامل، بل أن تبقى هذه المؤسسات قائمة بعد أن تصبح وظيفتها الأساسية خدمة الشبكات بدلا من تنظيم المجتمع؛ عندها تتحول الدولة إلى شعار: يرفع باسم القانون حين يكون القانون مفيدا، وباسم السيادة حين تكون السيادة مربحة، وباسم الوطنية حين تحتاج الشبكات إلى غطاء رمزي، بينما تظل السلطة الفعلية موزعة بين الولاءات والهويات والمصالح؛ ومن هنا فإن الخروج من هذه الحالة لا يبدأ بإصلاح إداري معزول، لأن المشكلة ليست تقنية في المؤسسات وحدها، بل اجتماعية وسياسية في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فاستعادة الدولة تعني إعادة بناء معنى المواطنة، وفصل الهوية عن احتكار الموارد، وتقليص تحويل الخارج إلى مصدر بديل للشرعية والحماية، وإعادة المؤسسات إلى وظيفتها العامة، فما دام المجتمع يبحث عن حمايته خارج الدولة أو عبر شبكات موازية لها، ستظل الدولة موجودة بوصفها اسما، وغائبة بوصفها حقيقة؛ فالدولة لا تفقد معناها فقط عندما تسقط، بل قد تفقده أيضا عندما تبقى واقفة، بينما تتحول إلى واجهة تحمل اسم الجميع وتعمل في خدمة شبكات لا تعترف بالجميع.



#جوتيار_تمر (هاشتاغ)       Jotyar_Tamur_Sedeeq#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثورة الجياع: حين تسقط الأصنام من العقول قبل الشوارع
- السلطة التي تأكل أبناءها: من رحم النضال إلى اقتصاد الإذلال
- ليست أزمة تنوع... بل أزمة إدارة للتنوع في العراق :تسييس الهو ...
- إلقاء اللوم على الآخر: قراءة سوسيولوجية في التبرير بوصفه آلي ...
- كوردستان شرعية التاريخ وتحدي بناء المؤسسات
- أزمة البنزين في إقليم كوردستان: حين يتحول القرار الاقتصادي إ ...
- إدارة الأزمة عبر التشتيت الإعلامي والسياسي: قراءة في العراق ...
- تحدي الأفسد للفاسد: عبث السلطة في كوردستان (حين لا يكون الهد ...
- الدكتور جوتيار تمر : حكومة الصورة وبنية الفشل: كيف تعيد السل ...
- الفساد في العراق: حين تختبر الدولة قبل الحكومات
- الفساد المحصن: كيف تحمي القداستان السياسية والدينية المصطنعت ...
- بيع الأرض وتهديد الهوية: حين يتحول العقار إلى أداة لإعادة تش ...
- حين يكتب الآخر التاريخ: تغييب تاريخ الكورد وشعوب زاغروس
- المهندس المستبد: سيكولوجية الحاكم في معادلة الحجر المغترب وا ...
- ضعف الجبهة الكوردية في الوقت الحاضر: بين الانقسام الحزبي وتح ...
- مقاربة تاريخية–فقهية لمفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القب ...
- الهوية أسبق من التسميات: قراءة تاريخية في استمرارية كوردستان ...
- الفن حين يتجلى في بهائه
- العراق بين انسداد -النخبة- وتآكل -الدولة-: قراءة في مشهد ما ...
- سيكولوجية الانكسار: لماذا يصب العقل السني غضبه على كوردستان؟


المزيد.....




- صاعقة تضرب رجلًا لكنه يتمكن من السير مباشرة للاحتماء في منزل ...
- مع تعثر الدبلوماسية.. ترامب يعيد طرح فكرة تغيير النظام في إي ...
- العيش البطيء، حياة أبسط أم ترند جديد؟
- لا يمكن لبريطانيا أن تشيح بنظرها عن المستوطنات الإسرائيلية - ...
- جسر أوروبا… من رمز بلا حدود إلى معبر تحت المراقبة
- إسبانيا: لا دليل قطعي على تدبير المغرب عبور مهاجرين إلى سبتة ...
- بعثة أممية تتهم كيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال بإذ ...
- محمد رمضان يعلن مشاركته في أحد أعرق المهرجانات على مستوى أم ...
- إسرائيل تسلم الجيش اللبناني أسيرا عبر الصليب الأحمر (صورة)
- 4 بلدات أخرى في خاركوف ودونيتسك تحت سيطرة الجيش الروسي (فيدي ...


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - جوتيار تمر - الدولة كشعار: بين الولاءات الخارجية والطموحات الهوياتية