أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ادم عربي - تداول السلطة ايرانيا!















المزيد.....

تداول السلطة ايرانيا!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 02:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم :د.ادم عربي

ليست المشكلة في الانتخابات أنها سيئة، بل في أننا كثيراً ما نحمّلها أكثر مما تحتمل. فالانتخابات ضرورة من ضرورات الديمقراطية، لكنها ليست الديمقراطية كلها؛ إذ يمكن أن توجد صناديق اقتراع، وتنافس حقيقي، وحملات انتخابية، واحتفال بالفائز والخاسر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المجتمع أصبح صاحب السلطة.

السؤال الأكثر أهمية ليس: هل ينتخب الناس؟
بل: ماذا يستطيعون أن يغيّروا عندما ينتخبون؟

هذه المسألة ظهرت بوضوح في التجربة الإيرانية. فقد كانت الانتخابات الرئاسية الإيرانية، في مراحل مختلفة، أكثر تنافسية من الانتخابات التي عرفتها جمهوريات عربية كثيرة؛ إذ تنافس مرشحون حقيقيون، وكانت هناك جماهير واتجاهات سياسية متعارضة، وكان الفوز والخسارة موضع صراع حقيقي. ومع ذلك ظل السؤال قائماً: أين توجد السلطة العليا؟ وهل يستطيع الناخب، من خلال انتخابه، الوصول إلى مركز القرار الذي يحدد الإطار العام للنظام؟

هنا تظهر المفارقة: يمكن أن تكون الانتخابات تنافسية، من دون أن تكون السلطة قابلة للتداول بالكامل.

فالناخب قد يختار بين مرشحين، لكنه لا يختار بالضرورة القواعد التي تحكم اللعبة، ولا المؤسسات التي تمتلك السلطة النهائية، ولا الحدود التي لا يستطيع الرئيس أو البرلمان تجاوزها.

وهذه ليست مشكلة إيرانية فقط.

إذا أردنا أن نكون منصفين، فعلينا أن نطرح السؤال نفسه على الديمقراطيات الغربية. ففي الغرب يستطيع المواطن تغيير الحكومة بالفعل. يستطيع إسقاط حزب وانتخاب آخر، وتغيير السياسات والبرامج، وانتقاد الحاكم، وتأسيس الأحزاب والنقابات والحركات، والتظاهر والكتابة والاحتجاج. وهذه مكاسب ديمقراطية حقيقية لا ينبغي إنكارها.

لكن هل يعني ذلك أن كل السلطة قابلة للتداول؟

هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدا.

فالحكومة المنتخبة لا تسيطر بالضرورة على كل مراكز القوة في المجتمع. هناك رأس المال، والشركات الكبرى، والمؤسسات المالية، وجماعات الضغط، والإعلام، والأجهزة البيروقراطية، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، وشبكات المصالح، والقواعد القانونية والدستورية، وكلها تستطيع أن تؤثر في المجال الذي تتحرك داخله الحكومة المنتخبة.

وبذلك يمكن أن نميز بين أمرين مختلفين:

تداول الحكومة، وتداول السلطة.

تداول الحكومة يعني أن يأتي حزب ويذهب حزب، وأن يتغير الرئيس أو رئيس الوزراء، وأن تتغير بعض السياسات.

أما تداول السلطة في معناه الأعمق، فيعني أن المجتمع قادر، بصورة فعلية، على تغيير مراكز القوة التي تحدد اتجاه الدولة وحدود السياسة والاقتصاد وما يمكن وما لا يمكن فعله.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه حين نتحدث عن الديمقراطية.

فإذا قلنا إن الانتخابات الإيرانية لا تكفي لإثبات الديمقراطية لأن هناك سلطة عليا لا يستطيع الناخب تغييرها، فعلينا أن نطبق المعيار نفسه على الجميع. لا يجوز أن نرفض الانتخابات في مكان لأنها لا تمنح المواطن سلطة كاملة، ثم نعتبر الانتخابات في مكان آخر دليلاً مكتملا على الديمقراطية من دون أن نسأل: ما حدود السلطة التي يستطيع المواطن تغييرها هناك؟

الفارق إذن ليس بالضرورة بين نظام فيه سلطة ونظام بلا سلطة، وإنما بين درجات مختلفة من قدرة المجتمع على الوصول إلى السلطة ومحاسبتها وتغييرها.

وفي هذا السياق، تصبح حرية التعبير مسألة أساسية، لكنها ليست كافية وحدها أيضا.

أن تستطيع أن تقول ما تريد، وأن تنتقد الرئيس والحكومة والمؤسسات، مكسب ديمقراطي بالغ الأهمية. لكن السؤال التالي هو: هل تستطيع أفكارك، إذا تحولت إلى إرادة اجتماعية واسعة، أن تغيّر الواقع الذي تنتقده؟

قد يكون المجتمع حرا في الكلام، لكنه عاجز عن تحويل كلامه إلى تغيير سياسي أو اقتصادي جوهري. وقد يستطيع الناخب تغيير الحكومة، لكنه يجد أن كثيرا من مراكز القوة التي تحدد السياسة العامة بقيت كما هي.

وهنا نصل إلى مشكلة أعمق من الانتخابات نفسها: الفصل بين حرية التعبير وفعالية الإرادة الشعبية.

فالديمقراطية ليست فقط أن يكون لك الحق في أن تقول "لا"، وإنما أن يكون لقولك، عندما يتحول إلى إرادة عامة، القدرة على إنتاج تغيير حقيقي.

ومن هنا يمكن فهم الفرق بين الديمقراطية بوصفها إجراءً انتخابيا والديمقراطية بوصفها علاقة فعلية بين المجتمع والسلطة.

الأولى تسأل: هل جرت انتخابات نزيهة؟
والثانية تسأل: من يملك القرار؟ ومن يستطيع تغييره؟ ومن يستطيع محاسبته؟ ومن يملك حق إعادة توزيع السلطة نفسها؟

إن الاقتصار على الصندوق يجعل الديمقراطية تبدو وكأنها لحظة تحدث كل أربع أو خمس سنوات. أما الديمقراطية الحقيقية، بمعناها الأوسع، فهي علاقة مستمرة بين المجتمع ومؤسسات الحكم: انتخابًا، ومحاسبة، واحتجاجا، وتنظيما، وتداولا، وقدرةً على تعديل القواعد نفسها عندما تصبح هذه القواعد عائقا أمام الإرادة العامة.

ولهذا فإن المشكلة ليست في أن إيران تجري انتخابات، ولا في أن الغرب يجري انتخابات، ولا في أن بعض الأنظمة العربية تجري انتخابات شكلية.

المشكلة في السؤال الذي يأتي بعد الانتخابات:

ماذا تغير؟

إذا تغير الأشخاص وبقيت السلطة الحقيقية في مكانها، فلدينا تداول للحكومة، لا تداول كامل للسلطة.

وإذا تغيرت الحكومات ولكن بقيت مراكز القوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية قادرة على تحديد حدود التغيير، فعلينا أن نسأل عن مدى عمق الديمقراطية، لا أن نكتفي بصورة الصندوق.

أما إذا أصبح المجتمع قادرا على انتخاب الحاكم، ومحاسبته، وعزله، وتغيير القوانين والمؤسسات، وإعادة تشكيل موازين القوة، فهنا نقترب من المعنى الأعمق للديمقراطية.

الديمقراطية، في النهاية، ليست أن يُسمح للناس باختيار من يحكمهم فقط؛ بل أن يكون لهم نصيب حقيقي في تحديد كيف تُمارَس السلطة، ومن أين تستمد شرعيتها، وكيف يمكن تغييرها عندما تنحرف عن الإرادة العامة.

وهذا يجعل السؤال أكثر اتساعاً من إيران، وأكثر اتساعاً من العالم العربي، وأكثر اتساعاً حتى من الغرب:

هل نحن أمام تداول للسلطة فعلاً، أم أمام تداول للأشخاص 



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلسفة العلمية: مركّبٌ من كل العلوم!
- الحتمية الماركسية ونقيضها الديني
- العداء مع الآخر!
- عندما يصبح التسارع شبيها بالجاذبية.. النسبية العامة بمثال بس ...
- العبودية في القرن الحادي والعشرين!
- القانون الكوني(الكزومولوجي) الذي يحكم تطور الكون
- حين تصبح الثانية أطول: الجاذبية وانحناء الزمن!
- المادة والوعي!
- حين يتزيّن الدينُ بلباس الفيزياء!
- عبيد الدَّيْن: البنية الخفية للرأسمالية المالية المعاصرة
- بمناسبة الاول من أيار في يوم العمَّال العالمي!
- -التنكنيك- الشعري وأهميته!
- الشحارير لا تغني وحدها!
- امرأة تعتلي الغياب!
- هل الشعوب مسؤولة عن هزائمها؟!
- لنتعلم من الطبيعة ، فهي خيرُ مُعلم!
- في دولة الحقوق!
- في صناعة التاريخ!
- العودة إلى البداية: الاتصال الإنساني في دورته الحلزونية!
- في الملكية الفكرية: بين الاحتكار والمشاعية!


المزيد.....




- كوشنر: موسكو حددت بوضوح ما تريد تحقيقه فيما ترفض كييف الشروط ...
- دميترييف يشكك في إمكانية إبطاء تطور الذكاء الاصطناعي
- -آبل- في مرمى الانتقادات.. آيفون Duo القابل للطي يثير مخاوف ...
- بزشكيان: إيران لن تستسلم.. إن كان الأمريكيون محاربين فليواجه ...
- سوريا.. توغلات إسرائيلية جديدة في القنيطرة ودرعا وسط تصاعد ا ...
- ترامب يمزح بشأن نجله دونالد جونيور وزوجته ميلانيا ويثير ضحك ...
- منظمة معاهدة الأمن الجماعي تسعى لبناء هيكل أمني جديد في أورا ...
- هنغاريا تطالب بريطانيا بإعادة حصانين أُهديا للملك تشارلز بمن ...
- -جنود وهميون- وتبادل اتهامات.. مصدر غربي يكشف لماذا سقطت الم ...
- غاماليا: لقاح السل الروسي الجديد يدخل المرحلة الثالثة من الت ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ادم عربي - تداول السلطة ايرانيا!