البشير عبيد
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 23:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
البشير عبيد / تونس
يصعب الحديث عن التاريخ العربي المعاصر دون التوقف مطولاً عند حرب الخامس من يونيو/حزيران 1967، تلك الحرب التي لم تستغرق سوى ستة أيام، لكنها تركت آثاراً سياسية واستراتيجية ونفسية امتدت لعقود طويلة وما تزال حاضرة بقوة لافتة في المشهدين العربي والإقليمي. فقد شكّلت النكسة واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ليس فقط بسبب حجم الخسائر العسكرية التي تكبدتها الدول العربية، وإنما أيضاً بسبب التحولات العميقة التي أطلقتها على مستوى الفكر والسياسة والاستراتيجية وموازين القوى الإقليمية والدولية.
ولعل خصوصية هذه الحرب لا تكمن في نتائجها العسكرية المباشرة فحسب، بل في كونها تحولت إلى لحظة تاريخية فاصلة أعادت تشكيل مسار المنطقة بأسرها. فالكثير من القضايا والصراعات والتحالفات التي تحكم الشرق الأوسط اليوم تعود جذورها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تلك الأيام الستة التي غيّرت وجه المنطقة وأعادت رسم خرائط القوة والنفوذ فيها. ومن هنا فإن فهم التحولات الراهنة في العالم العربي يظل ناقصاً من دون العودة إلى تلك اللحظة المفصلية التي شكّلت منعطفاً تاريخياً حاداً في مسار الصراع العربي ـ الإسرائيلي وفي تطور الدولة العربية الحديثة.
لقد كانت الهزيمة أكبر بكثير من مجرد خسارة معركة عسكرية أو فقدان مساحات واسعة من الأراضي العربية. فقد هزّت صورة المشروع القومي العربي الذي كان يعيش آنذاك ذروة حضوره الجماهيري والسياسي، وأعادت تشكيل القضية الفلسطينية، ودفعت الأنظمة العربية إلى مراجعات مؤلمة، كما فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع العربي ـ الإسرائيلي ما تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم. وبذلك تحولت النكسة من حدث عسكري محدود زمنياً إلى ظاهرة تاريخية ممتدة التأثير، لا يزال الباحثون والمفكرون والسياسيون يعودون إليها لفهم الكثير من أزمات الحاضر العربي وإشكالاته.
جاءت الحرب في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد. ففي ستينيات القرن العشرين كانت المنطقة العربية تشهد صعوداً متسارعاً للمشروع القومي العربي بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي أصبح رمزاً للتحرر الوطني والوحدة العربية ومقاومة الاستعمار. وقد استطاع الخطاب القومي آنذاك أن يحقق حضوراً جماهيرياً واسعاً امتد من المحيط إلى الخليج، مدفوعاً بموجات التحرر الوطني وبالرفض الشعبي للهيمنة الأجنبية ومشاريع التجزئة.
وفي المقابل، كانت إسرائيل تنظر بقلق متزايد إلى تنامي المد القومي العربي وإلى تعاظم الدور المصري في الإقليم، خاصة بعد تأميم قناة السويس وصعود الحركات التحررية العربية. كما كانت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترى أن البيئة الإقليمية تتجه نحو مزيد من التصعيد، الأمر الذي جعل خيار الحسم العسكري يحظى بأولوية متزايدة داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب.
كما كانت المنطقة جزءاً أساسياً من توازنات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وهو ما منح الصراع العربي ـ الإسرائيلي أبعاداً تتجاوز حدوده الجغرافية المباشرة. فقد تحولت منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس استراتيجي بين القوتين العظميين، حيث سعت كل منهما إلى تعزيز نفوذها عبر التحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية. ومن ثمّ لم تكن حرب يونيو مجرد مواجهة بين دول المنطقة، بل كانت أيضاً جزءاً من صراع دولي أوسع على النفوذ وموازين القوى.
وقد تزايدت التوترات العسكرية والسياسية خلال الأشهر التي سبقت الحرب، وسط تصاعد التعبئة الإعلامية والتحركات العسكرية المتبادلة، إلى أن اندلعت المواجهة صباح الخامس من يونيو/حزيران 1967، لتبدأ واحدة من أكثر الحروب تأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
خلال أيام قليلة تمكنت إسرائيل من تحقيق تفوق عسكري حاسم أدى إلى احتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وهضبة الجولان السورية. وكانت النتائج صادمة للرأي العام العربي الذي كان يعيش حالة من التعبئة السياسية والثقة بإمكانية تحقيق الانتصار أو فرض توازن جديد في المنطقة. ولم تكن الصدمة مرتبطة بحجم الخسارة الميدانية فقط، بل بسرعة الانهيار العسكري وما أثاره ذلك من تساؤلات عميقة حول طبيعة إدارة الصراع ومستوى الجاهزية السياسية والعسكرية للدول العربية.
غير أنّ أخطر ما خلّفته النكسة لم يكن ضياع الأراضي فحسب، بل الانهيار النفسي والسياسي الذي أصاب الشارع العربي. فقد وجدت الجماهير نفسها أمام أسئلة وجودية تتعلق بطبيعة الدولة العربية الحديثة وكفاءة مؤسساتها ومدى قدرتها على إدارة الصراع ومواجهة التحديات الكبرى. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة واسعة من المراجعات الفكرية والسياسية التي شملت مختلف التيارات والاتجاهات العربية.
للمرة الأولى منذ عقود، بدأ الحديث بصورة واسعة عن العلاقة بين التنمية والتقدم العلمي وبناء المؤسسات من جهة، وبين القدرة على تحقيق الإنجازات العسكرية والسياسية من جهة أخرى. وأدرك كثير من المفكرين العرب أن الصراعات الكبرى لا تُحسم بالشعارات وحدها، وإنما بامتلاك أدوات القوة الشاملة التي تشمل الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والإدارة الرشيدة وبناء الإنسان.
ومن بين أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب ما يتعلق بالقضية الفلسطينية نفسها. فقبل عام 1967 كانت القضية تُطرح في المقام الأول باعتبارها قضية عربية تتولاها الأنظمة والدول، لكن الهزيمة دفعت الفلسطينيين إلى البحث عن أطر أكثر استقلالية لتنظيم نضالهم الوطني. وهكذا برزت المقاومة الفلسطينية بوصفها فاعلاً رئيسياً في معادلة الصراع، وتعزز حضور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل السياسي للشعب الفلسطيني والقائد الأساسي لمشروعه الوطني.
لقد أسهمت النكسة في إعادة تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية وتعزيز حضورها السياسي والإعلامي والدبلوماسي على الساحة الدولية. كما دفعت الفلسطينيين إلى الانتقال من موقع المتلقي لتداعيات الصراع إلى موقع الفاعل المباشر في رسم مساراته. ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار عام 1967 نقطة تحول مركزية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة.
أما مصر، فقد دفعت ثمناً سياسياً ومعنوياً واستراتيجياً باهظاً نتيجة الحرب. فقد تعرض المشروع الناصري، الذي كان يمثل آنذاك أبرز تجليات الحلم القومي العربي، إلى هزة عميقة غير مسبوقة. ووجدت الدولة المصرية نفسها أمام تحديات مصيرية تتعلق بإعادة بناء الجيش واستعادة الثقة الوطنية وإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية.
غير أن التجربة المصرية بعد النكسة تمثل واحدة من أهم التجارب السياسية والعسكرية في التاريخ العربي الحديث. فبدلاً من الاستسلام لواقع الهزيمة، انطلقت عملية واسعة لإعادة بناء القوات المسلحة المصرية على أسس جديدة، شملت تطوير العقيدة العسكرية وتحسين نظم التدريب والتسليح والاستفادة من الدروس القاسية التي كشفتها الحرب.
في هذا السياق برزت حرب الاستنزاف باعتبارها مرحلة انتقالية حاسمة بين الهزيمة ومحاولة استعادة التوازن. ثم جاءت حرب أكتوبر 1973 لتؤكد أن موازين القوى ليست ثابتة إلى الأبد، وأن الشعوب القادرة على إعادة بناء عناصر قوتها تستطيع أن تفرض معادلات جديدة حتى بعد أشد الانتكاسات.
على مستوى النظام العربي ككل، كشفت حرب يونيو عن أزمة بنيوية أعمق بكثير من مجرد خلل عسكري أو إخفاق ميداني. فقد أظهرت وجود فجوة واسعة بين الخطاب السياسي والقدرات الواقعية، كما أبرزت حجم التناقضات بين الدول العربية ومحدودية التنسيق الاستراتيجي بينها. وأصبح واضحاً أن الشعارات الكبرى لا يمكن أن تعوض غياب التخطيط العلمي والمؤسسات الفاعلة وآليات العمل المشترك.
ومنذ ذلك الوقت بدأت مشاريع الوحدة العربية تفقد جانباً مهماً من زخمها السياسي، فيما أخذت الدولة الوطنية القطرية تفرض نفسها باعتبارها الإطار الأساسي لصنع القرار العربي. ولم يعد الحديث يدور حول مشروع وحدوي شامل بقدر ما أصبح التركيز منصباً على أولويات كل دولة ومصالحها الوطنية الخاصة وتحدياتها الأمنية والاقتصادية.
و مع مرور السنوات انتقلت الأولويات السياسية من شعارات التحرير الشامل والوحدة العربية إلى قضايا التنمية الوطنية والاستقرار الداخلي والأمن القومي الخاص بكل دولة. وقد مثّل ذلك أحد أبرز التحولات التي دشنتها مرحلة ما بعد النكسة، حيث دخل النظام العربي في مسار جديد ما تزال آثاره وتداعياته حاضرة حتى اليوم.
في المقابل، خرجت إسرائيل من الحرب باعتبارها القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في المنطقة. فقد وفر لها الانتصار عمقاً استراتيجياً غير مسبوق، وعزز مكانتها لدى حلفائها الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، التي أخذت تنظر إليها باعتبارها شريكاً استراتيجياً رئيسياً في الشرق الأوسط.
غير أن هذا الانتصار حمل في داخله بذور أزمات مستقبلية معقدة. فاحتلال الأراضي الفلسطينية والعربية وضع إسرائيل أمام واقع جديد يتمثل في إدارة احتلال طويل الأمد، وما يرافق ذلك من مقاومة مستمرة وصراع سياسي وأمني مفتوح. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت قضايا القدس والاستيطان والحدود واللاجئين وحق تقرير المصير في قلب الصراع الإقليمي والدولي.
و لم تكن تداعيات حرب يونيو محصورة في الإطار العربي والإسرائيلي فقط، بل امتدت إلى النظام الدولي بأسره. فقد تحول الشرق الأوسط بعد الحرب إلى إحدى أهم ساحات التنافس بين القوى الكبرى، وأصبح الصراع العربي ـ الإسرائيلي ملفاً دائماً على أجندة السياسة الدولية. كما لعبت نتائج الحرب دوراً محورياً في رسم سياسات التحالفات الإقليمية وتحديد طبيعة التدخلات الخارجية في المنطقة.
أمًا الصعيد الفكري والحضاري، ولّدت النكسة واحدة من أوسع موجات النقد الذاتي في التاريخ العربي الحديث. فقد انشغل مفكرون ومثقفون وباحثون عرب بمحاولة فهم أسباب الهزيمة والبحث عن مكامن الخلل في التجربة العربية المعاصرة. وطرحت أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الحرية السياسية والتنمية والتقدم العلمي وبناء المؤسسات والقدرة على تحقيق الاستقلال الحضاري.
و لعل القيمة الحقيقية لهذه المراجعات أنها نقلت النقاش من حدود المعركة العسكرية إلى آفاق أوسع تتعلق بمشروع النهضة العربية نفسه. فالكثير من المفكرين رأوا أن الهزيمة العسكرية لم تكن سوى انعكاس لأزمات أعمق مرتبطة ببنية الدولة والمجتمع والتعليم والاقتصاد والثقافة السياسية.
كما أن تراجع المشروع القومي العربي بعد النكسة فتح المجال أمام صعود تيارات فكرية وسياسية أخرى، وفي مقدمتها التيارات الإسلامية، التي حاولت تقديم تفسيرات بديلة لأسباب التراجع العربي وسبل تجاوزه. ومن ثم أصبحت النكسة نقطة مفصلية أعادت تشكيل الخريطة الفكرية والسياسية العربية لعقود طويلة.
و اليوم، وبعد ما يقارب ستة عقود على حرب يونيو 1967، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل تجاوزت المنطقة فعلاً آثار النكسة أم أنها ما تزال تعيش في ظل نتائجها السياسية والاستراتيجية؟
إن قراءة المشهد الراهن توحي بأن كثيراً من نتائج تلك الحرب ما تزال قائمة بأشكال مختلفة. فالقضية الفلسطينية لا تزال دون حل عادل وشامل، والقدس ما تزال محوراً للصراع، والاستيطان ما يزال يتوسع، فيما تستمر حالة عدم الاستقرار في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط. كما أن كثيراً من الاصطفافات والتحالفات الإقليمية الراهنة ترتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالواقع الجيوسياسي الذي تشكل بعد حرب 1967.
و في الوقت ذاته، تشهد المنطقة تحولات عميقة ترتبط بصعود قوى دولية جديدة وتغير موازين النفوذ العالمي وتزايد أهمية الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والمعرفة باعتبارها عناصر حاسمة في صناعة القوة. وهو ما يفرض على الدول العربية إعادة التفكير في أولوياتها الاستراتيجية وفي موقعها داخل النظام الدولي المتغير.
إن استحضار ذكرى النكسة اليوم لا ينبغي أن يكون مناسبة للبكاء على الماضي أو اجترار مشاعر الهزيمة، بل فرصة للتأمل النقدي العميق في مسار التجربة العربية الحديثة واستخلاص الدروس الضرورية للمستقبل. فالأمم الحية لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل أيضاً بقدرتها على فهم إخفاقاتها وتحويلها إلى خبرة تاريخية تساعدها على بناء مستقبل أكثر توازناً وقوة.
لقد كانت حرب يونيو 1967 أكثر من مجرد مواجهة عسكرية عابرة؛ كانت لحظة تاريخية مفصلية أعادت تشكيل الشرق الأوسط سياسياً واستراتيجياً وفكرياً، وأعادت رسم خرائط القوة والتحالفات والصراعات في المنطقة. ولذلك فإن فهم حاضر العرب ومستقبلهم يظل مرتبطاً، إلى حد بعيد، بفهم تلك اللحظة التاريخية التي ما تزال ظلالها ممتدة على واقع المنطقة حتى اليوم.
وبعد ما يقارب ستة عقود من النكسة، لا يبدو السؤال الحقيقي متعلقاً بما حدث في يونيو 1967 فقط، بل بما إذا كانت المجتمعات العربية قد نجحت في تحويل تلك التجربة القاسية إلى درس تاريخي دائم. فالتاريخ لا يعاقب الأمم بسبب هزائمها بقدر ما يعاقبها حين تعجز عن التعلم منها. وبين ذاكرة النكسة وتحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل، يبقى الرهان العربي الأكبر هو بناء مشروع نهضوي جديد يستند إلى العلم والحرية والتنمية والعدالة والقدرة على إنتاج القوة، باعتبارها الشروط الأساسية لأي حضور فاعل ومؤثر في عالم تتسارع تحولاته على نحو غير مسبوق.
أرى أن هذه النسخة أصبحت أقرب إلى المقال السياسي التحليلي الرصين الصالح للنشر، مع لغة أكثر إحكاماً، وبناء فكري واستراتيجي متدرج، وخاتمة تحمل بعداً نقدياً واستشرافياً يتجاوز السرد التاريخي التقليدي.
لكم مني كل التقدير، وأتمنى أن يحظى المقال بالانتشار والاهتمام الذي يستحقه.
* كانب صحفي و باحث في قضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.
#البشير_عبيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟