أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسني إبراهيم عبد العظيم - فلسفة الوجود الإنساني بين المسيحية والإسلام














المزيد.....

فلسفة الوجود الإنساني بين المسيحية والإسلام


حسني إبراهيم عبد العظيم

الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 18:15
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ثمة تصورات متباينة بين المسيحية والإسلام حول فلسفة خلق الإنسان ووجوده على الأرض، ففيما يتعلق بتصور الإسلام لفلسفة الوجود الإنساني، نلاحظ أن الإسلام قد طرح تصورا مغايرا للمسيحية سـواء بصدد فلسفة الحياة على الأرض أم بصدد المثل الأعلى للإنسان، فلم يكن نزول آدم إلى الأرض عقوبة على خطيئة، وإنما ليكون خليفة في الأرض دون الملائكـة،:"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" ســـورة البقرة 30، ورفض الإسلام حياة الرهبنة، ليستبدل بها عمارة الأرض: "هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" سورة هود 61, فالمثل الأعلى للمسلم هو العالم العامل بعد أن كان الراهب الناسك.

و رفض الإسلام عقيدة الخطيئة الأولى، واعتبرها فكرة غير عادلة، فكيف يحاسب الأبناء على خطأ ارتكبه أبوهم، وكيف لله بجلاله وعظمته أن ينزل من عليائه ويجعل نفسه ندا لآدم ذلك المخلوق الضعيف، ألا يملك بجلالـه وعفوه ورحمته ومغفرته أن يسامح ذلك المخلوق بكلمة واحدة؟
والحقيقة أن خلافة الإنسان على الأرض، ورفض فكرة الخطيئة الأولى - تعني – وفق التصور الإسلامي - أمرين:
الأول: المكانة المرموقة للإنســان الذي اجتمعت فيــه - كما قال ابن عربي (سمات الوجـــود كلها الروحية والفكرية والمادية، بما لم يجتمع لمخـلوق آخر حتى الملائكة) ، الثاني: أن الخلافة تقتضي أن يفوض الإله – بمشـيئته المطلقة – للإنسان الحرية من أجل عمارة الأرض، بعد أن علمه – دون سائر ملائكته – الأسماء كلها ، وبالعلم اكتشف الإنسان الكون، وهكذا أشـــاع الإسلام نظرة للحياة متفائلة، بديلا عن التصور اللازم عن الخطيئة الأصلية في المسيحية.

و هكذا كانت نظرة الإسلام للحياة على الأرض بأنها ليست عقوبة على جـريمة، مع مـا يرتبط بمفهوم العقوبة من قسوة وضيق وكآبة، وإنما الحياة على الأرض مليئة بالغبطة والسـعادة في حدود المنهج الإســلامي الإنساني، ولكي تكتمل السعادة في الحياة الدنيا لابد أن يزود الإنسـان بالملكات والقدرات التي تؤهله للعيش والتفاعل والإنجاز وأهم تلك الملكات وأعظمها هو العقل.

لقد كان الإسلام ثورة عالمية عقدية واقتصادية واجتماعية، وفكرية أيضا، وكان من البدهي أن يأتي بتصور للحياة وللتاريخ البشري في ماضيه وحاضره ومستقبله، وبمعنى آخر اكتسب الوجود الإنساني قيمة أفضل مما انطوت عليه اليهودية بنزعنها العنصرية الضـــيقة، والمسيحية التي ترى في الحياة الدنيا جسر عبور للأخرة ليس إلا.

وليس أدل على تبجيل الإسلام للواقع الإنساني المعيش، من اعتبار السلوك البشري إبان الحياة الدنيا هو المدخل الأساسي للحياة الأخرى، قال تعالى ": ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" سورة الزلزلة 7 -8 ، كذا دعوته الصريحة لإعمال العقل في تدبيرشئون الخلق دون حدود،(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) سورة العنكبوت 20 هذا فضلا عن تحديد مسئولية البشر وحرية إرادتهم فيما يصنعون، بحيث يصبح التاريخ الإنساني من صنع الإنسان، وبالتالي إبراز قدرة الإنسان على صنع مصيره دون أن يتعارض ذلك مع قدرة الله على الخلق.

لم يقدم الإسلام هذا التصور الجديد للإنسان فحسب، بل سخر الله له جميع مخلوقاته في البر والبحر، وبذلك تهيأت له أسباب التفوق والتمكن في حدود قدراته وطاقاته العقلية والبدنية، وقد لفت القرآن الكريم في آيات كثيرة نظر المسلم إلى ظواهر الكون طالبا منه النظر والتدبر:(الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا) و(واعتبروا يا أولي الأبصار) و (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) و ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) والنظر يؤدي للعلم ، وبالعلم تنشأ الحضارات.

بعد كل ذلك آثار الإسلام كل ما يستثير همة المسلم ويفجر طاقاته؛ ليتوفر تحد كاف لإثارة مواهبه وقدراته، إذ لا تتقدم الحضارة إلا استجابة من الإنسان لتحد يستثير الهمم ويفجر الطاقات الروحية والفكرية والمادية فيه. وهكذا بعد أن كرم الله الإنسان وفضله على كثير من خلقه بالعقل ، وبعد أن سخر له كل ما في الكون، وجعله خليفة، آثر الإنسان أن يخوض التجربة بنفسه، فحمل ما أبت السموات والأرض والجبال أن تحمله إشفاقا – كناية عن عظم ما أقبل عليه الإنسان – في التصور الإسلامي، كلفه الله بتكاليف عقلية وشــرعية بعد أن منحه الحرية. فإن أضيف إلى ذلك عوامل جغرافية وأخرى تاريخية، تجمعت بذلك عوامل التحدي والاستثارة، مع أسباب الإيمان والقدوة الحسنة في شخص النبي الكريم – عليه السلام – تتكاتف هذه جميعا وتتعاضد لقيام حضارة عقب ظهور الإسلام.



#حسني_إبراهيم_عبد_العظيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوعي البيئي
- العدالة المناخية
- المنظور السوسيولوجي للمشكلة الاجتماعية
- بعض رؤى مفكري الغرب حول مقدمة ابن خلدون
- بعض ملامح التطور التاريخي لعلم اجتماع الأدب Sociology of Lit ...
- علم اجتماع الأدب: التحليل السوسيولوجي للإبداع
- مدخل إلى علم اجتماع الأدب: 1 – تعريف الأدب
- مائتا عام على ميلاد كارل ماركس: نظرة عامة على مشروعه الفكري
- تطور الوعي الإنساني بالألم من الميثولوجيا إلى السوسيولوجيا 4 ...
- تطور الوعي الإنساني بالألم من الميثولوجيا إلى السوسيولوجيا 4 ...
- تطور الوعي الإنساني بالألم من الميثولوجيا إلى السوسيولوجيا 4 ...
- تطور الوعي الإنساني بالألم من الميثولوجيا إلى السوسيولوجيا 4 ...
- الفكر الاجتماعي في الإسلام 2/2
- بعض جوانب الفكر الاجتماعي في الإسلام 2/1
- ملامح الفكر الاجتماعي في الديانة المسيحية
- الفكر الاجتماعي في الحضارة الرومانية 2/2
- الفكر الاجتماعي في الحضارة الرومانية 2/1
- الشيخوخة النشطة: رؤية أنثروبولوجية 2/2
- الشيخوخة النشطة: رؤية أنثروبولوجية 2/1
- ختان الإناث: رؤية سوسيولوجية موجزة


المزيد.....




- -جبل الفأس-.. لقطات أقمار اصطناعية تكشف ما يدور في موقع إيرا ...
- محللون: تسارع أعمال البناء في موقع نووي إيراني مشتبه به
- لحظة استهداف مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة
- إيران توسّع -المنطقة المحظورة- خارج مضيق هرمز.. ما هي شروط ا ...
- التصعيد بين السعودية والحوثيين أمام منعطف جديد.. باكستان تلو ...
- نافذة العراق الجديدة على التجارة العالمية.. ماذا نعرف عن مشر ...
- -روائح غريبة- وأعراض حادة.. خبراء يدعون عبر -يورونيوز- للتحق ...
- خطأ -غير متوقع فادح- في بريطانيا يتسبب بإلغاء نحو 2000 رحلة ...
- صربيا.. الرئيس يحل البرلمان ويدعو لانتخابات قبل نوفمبر
- الرئيس اللبناني يحذر من استغلال إسرائيل أي فراغ أمني في الجن ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسني إبراهيم عبد العظيم - فلسفة الوجود الإنساني بين المسيحية والإسلام