كاظم فنجان الحمامي
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 17:12
المحور:
حقوق الانسان
كانت البصرة في ثمانينات القرن الماضي عبارة عن معتقل مخيف. حيث لا يمكنك الوثوق بأقرب الناس، معظمهم يعملون لصالح السلطة الحاكمة وفي خدمة المقرات الحزبية والأمنية: الحلاق، السمكري، بائعة البيض، الكهربائي الاخرس، قارئ مقاييس الماء، رجل المرور. كلهم يعملون لحساب السلطة. حتى الهواء صار يحمل رائحة الموت. الأنفاس متقطعة، والأصوات مكبوتة، ليس سوى الصمت الطويل في باصات نقل الركاب وفي محطة قطار المعقل التي لا تبعد كثيرا من مديرية الامن. الناس خائفون مرعوبون يتحركون بإيقاعات لا تُحتمل. .
تسألني زوجة ابي مساء كل يوم عن اسباب بقاء اخي خارج المنزل، فأخاف أن أخبرها أنهم حكموا عليه بالإعدام ظلما وعدوانا قبل بلوغه سن الرشد، ويزداد خوفي أكثر كي لا أخبرها أنها ماتت معه حينما سمعت الخبر. .
حتى منزلنا الكبير أنهكه الانتظار. تآكلت أبوابه. بهتت ملامحه. كأنه مازال يترقب عودة اخي الصغير (عباس) أو اخي الكبير (حسن) الذين ابتلعتهم سراديب الغياب الطويل إلى الأبد في أبي غريب. .
كنا نتساءل بعد عام 2005: هل عشنا فعلا أم أفنينا أعمارنا في محاولة التعايش مع نظام بوليسي مرعب ؟.
لكننا مازلنا نكرر السؤآل نفسه بعد عام 2025. .
نخاف أن تتكرر الأيام، وتتكرر التجارب، ثم نجد انفسنا عالقين من جديد في دواليب المطاردة والاضطهاد، فتُستنزف ارواحنا في التكرار القاتل، حتى يصير العمر كله متاهة مظلمة، من غير أن نحظى بفرصة واحدة للعيش بسلام مثل بقية خلق الله. ولو لمرة واحدة.
ما أشبهنا بعائشة التيمورية (1840 - 1902) حينما رثت ابنتها، فقالت:
إني ألفتُ الحزنَ حتى إنني
لو غاب عني ساءني التفكيرُ
في تلك الايام لم يكن النوم متاحاً، بل كان محطة طارئة مؤقتة للانتظار على مقاعد القلق. قد يتكور جسدك فوق كومة من القش أو في زاوية مظلمة، لكن أعصابك تبقى مشدودة. وقد تغمض عينك في غفلة منك لكنها إغماضة خاطفة.
ففي كل لحظة يبقى قلبك مستعدا لأن يقفز من مكانه لو جفلت قطة، أو توقفت سيارة. .
#كاظم_فنجان_الحمامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟