أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سلمان النقاش - من ايران الينا ...سؤال الدولة والمجتمع ..الحلقة الثالثة حين يدخل الرزق الى السياسة














المزيد.....

من ايران الينا ...سؤال الدولة والمجتمع ..الحلقة الثالثة حين يدخل الرزق الى السياسة


سلمان النقاش

الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 02:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمكن لأي نظام أن يتحمل قدرا من المعارضة، وأن يواجه الاحتجاج، وأن يقيد الحرية، وقد يستطيع أن يفعل ذلك سنوات طويلة، لكن الرزق يدخل السياسة من باب آخر.
حين يصبح الطعام أصعب، والدواء أقل، والعمل أندر، والطاقة أغلى، لا يعود السؤال سياسيا بالمعنى التقليدي، تدخل الأزمة إلى البيت، ويصبح المواطن في مواجهة يومية مع قدرة الدولة على إبقاء حياته ممكنة.
التاريخ مليء بهذه اللحظات.
في فرنسا أواخر القرن الثامن عشر، لم تكن أزمة الخبز وحدها هي التي صنعت الثورة الفرنسية التي غيرت وجه العالم الانساني ، لكن ارتفاع الأسعار ونقص الحبوب جاءا فوق أزمة مالية واجتماعية وسياسية عميقة، حتى صار الخبز جزءا من الانفجار الذي أطاح بالنظام القديم.
والعراق يعرف هذه التجربة بطريقة أخرى.
بعد غزو الكويت عام 1990 دخل البلد ثلاثة عشر عاما من العقوبات الدولية القاسية، تراجعت الدخول، وأصيبت الخدمات والبنية التحتية بأضرار هائلة، وأصبحت الضرورات اليومية أثقل على ملايين العراقيين.
وفي وسط ذلك كله حافظت الدولة على البطاقة التموينية.
لم تكن المسألة تفصيلا إداريا ، حين تصبح الدولة عاجزة عن زيادة الدخل، يصبح منع الجوع نفسه جزءا من إدارة الاستقرار،ومع برنامج النفط مقابل الغذاء اتسعت قدرة نظام التوزيع على توفير الحاجات الأساسية، وبقيت شبكة البطاقة التموينية واحدة من أهم الوسائل التي منعت أزمة الغذاء من الوصول إلى مستويات أشد كارثية، هنا تظهر مفارقة تستحق التوقف،نظام صدام حسين كان شديد القمع، ومع ذلك لم يسقط بفعل الجوع أو الاحتجاج الداخلي، انتهى عام 2003 بحرب قادتها الولايات المتحدة.
لكن الولايات المتحدة لم تدخل البلد نفسه الذي كان موجودا عام 1990، دخلت مجتمعا أنهكته الحروب والعقوبات، وتضررت طبقته الوسطى وبنيته التحتية، وأصبح جزء كبير من السكان يعتمد في غذائه الأساسي على ما توزعه الدولة.
هنا يجب أن نفرق بين ثلاثة أشياء:
قوة الحاكم، وقوة النظام، وقوة المجتمع الذي تقوم عليه الدولة.
قد يبقى الحاكم قويا فيما يضعف المجتمع تحته،وقد تبقى أجهزة الدولة قادرة على القمع، بينما تتراجع قدرتها على إنتاج شروط الحياة، وقد يصل الخطر الخارجي فيكتشف الجميع أن المسألة لم تعد تتعلق بالحاكم وحده.
هنا تعود إيران إلى السؤال.
عاشت إيران أيضا عقودا من العقوبات، وعانت التضخم والبطالة والاحتجاجات والعزلة، ثم تعرضت للحرب على أراضيها.
ومع ذلك بقيت الزراعة تعمل، والمصانع تنتج، والجامعات تدرس، والمستشفيات تعالج، والمدن تتحرك، والسوق توفر جزءا كبيرا من احتياجات مجتمع يزيد على تسعين مليون إنسان.
لا يخبرنا هذا أن الإيراني راض عن حكومته.
إنه يخبرنا بشيء مختلف تماما:
لديه عالم قائم يمكن أن يخسره.
العامل لديه عمل، وصاحب المصنع لديه مصنع، والطبيب لديه مستشفى، والأستاذ لديه جامعة، والمزارع لديه أرض، والعائلة لديها بيت، والمدينة لديها ماء وطاقة وأسواق وطرق وذاكرة.
هذه الأشياء لا تنتج الولاء السياسي بالضرورة ، لكنها تنتج كلفة للانهيار،فنفهم شيئا يبدو متناقضا من الخارج، يمكن للإيراني أن يحتج على نظامه، وأن يطالب بحريات أوسع، وأن يرفض كثيرا من سياساته، ثم يرفض في اللحظة نفسها أن تتحول إيران إلى دولة منهارة أو محتلة،لأن تغيير الحكومة شيء، وانهيار العالم الذي يعيش فيه شيء آخر.
والعراقي يعرف، بعد 2003، مقدار المسافة بين الاثنين.
لهذا ربما لا تكون أقوى حماية لأي نظام هي عدد الذين يحبونه، هناك حماية أعمق تصنعها الأشياء التي راكمها المجتمع وأصبحت جزءا من حياة الناس، الأشياء التي تجعل المواطن، حتى وهو غاضب من حكومته، يتوقف أمام احتمال انهيار الدولة ويسأل:
ماذا سأفقد أنا إذا سقط كل هذا؟
وهنا نقترب من الجزء الأكثر إنسانية في رحلتنا، فالإنسان لا يخاف على الخبز والمصنع والبيت فقط ، مع الزمن يبدأ بالخوف على أشياء لا يستطيع حساب قيمتها بالفلوس :
على المدينة
على النهر
على النخلة
على الجسر
وعندها سنعود إلى الرجل الذي رأيته في بغداد ، واقفا أمام جسر الصرافية وهو يهوي في دجلة، يشهق بالبكاء.
لكن قبل أن نصل إليه، علينا أن نفهم كيف تتحول الأشياء التي نعيش منها إلى أشياء نشعر أننا ننتمي إليها.
هذه النهاية بالذات تفتح لنا الحلقة الرابعة: الإنسان، الآخر، الأرض، الجمال، الوطنية، ثم جسر الصرافية.



#سلمان_النقاش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من ايران الينا .. الحلقة الثانية / حين تصبح المصلحة قانونا
- لحلقة الاولى (1) السؤال الذي بدأ من إيران
- العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 قراءة في البنية وإمكا ...
- الشرق الأوسط كما يُعاد صياغته: حين تتراجع القيم وتتقدّم إراد ...
- قراءة في المعلن وأخرى للظل عشية الانتخابات
- القاعدة والاستثناء في مكافحة الفساد
- النزاهة والفساد في عصر الذكاء
- الأعتذار فعل نضالي
- الديمقراطية .. الحكومة .. الفساد
- الطائفية الوجه السياسي للدين
- ديمقراطية ..ام مجتمع مدني
- الواقعية الديمقراطية
- صباح النزاهة
- الماكنة الديمقراطية
- ازمة حكم لا ازمة حكومة
- عقدة الاشتباك السياسي الحتمية
- المحاولة الاخيرة
- البحث عن ثورة
- حتمية البناء الديمقراطي
- احمد عبد الحسين


المزيد.....




- انقلبت رأسًا على عقب.. نجاة طيار بعد تحطم طائرته في المحيط
- ليلة رقص تنتهي بإطلاق نار وسقوط ضحايا في سويسرا
- الدفاع الروسية: إسقاط 494 مسيرة أوكرانية غربي البلاد
- الرئيس اللبناني يجدد تأكيد حصرية السلاح بيد الدولة والجيش عل ...
- الدفاع الروسية تعلن تحرير بلدتين جديديتين في سومي شرقي أوكرا ...
- أطعمة تساعد على تهدئة أعراض الصدفية.. وأخرى يُفضل الحد منها ...
- سويلم يلتقي عددًا من أعضاء مجلس النواب لمناقشة مطالب المواطن ...
- وزير النقل يتفقد الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع ...
- التعليم العالي تطلق سلسلة “اعرف الحقيقة” لتصحيح المفاهيم الم ...
- إيسلندا: تقدّم الرافضين لاستئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحا ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سلمان النقاش - من ايران الينا ...سؤال الدولة والمجتمع ..الحلقة الثالثة حين يدخل الرزق الى السياسة