البشير عبيد
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 22:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تحالف تونس الحرة: مواطنون لا رعايا
البشير عبيد / تونس
العارفون بخفايا المشهد السياسي التونسي وكواليسه لا يستطيعون تجاهل المأزق العميق الذي انتهت إليه الطبقة السياسية بمختلف أطيافها وتعبيراتها الفكرية والأيديولوجية، ولا سيما التحالف اليميني الإسلاموي والليبرالي الحداثوي الذي تصدّر المشهد خلال سنوات العشرية السابقة، وما رافق تلك المرحلة من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية تركت آثارًا ثقيلة في الدولة والمجتمع.
لقد كشفت السنوات الماضية، بما حملته من إخفاقات وتوترات وانقسامات، عن أزمة تتجاوز الأشخاص والأحزاب والحكومات، لتطال طبيعة المشروع السياسي نفسه، وعلاقة الدولة بالمجتمع، وحدود قدرة النخب على إنتاج بديل وطني قادر على الاستجابة لتطلعات التونسيين. ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى تجاوز منطق المناكفات الحزبية الضيقة، والبحث عن صيغة وطنية جديدة تضع مصلحة تونس فوق الحسابات الفئوية والانتخابية.
الثابت أن الخروج من النفق السياسي لا يمكن أن يكون مجرد عملية لتغيير الوجوه أو إعادة ترتيب المواقع، بل يحتاج إلى مشروع وطني للإنقاذ، تلتف حوله القوى الديمقراطية والاجتماعية والوطنية، ومكونات المجتمع المدني، وكل المؤمنين بقيم الجمهورية ودولة القانون والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، على قاعدة واضحة تستبعد كل من يناقض هذه المبادئ أو يسعى إلى تحويل الدولة إلى مجال للغنيمة أو النفوذ أو الإقصاء.
من هذا المنظور يمكن التفكير في تأسيس كيان سياسي ومدني واسع يحمل اسم «تحالف تونس الحرة»، بوصفه إطارًا مفتوحًا أمام القوى والشخصيات والكفاءات التي تؤمن بأن تونس قادرة على بناء مستقبل مختلف، وأن المواطن ينبغي أن يكون شريكًا كامل الحقوق في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍّ للقرارات أو موضوعًا للسياسات.
إنها فكرة تستحق النقاش الجدي، لا باعتبارها وصفة جاهزة أو مشروعًا حزبيًا مغلقًا، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة تركيب المشهد الوطني على أساس المواطنة والمشاركة والمسؤولية، والقطع مع ثقافة الرعية والولاء الشخصي والتبعية السياسية.
المشروع الوطني بين الضرورة التاريخية والاستحقاق الشعبي
ليست فكرة المشروع الوطني مجرد تنظير سياسي أو ترف فكري يُستدعى في لحظات الركود، وإنما هي ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن تغيير النخب أو تعديل بعض الأطر السياسية والدستورية لا يكفي وحده لإحداث تحول عميق، ما لم يترافق ذلك مع تغيير في الثقافة السياسية وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
لقد دفعت تونس، طوال سنوات، ثمن غياب الرؤية الوطنية الجامعة. تحولت السياسة في كثير من الأحيان إلى صراع على السلطة، وغلبت الحسابات الحزبية والمصلحية على الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والإدارة والإنتاج والتعليم والثقافة والسيادة الوطنية. وفي المقابل، ظل المواطن ينتظر حلولًا لمشكلاته اليومية، بينما كانت النخب منشغلة بتوازنات السلطة وموازين القوى.
المطلوب اليوم هو استعادة السياسة لمعناها الوطني، باعتبارها إدارة للشأن العام وخدمة للمجتمع، لا وسيلة للهيمنة أو تحقيق المصالح الخاصة. وتلك مهمة لا يستطيع حزب واحد، مهما كانت قدرته، أن يضطلع بها بمفرده. لذلك يصبح التحالف الواسع بين القوى الوطنية والديمقراطية والاجتماعية ضرورة سياسية، شرط أن يقوم على برنامج واضح، وعلى قواعد ديمقراطية داخلية، وعلى احترام الاختلاف، وعلى رفض الإقصاء والتخوين.
بالإمكان أن يتحول «تحالف تونس الحرة» إلى إطار سياسي ومدني يتجاوز الصيغة التقليدية للائتلافات الانتخابية الظرفية. فالمطلوب ليس جمع عدد من الأحزاب تحت عنوان واحد، ثم إعادة إنتاج الخلافات القديمة داخل إطار جديد، وإنما بناء مساحة وطنية تتقاطع فيها القوى المختلفة حول الحد الأدنى المشترك: الجمهورية، المواطنة، السيادة الوطنية، العدالة الاجتماعية، دولة القانون، مقاومة الفساد، واستقلال القرار الوطني.
هنا تكتسب فكرة «الكتلة التاريخية» عند أنطونيو غرامشي أهميتها الفكرية، من حيث قدرتها على تفسير الحاجة إلى التقاء قوى اجتماعية وثقافية وسياسية مختلفة حول مشروع تاريخي يتجاوز المصالح الجزئية. فالتحالف المطلوب ليس مجرد حساب عددي للأحزاب والتنظيمات، وإنما بناء توافق مجتمعي حول رؤية جديدة للدولة والمجتمع والمستقبل.
إذا كان مفهوم الكتلة التاريخية قد ارتبط في الفكر السياسي بجدلية العلاقة بين القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية، فإن استحضاره في الحالة التونسية ينبغي أن يكون استحضارًا نقديًا، لا مجرد استعارة جاهزة. فخصوصية تونس تفرض أن يُبنى أي تحالف وطني على واقعها الاجتماعي والسياسي والثقافي، وعلى حاجاتها الفعلية، لا على استنساخ تجارب أو مفاهيم من بيئات أخرى.
إن الرهان الحقيقي يكمن في الانتقال من سياسة ردود الفعل إلى سياسة المشروع، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل، ومن الصراع حول المواقع إلى التنافس حول البرامج والأفكار. عندها فقط يصبح العمل السياسي فعلًا وطنيًا قادرًا على استعادة ثقة المواطن.
منطق الرعايا في مواجهة دولة المواطنة
في مقابل هذا الأفق، يظل أحد أخطر الموروثات السياسية التي ينبغي تجاوزها هو منطق الرعية. فالرعية ليست مجرد كلمة قديمة في قاموس السياسة، وإنما هي ثقافة كاملة تجعل العلاقة بين السلطة والمجتمع قائمة على التراتبية والخضوع، وعلى اعتبار المواطن تابعًا ينتظر المنّة أو القرار أو العطاء من فوق.
أما المواطنة، فهي نقيض ذلك تمامًا. المواطن ليس تابعًا لأحد، ولا يمنح حقوقه بوصفها هبة من السلطة. إنه صاحب حقوق وواجبات، وشريك في المجال العام، وله الحق في مساءلة السلطة ومراقبة أدائها والمشاركة في تحديد الخيارات التي تمس حياته ومستقبل بلاده.
و لهذا فإن شعار «مواطنون لا رعايا» يتجاوز البعد اللفظي ليصبح عنوانًا لمعركة ثقافية وسياسية عميقة. إنه إعلان عن الانتقال من إنسان موضوع للسلطة إلى إنسان فاعل في الدولة والمجتمع، ومن ثقافة الطاعة إلى ثقافة المسؤولية، ومن انتظار المنح إلى المطالبة بالحقوق، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للوطن والقانون.
لقد عانت المجتمعات العربية طويلًا من أنماط سياسية جعلت السلطة مركز الحياة العامة، فيما جرى تهميش المجتمع وتحويل المواطن إلى رقم في السجلات أو صوت في صندوق الاقتراع أو متلقٍّ للقرارات. وحتى عندما تغيرت الأنظمة أو تعاقبت النخب، لم يكن التحول دائمًا عميقًا بما يكفي لتغيير الثقافة السياسية التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وفي تونس، لا يمكن بناء جمهورية قوية من دون بناء مواطن قوي في وعيه بحقوقه وواجباته. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرة مؤسساتها على فرض القانون، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية كرامة المواطن، وضمان تكافؤ الفرص، وتوفير شروط التعليم والعمل والصحة والعيش الكريم، وإتاحة المجال أمام المشاركة العامة.
المواطنة، بهذا المعنى، ليست بطاقة هوية ولا وضعًا قانونيًا فحسب؛ إنها ثقافة وسلوك وممارسة يومية. تبدأ من المدرسة والجامعة، ومن الإدارة والإعلام، ومن الفضاء الثقافي، وتمتد إلى الأحزاب والنقابات والجمعيات وسائر مؤسسات المجتمع.
و الأخطر من الاستبداد المباشر هو أن تتحول ثقافة الرعية إلى عادة اجتماعية وسياسية راسخة، فيعتاد المواطن انتظار الحلول من السلطة، وتعتاد النخب البحث عن قربها من مراكز القرار، ويصبح الاختلاف مدخلًا للتخوين، والنقد علامة على الخصومة، والمساءلة نوعًا من التمرد. عندها تتراجع السياسة بوصفها مجالًا عامًا، ويصبح المجتمع أقل قدرة على إنتاج البدائل.
لذلك فإن معركة المواطنة هي، في جوهرها، معركة من أجل إعادة بناء الإنسان السياسي. إنها دعوة إلى مواطن يعرف حقوقه، ويدرك مسؤولياته، ويشارك في الشأن العام، ويرفض أن يُعامل باعتباره تابعًا أو مستفيدًا من امتيازات ظرفية. وهي أيضًا دعوة إلى سلطة تدرك أن شرعيتها لا تقوم على الخوف ولا على الولاء، وإنما على القانون والأداء والمساءلة واحترام الإنسان.
تحالف تونس الحرة ورهان استعادة الفعل الوطني
من هنا تبرز الحاجة إلى تحويل فكرة «تحالف تونس الحرة» من مجرد عنوان سياسي إلى مشروع قابل للنقاش والتطوير، يقوم على برنامج وطني واضح، وعلى رؤية تتعامل مع أزمات تونس باعتبارها مترابطة وليست ملفات منفصلة.
فلا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن الأزمة الاجتماعية، ولا أزمة التعليم عن أزمة التشغيل، ولا أزمة الإدارة عن أزمة الثقة في الدولة، ولا الإصلاح السياسي عن الحاجة إلى عدالة اجتماعية حقيقية. كما لا يمكن الحديث عن سيادة وطنية مكتملة في غياب اقتصاد منتج، وإدارة فعالة، ومؤسسات قوية، ومجتمع قادر على المشاركة والمساءلة.
و يفترض أي تحالف وطني جاد أن يضع مكافحة الفساد والإفساد في مقدمة أولوياته، لا باعتبارها شعارًا للاستهلاك السياسي، وإنما باعتبارها معركة مؤسساتية وقانونية متواصلة. كما يفترض إعادة الاعتبار إلى الإدارة العمومية، وإلى التعليم والثقافة والصحة، وإلى الجهات التي ظلت تعاني التفاوت وضعف الاستثمار، وإلى الشباب الذي يحتاج إلى أفق حقيقي للمشاركة والإنتاج بدل الاكتفاء بخطابات المناسبات.
لكن نجاح أي تحالف من هذا النوع يظل مشروطًا بقدرته على تجاوز أمراض السياسة التقليدية: عبادة الزعيم، الشخصنة، الحسابات الانتخابية الضيقة، الانقسامات الأيديولوجية العقيمة، وتوزيع المواقع قبل الاتفاق على البرنامج.
إن تونس لا تحتاج إلى تحالف جديد يعيد إنتاج الخلافات القديمة، وإنما إلى صيغة سياسية ومدنية تفتح المجال أمام الكفاءات والشباب والمثقفين والنقابيين والناشطين وكل القوى الوطنية المؤمنة بالدولة المدنية الديمقراطية ذات الأفق الاجتماعي. ولا معنى لتحالف واسع إذا تحول إلى مجرد تجميع للأسماء؛ قوته الحقيقية تكون في مشروعه، وفي ديمقراطيته الداخلية، وفي قدرته على الإصغاء إلى المجتمع.
كما أن «تونس الحرة» لا ينبغي أن تكون مشروعًا للإقصاء أو الانتقام، بل مشروعًا للقطيعة مع منظومات الفساد والاستبداد والتبعية السياسية عبر الوسائل القانونية والديمقراطية. فالقطيعة التاريخية الحقيقية لا تتحقق بإحلال إقصاء محل إقصاء، وإنما ببناء مؤسسات تمنع إعادة إنتاج الماضي في صور جديدة.
إن تونس الحرة التي نريدها ليست شعارًا مجردًا، وإنما دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والمواطن في قلب السياسات العامة، والثروة الوطنية في خدمة المجتمع، والسيادة الوطنية مبدأً لا مجرد خطاب، والاختلاف السياسي حقًا لا جريمة، والمحاسبة قاعدة لا انتقامًا، والديمقراطية ممارسة يومية لا موسمًا انتخابيًا.
ومن هذا المنظور يصبح شعار «مواطنون لا رعايا» أكثر من عنوان لمقال أو لتحالف سياسي؛ إنه تعبير عن تحول مطلوب في الوعي الوطني نفسه. فالبلاد لا يمكن أن تتقدم إذا ظل المواطن ينتظر من يقرر عنه، أو إذا ظلت السياسة حكرًا على النخب المغلقة، أو إذا جرى التعامل مع المجتمع باعتباره جمهورًا للتصفيق بدل أن يكون شريكًا في صناعة القرار.
لقد آن الأوان لكي تستعيد تونس فكرة المواطن، وأن تستعيد السياسة معناها باعتبارها فعلًا جماعيًا ومسؤولية وطنية. وقد يكون «تحالف تونس الحرة» إحدى الصيغ الممكنة لفتح هذا الأفق، إذا استطاع أن يحول الفكرة إلى برنامج، والبرنامج إلى عمل، والعمل إلى مشروع وطني قابل للحياة.
فالحرية لا تُمنح من فوق، والمواطنة لا تُختزل في بطاقة هوية، والدولة لا تُبنى بالولاءات الشخصية. إن تونس تحتاج إلى مواطنين أحرار، وإلى مؤسسات قوية، وإلى سياسة تستعيد بعدها الوطني والاجتماعي، وإلى نخب تدرك أن مستقبل البلاد أكبر من مصالح الأحزاب والأشخاص.
فإما أن نكون مواطنين نشارك في رسم مصير وطننا ونحاسب من يتولى إدارة شؤونه، وإما أن نبقى رعايا ننتظر من يقرر عنا. وبين منطق المواطنة ومنطق الرعية يتحدد، في جانب كبير منه، مستقبل تونس.
- كاتب صحفي مهتم بقضايا التنمية و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.
#البشير_عبيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟