البشير عبيد
الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 14:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
اتفاق جنيف وتحولات الصراع الإقليمي: نحو توازنات جديدة في الشرق الأوسط
البشير عبيد / تونس
لم تكن المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد حلقة جديدة في سلسلة التوترات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، بل بدت أقرب إلى اختبار حقيقي لموازين القوى الإقليمية والدولية في مرحلة تتسم بكثرة التحولات وتراجع الكثير من المسلمات السياسية والاستراتيجية التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة.
فقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في مستويات التوتر، وتزايداً في الصراعات المفتوحة والمواجهات غير المباشرة، إلى درجة بات معها أي احتكاك عسكري بين القوى الكبرى والإقليمية مرشحاً للتطور نحو أزمة واسعة النطاق تتجاوز حدود المنطقة. ومن هذا المنطلق، اكتسبت المواجهة الأخيرة أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب طبيعة الأطراف المنخرطة فيها، بل أيضاً بسبب تداعياتها المحتملة على أمن الشرق الأوسط واستقرار الاقتصاد العالمي ومستقبل التوازنات الدولية.
غير أن ما استرعى انتباه المراقبين أكثر من العمليات العسكرية نفسها، هو السرعة التي انتقلت بها الأطراف من لغة التهديد والتصعيد إلى لغة التفاوض والبحث عن مخارج سياسية، وهو ما تُوِّج بالتوصل إلى تفاهمات في جنيف فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التساؤلات حول طبيعة التحولات الجارية في المنطقة والعالم.
الحرب التي أعادت رسم حدود القوة والنفوذ
أظهرت المواجهة الأخيرة أن الحروب الحديثة لم تعد تخضع للمعايير التقليدية التي كانت سائدة في القرن الماضي، حيث كان التفوق العسكري وحده كفيلاً بحسم النزاعات وفرض الوقائع الجديدة على الأرض. أما اليوم، فقد أصبحت معادلات القوة أكثر تعقيداً، وأصبح النجاح العسكري مرتبطاً بعوامل سياسية واقتصادية ودبلوماسية لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية نفسها.
لقد دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على تفوق عسكري وتكنولوجي واضح، وعلى قدرة هذا التفوق على فرض معادلات ردع جديدة في المنطقة. غير أن مجريات الأحداث أظهرت أن الواقع أكثر تعقيداً من الحسابات النظرية، وأن امتلاك أدوات القوة لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف السياسية المرجوة بصورة كاملة.
في المقابل، سعت إيران إلى تقديم نفسها باعتبارها قادرة على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية المتواصلة، وعلى المحافظة على حضورها الإقليمي رغم العقوبات والحصار والضغوط الدولية. وقد أظهرت التطورات أن طهران نجحت إلى حد بعيد في تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة يمكن أن تكون نتائجها كارثية على مختلف الأطراف.
كما كشفت الحرب عن حقيقة أخرى تتمثل في هشاشة الأمن الإقليمي. فمجرد اتساع دائرة التوتر أدى إلى ارتفاع المخاوف من اضطراب حركة الملاحة البحرية وتهديد إمدادات الطاقة، وهو ما انعكس سريعاً على الأسواق العالمية التي أصبحت أكثر حساسية تجاه أي تطورات أمنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
ومن جهة أخرى، أثارت المواجهة نقاشاً واسعاً حول مفهوم الردع في المنطقة. فإسرائيل التي اعتمدت لعقود طويلة على التفوق العسكري كأحد أهم عناصر أمنها القومي، وجدت نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيداً وتشابكاً مما كانت عليه في السابق، حيث لم يعد ممكناً التعامل مع التحديات الأمنية بالوسائل التقليدية وحدها.
ولذلك يمكن القول إن الحرب الأخيرة لم تنتج منتصراً مطلقاً أو مهزوماً مطلقاً، بقدر ما كشفت حدود القوة لدى مختلف الأطراف، وأكدت أن إدارة الصراعات أصبحت أكثر تعقيداً من مجرد تحقيق تفوق عسكري مؤقت.
اتفاق جنيف وانتصار الواقعية السياسية
إذا كانت الحرب قد كشفت حدود القوة، فإن اتفاق جنيف كشف في المقابل حدود التصعيد وإكراهات الواقع السياسي. فبعد أسابيع من التوتر والتهديدات المتبادلة، بدا واضحاً أن جميع الأطراف باتت تدرك أن استمرار المواجهة يحمل مخاطر تفوق بكثير المكاسب المحتملة.
لقد أثبت التاريخ المعاصر أن معظم الحروب تنتهي عندما تقتنع الأطراف المتصارعة بأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من كلفة التفاوض. ويبدو أن هذا المنطق كان حاضراً بقوة في خلفية التفاهمات التي شهدتها جنيف، حيث أدركت القوى المعنية أن الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد يؤدي إلى تداعيات يصعب التحكم فيها.
من هنا يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره انتصاراً للواقعية السياسية على حساب الشعارات المتشددة والخطابات التصعيدية. فالعلاقات الدولية لا تدار فقط بالمواقف المعلنة، بل أيضاً بحسابات المصالح وتوازنات القوى ومتطلبات الاستقرار.
وقد سعت كل الأطراف إلى تقديم الاتفاق باعتباره مكسباً لها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. فإيران حرصت على التأكيد أنها لم تتخل عن ثوابتها الأساسية ولم ترضخ للضغوط، بينما أكدت الولايات المتحدة أنها نجحت في تجنب انفجار إقليمي واسع مع المحافظة على مصالحها الاستراتيجية. أما إسرائيل فحاولت التأكيد أن أمنها ما زال يمثل أولوية في أي ترتيبات مستقبلية تخص المنطقة.
غير أن القراءة المتأنية تشير إلى أن الاتفاق لا يمثل نهاية للصراع بقدر ما يمثل محاولة لإدارته ضمن حدود يمكن التحكم فيها. فالقضايا الخلافية الأساسية ما زالت قائمة، سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني أو بالعقوبات الاقتصادية أو بالنفوذ الإقليمي أو بمستقبل العلاقات الأمنية في المنطقة.
كما أن الاتفاق يعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الأطراف بأن الحروب الشاملة لم تعد خياراً مفضلاً في عالم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والمالية والاستراتيجية بصورة غير مسبوقة. ولذلك تبدو الدبلوماسية، رغم كل ما يحيط بها من صعوبات، أقل كلفة من الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
ومن هذا المنطلق، فإن أهمية اتفاق جنيف لا تكمن فقط في ما أوقفه من تصعيد، بل أيضاً في كونه أعاد التأكيد على مركزية التفاوض كوسيلة لإدارة الأزمات الكبرى، حتى بين الخصوم الذين تبدو خلافاتهم عصية على الحل
الشرق الأوسط بين التوازنات الجديدة والتحولات الدولية
لا يمكن فهم دلالات اتفاق جنيف بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة. فالعالم لم يعد كما كان قبل عقدين أو ثلاثة عقود، وموازين القوى الدولية تعرف تغيرات متسارعة تفرض نفسها على مختلف الأقاليم، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.
لقد شهدت السنوات الأخيرة صعود قوى دولية جديدة وتزايد أدوارها السياسية والاقتصادية، مقابل تراجع نسبي لفكرة الهيمنة الأحادية التي سادت لفترة طويلة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وأصبحت القوى الكبرى نفسها أكثر حذراً في التعامل مع الأزمات الدولية، وأكثر ميلاً إلى إدارة الصراعات بدلاً من السعي إلى حسمها بالقوة العسكرية المباشرة.
في هذا السياق، يبدو أن اتفاق جنيف يعكس جانباً من هذه التحولات. فالتسويات الجزئية وإدارة التوازنات أصبحت جزءاً من المشهد الدولي الجديد، حيث باتت الأولوية موجهة نحو احتواء الأزمات ومنع انفجارها بدلاً من السعي إلى فرض انتصارات كاملة قد تكون مكلفة وغير مضمونة النتائج.
كما أن المنطقة تشهد بدورها تحولات داخلية مهمة، حيث تسعى العديد من الدول إلى التركيز على أولويات التنمية الاقتصادية والاستقرار الداخلي، وهو ما يجعلها أقل استعداداً للانخراط في مغامرات عسكرية طويلة الأمد أو صراعات مفتوحة تستنزف الموارد والإمكانات.
ومن ناحية أخرى، فإن مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية سيظل أحد أهم العوامل المؤثرة في رسم معالم المرحلة المقبلة. فرغم استمرار الخلافات العميقة بين الطرفين، فإن التطورات الأخيرة أظهرت وجود إدراك متبادل بأن الحوار، مهما كان صعباً، يظل أقل خطورة من المواجهة المباشرة.
أما إسرائيل، فإنها تجد نفسها أمام تحديات استراتيجية متجددة تفرض عليها إعادة تقييم الكثير من التصورات التقليدية المرتبطة بالأمن والردع. فالمتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة تفرض على جميع الأطراف التكيف مع واقع جديد أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحسم الأحادي.
ومن المبكر الجزم بأن اتفاق جنيف يمثل بداية مرحلة تاريخية جديدة، لكنه بلا شك يشكل مؤشراً مهماً على أن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكيل توازناتها وفق معطيات مختلفة عن تلك التي حكمتها خلال العقود الماضية.
خاتمة
تكشف المواجهة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة، وما أعقبها من تفاهمات سياسية في جنيف، عن حقيقة أساسية مفادها أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية دقيقة تتداخل فيها عوامل القوة والصراع والتفاوض بصورة غير مسبوقة. فقد أظهرت الحرب حدود القدرة على فرض الإرادات بالقوة العسكرية وحدها، فيما أكد الاتفاق أن السياسة ما تزال الإطار الأكثر واقعية لإدارة الأزمات المعقدة.
غير أن التفاؤل المفرط لا يبدو مبرراً في هذه المرحلة، لأن جذور الخلافات الأساسية ما تزال قائمة، ولأن التناقضات الاستراتيجية التي تحكم علاقات القوى الفاعلة في المنطقة لم تختفِ بمجرد التوصل إلى تفاهمات مؤقتة. ولذلك فإن اتفاق جنيف ينبغي النظر إليه باعتباره محطة مهمة في مسار طويل من التجاذبات والتحولات، لا باعتباره نهاية للصراع أو بداية سلام شامل.
ويبقى المؤكد أن السنوات القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه فعلاً نحو بناء توازنات أكثر استقراراً، أم أنها ستعود إلى دوامة المواجهات التي طبعت تاريخها الحديث. وبين هذين الاحتمالين، يظل الشرق الأوسط مختبراً مفتوحاً للتحولات الدولية الكبرى، وساحة تتقاطع فيها المصالح والحسابات والاستراتيجيات في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
أرى أن هذه النسخة أصبحت أقرب إلى مقال سياسي تحليلي متكامل من حيث البناء واللغة والعمق، مع إمكانية إجراء لمسات أخيرة عند المراجعة النهائية بإضافة بعض العبارات الفكرية المكثفة في المقدمة والخاتمة إذا كنت تنوي إرساله إلى صحيفة ذات توجه فكري أو ثقافي سياسي.
- كاتب صحفي و باحث مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.
#البشير_عبيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟