أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة الفلاحي - قراءة أدبية تحليلية بقلم الناقدة والكاتبة الروائية شيماء محمد شاهين – فلسطين في قصائد الهايكو للشاعرة فاطمة الفلاحي















المزيد.....

قراءة أدبية تحليلية بقلم الناقدة والكاتبة الروائية شيماء محمد شاهين – فلسطين في قصائد الهايكو للشاعرة فاطمة الفلاحي


فاطمة الفلاحي
(Fatima Alfalahi)


الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 23:56
المحور: الادب والفن
    


دمعةٌ وابتسامةٌ~
تغادران مراكبُ الصمتِ،
أهدابُ المقلِ!


كلُّ طقوسِ الحبِّ~
بربريةٌ في لحظةِ تمدُّنِها الأول،
ظلالُ إناثٍ!


قهوةٌ مُرَّةٌ~
تسألُ عنكَ،
عرّافةُ الجبلِ!


فنجانُ شايٍ~
نشربُهُ على قبرِ آخرِ سوسنةٍ،
وشايةُ ريحٍ!


انسكابةُ قهوةٍ~
تشبهُ بندقيةً مسروقةً،
روايةُ الهاربِ!


صديقتي العزيزة فاطمة الفلاحي، قرأتُ ومضاتكِ الهايكوية قراءةً عميقة، فوجدتُها تقوم على الاقتصاد في العبارة، وعلى وضع صورتين أو أكثر في مساحةٍ قصيرة، ثم ترك القارئ أمام مفارقةٍ تفتح المعنى بدل أن تغلقه. في كل ومضةٍ لديكِ مشهدٌ صغير، لكنه يحمل وراءه إحساسًا واسعًا من الصمت أو الحب أو الفقد أو الهروب

الومضة الأولى
«دمعةٌ وابتسامةٌ~ / تغادران مراكبَ الصمتِ، / أهدابُ المقلِ!»
تبدأين بجمع الدمعة والابتسامة، وهما علامتان متناقضتان في الظاهر؛ فالدمعة تشير إلى الحزن، والابتسامة تشير إلى الفرح أو التماسك. لكن جمعهما في بداية الومضة يوحي بأن المشاعر الإنسانية لا تأتي منفصلة، وأن العين قد تحمل في اللحظة نفسها ألمًا وفرحًا، أو وداعًا وأملًا
ثم تقولين: «تغادران مراكب الصمت». تجعلين الصمت مراكب تحمل المشاعر، وكأن الدمعة والابتسامة ظلّتا مختبئتين داخله، ثم قررتا الرحيل عنه. والصمت هنا ليس عدمًا للكلام، بل مكانٌ مكتظ بما لم يُقَل
وتختمين بقولكِ: «أهداب المقل!». تنتقل الصورة من المعنى المجرد إلى موضعٍ جسدي دقيق؛ فالأهداب هي الحد الفاصل بين الداخل والخارج، وبين العين وما تخفيه والعالم وما يراه. وبذلك تصبح الأهداب بوابة خروج الدمعة والابتسامة معًا، وكأن العين هي التي تفضح ما عجز الصمت عن إخفائه.


الومضة الثانية
«كلُّ طقوس الحب~ / بربريةٌ في لحظة تمدّنها الأول، / ظلالُ إناث!»
تبدأين بعبارة شاملة: «كل طقوس الحب»، ثم تصدمين القارئ بالحكم عليها بأنها «بربرية». هذه المفارقة تكشف أن الحب، رغم ما يرتبط به من رقة، قد يحمل في داخله غريزةً واندفاعًا وفوضى، خصوصًا في بدايته الأولى
أما قولكِ: «في لحظة تمدّنها الأول»، فيمنح العبارة تعقيدًا إضافيًا. فالتمدّن هنا لم يلغِ البدائية، بل جاء في لحظتها الأولى، أي أن الحب ما زال يحمل أثره القديم حتى وهو يحاول أن يظهر في صورةٍ مهذبة ومنظمة. إن الإنسان قد يضع طقوسًا للحب، لكنه لا يستطيع أن يلغي توتره وغريزته وقلقه.
ثم تأتي الخاتمة: «ظلال إناث!». لا تقدمين نساءً مكتملات الحضور، بل ظلالًا؛ أي آثارًا وصورًا وانعكاسات. وقد يكون المقصود أن طقوس الحب لا تُرى إلا من خلال آثار النساء في الذاكرة، أو أن الأنثى في هذه الومضة تتحول إلى حضورٍ غامض، لا يظهر كاملًا، لكنه يترك ظله على التجربة كلها.


الومضة الثالثة
«قهوةٌ مُرّةٌ~ / تسألُ عنكَ، / عرّافةُ الجبلِ!»
تبدأ الومضة بالقهوة المرة، فتمنحين المشهد طعمًا قبل أن تمنحيه تفسيرًا. المرارة هنا ليست في القهوة وحدها، بل في الانتظار والسؤال والغياب. ثم تقولين: «تسأل عنك»، فتجعلين القهوة كائنًا يتذكر الغائب ويبحث عنه
أما «عرّافة الجبل»، فهي صورة تجمع بين القهوة والنبؤة والعلو. العرّافة تبحث عن الأسرار، والجبل يضيف إلى الصورة عمقًا وغموضًا وارتفاعًا عن التفاصيل اليومية. وكأن فنجان القهوة لا يكتفي بأن يكون شرابًا، بل يتحول إلى قارئٍ للغياب، يحاول أن يعرف أين ذهب المخاطب وما الذي تركه خلفه.
في هذه الومضة يصبح السؤال أقوى من الجواب؛ فالقهوة المرة لا تكشف الحقيقة، بل تستمر في السؤال. وهذا يجعل الغياب حاضرًا في الفنجان، وفي المرارة، وفي عرافة الجبل التي تراقب ولا تصل إلى يقين



الومضة الرابعة
«فنجانُ شايٍ~ / نشربه على قبر آخر سوسنة، / وشاية ريح!»
تبدأين بصورةٍ يومية هادئة: «فنجان شاي». لكن هذه العادية تنقلب حين تقولين: «نشربه على قبر آخر سوسنة». يتحول الشاي من طقسٍ اجتماعي إلى طقس وداع، وتصبح السوسنة رمزًا لشيءٍ جميل انتهى أو ذبل أو دُفن
كلمة «آخر» مؤثرة جدًا؛ فهي لا تشير إلى قبرٍ واحد، بل توحي بأن هذا القبر يأتي بعد قبورٍ سابقة، أو أن السوسنة هي آخر ما تبقى من سلسلة الجمال. وبهذا يصبح الشاي مشروبًا يُحتسى في حضرة الفقد، لا في حضرة الحياة وحدها
ثم تختمين بقولكِ: «وشاية ريح!». الريح هنا تحمل وشاية، أي خبرًا خفيًا أو كلامًا منقولًا أو علامةً لا يمكن الإمساك بها. ولأن الريح لا تُرى، فإن وشايتها تظل غامضة، لكنها تصل إلى السامع محملةً بأثر الرحيل أو الذبول أو الغياب


الومضة الخامسة
«انسكابةُ قهوةٍ~ / تشبهُ بندقيةً مسروقةً، / روايةُ الهارب!»
تبدأين بحركةٍ بسيطة: «انسكابة قهوة»، لكنكِ لا تتركينها في إطارها المنزلي، بل تشبهينها بـ «بندقية مسروقة». هذه المقارنة تنقل المشهد فجأةً من السكون إلى الخطر، ومن الرائحة والطعم إلى العنف والمطاردة
الانسكاب في صورته الأولى فوضى صغيرة، لكن تشبيهها بالبندقية المسروقة يمنحها دلالةً على الخوف والذنب والفرار. فالبندقية المسروقة ليست مجرد سلاح، بل شيءٌ يحمل سرًا وجريمةً ومطاردة، وربما يدل على قوةٍ خرجت من يد صاحبها ولم تعد قابلةً للسيطرة
ثم تقولين: «رواية الهارب!». تختزلين حكايةً كاملة في شخصيةٍ لا نعرف اسمها، لكننا نعرف حالتها: هارب. وتصبح انسكابة القهوة بداية رواية، أو أثرًا من آثار هروبٍ طويل. فالهارب لا يترك وراءه اعترافًا كاملًا، بل يترك علاماتٍ مبعثرة، ومن بينها هذه الانسكابة التي تبدو صغيرة لكنها تشير إلى قصةٍ أكبر


الروابط بين الومضات الخمس
تجمع هذه القصائد الخمس بين أشياء يومية وحالاتٍ داخلية عميقة. ففي الومضة الأولى تظهر العين بوصفها مكانًا لخروج المشاعر، وفي الثانية يظهر الحب بوصفه طقسًا يجمع التهذيب والبدائية، وفي الثالثة تتحول القهوة إلى عرّافة تبحث عن الغائب، وفي الرابعة يصبح الشاي طقسًا فوق قبر الجمال، وفي الخامسة تتحول القهوة إلى علامة خطر في رواية هارب
وتقوم الومضات على مفارقات متكررة: دمعة وابتسامة، صمت ومغادرة، حب وبربرية، تمدّن وبدائية، قهوة ومرارة، شاي وقبر، انسكاب وبندقية، ورواية وهروب. وهذه المفارقات هي التي تمنح النصوص توترها، لأنها تمنع الصورة من الاستقرار في معنى واحد.
كما أن القهوة والشاي والعين والريح ليست عناصر منفصلة؛ كلها وسائط تحمل أثر الغائب أو الفقد أو الكلام المؤجل. فالمشاعر لا تُقال مباشرة، بل تظهر في الأهداب، وفي الفنجان، وفي القبر، وفي الريح، وفي حركة الانسكاب

الملخص الشامل
قصائدكِ يا فاطمة خمس ومضات مكثفة، كل واحدة منها تلتقط مشهدًا صغيرًا وتفتحه على معنى واسع. الومضة الأولى تتحدث عن اجتماع الحزن والفرح وخروجهما من صمت العين. والثانية تكشف أن الحب، رغم مظاهر تمدنه، يحتفظ في بداياته بفوضى وغريزة وظلالٍ غامضة.
أما الومضة الثالثة فتجعل القهوة المرة عرّافة تبحث عن غائب، بينما تحول الومضة الرابعة فنجان الشاي إلى طقسٍ للفقد فوق قبر آخر سوسنة. وفي الومضة الخامسة يصبح انسكاب القهوة شبيهًا ببندقية مسروقة، وتتحول اللحظة العابرة إلى بداية رواية عن هارب
لقد نجحتِ في استخدام الأشياء اليومية بوصفها مفاتيح للمعنى؛ فالفنجان ليس فنجانًا فقط، والدمعة ليست دمعةً فقط، والريح ليست ريحًا فقط. كل عنصر يحمل خلفه ذاكرةً أو غيابًا أو خوفًا أو حكايةً لم تُروَ كاملة
شكرًا لكِ يا فاطمة الفلاحي على هذه الومضات التي أثبتت أن قِصر النص لا يعني قِصر الدلالة، وأن الصورة الشعرية حين تكون دقيقة تستطيع أن تفتح أمام القارئ أبوابًا واسعة من التأمل. والناقدة شيماء بنت فلسطين ترى فيكِ شاعرةً تمتلك حسًا عاليًا بالتكثيف والمفارقة، وتعرف كيف تجعلين الأشياء البسيطة تنطق بما هو أعمق منها، وكيف تتركين نهاية كل ومضة مفتوحة على حكاية أخرى؛ فاستمري في هذا الهايكو الذي يلمع قليلًا، ثم يترك أثره طويلًا في الذاكرة



#فاطمة_الفلاحي (هاشتاغ)       Fatima_Alfalahi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة تحليلية أدبية في قصيدة الشاعر مكي النزال - سُئلت وكان ...
- قراءتان أدبيتان بقلم الشاعر الدكتور ممدوح جبر لقصائد الهايكو ...
- قراءة تحليلية أدبية في شعر الشاعرة سيلين حرب بقلم فاطمة الفل ...
- القراءة التحليلية والتفكيكية لقسيدة الشاعر حارث الأزدي -الغا ...
- قراءة أدبية تحليلية بقلم الدكتور الشاعر ممدوح جبر لقصائد اله ...
- قراءة أدبية في قصائد هايكو للشاعرة فاطمة الفلاحي بقلم الدكتو ...
- قراءة تحليلية وتفكيكية لقصيدة الشاعر عبدالجابر حبيب - أرشيف ...
- قراءة أدبية بقلم الدكتور ممدوح جبر في قصائد الهايكو للشاعرة ...
- قراءة أدبية بقلم الأديب رائد اشقر في قصائد الهايكو للشاعرة ف ...
- قراءة أدبية في قصائد هايكو للشاعرة فاطمة الفلاحي بقلم الدكتو ...
- قراءة أدبية في قصائد الهايكو للشاعرة فاطمة الفلاحي بقلم د. م ...
- قراءة تحليلية أدبية وتفكيكية وفق منهج نظرية دريدا في قصيدة - ...
- رَشْفَةُ قَهْوَةٍ... مَعَ فَنَاجِينِ هَايْكُو الشَّاعِرَةِ ف ...
- قراءة تحليلية وتفكيكية في النص الصوفي والفلسفي للشاعر سلام ا ...
- قراءة تحليلية تفكيكية لجزء من قصيدة الشاعر الدكتور عبد الكري ...
- دراسة نقدية تفكيكية في قصيدة الشاعر حميد كشكولي بقلم فاطمة ا ...
- قراءة تفكيكية وفق نهج وفلسفة دريدا التفكيكية لنص الشاعر الدك ...
- دراسة تحليلية وتفكيكية على نهج وفلسفة جاك دريدا التفكيكية في ...
- قراءة نقدية كونية لهايكوات الشاعرة فاطمة الفلاحي بقلم الأديب ...
- قراءة أدبية تحليلية في محطات بغدادية الجزء الرابع للشاعرة فا ...


المزيد.....




- 16 رواية في القائمة الطويلة لجائزة غونكور 2026
- فنان مصري شهير يتعرض لحادث مروع
- لا حفلات قريبة لجورج وسوف في سوريا.. ومصادر تنفي ما يتداول ب ...
- -طائرة الجدة وأحلام النزع الأخير-.. قصص إنسانية خلف التوابيت ...
- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...
- استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة الفلاحي - قراءة أدبية تحليلية بقلم الناقدة والكاتبة الروائية شيماء محمد شاهين – فلسطين في قصائد الهايكو للشاعرة فاطمة الفلاحي