أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسحق قومي - قراءات في بعض قصائد الشاعر سركون بولس الراحل إلى الأبدية















المزيد.....


قراءات في بعض قصائد الشاعر سركون بولس الراحل إلى الأبدية


اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.

(Ishak Alkomi)


الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


الشعرُ، ذلك السيد المطلق الذي يأخذك إلى عوالم تشبه الخرافات القديمة في نينوى الحزينة، أو على أطلال بابل وخرائب آشور وأغاني الفرات العابث بجسد ما بين النهرين. وإذا كان أفلاطون قد صنّف الشعر بأنه أرقى أنواع الفنون، يبقى الشاعر كالمهندس الذي يصمم مخططاً لبناء برج أو بناية تُدهش فيما بعد من يراها. هكذا تجلى الشعر في روح شاب آشوري متمرد من العراق.
هو متمرد بكل المقاييس.. خرج من الحبانية ولم يعد... بعد أن عاصرته آلهة الشعر هناك، عمّده الحزن إلى الأبد. وبعد تلك القرية التي طالما عاشها بكل ما كانت عليه، ينتقل مع أسرته إلى كركوك، وفي هذه المدينة الناشئة يريد أن يؤسس شخصية سركون المحارب. ها هو ينتسب لجمعية الشعر، وكركوك يبدو أنها هي الأخرى لم تعد تكفي لطموحاته، ولم تعد تتسع فضاءات الشاعر أو حتى سهول نينوى؛ عاصمة ومجد أمته التي سيبشر بآلامها، فتراه يولّي شطره بغداد حيث فيها أمجاد العباسيين، ولكنه وكعادته يمتد كالضوء...
وهناك يُثبت عناوينه ومفرداته البكر، حيث يتوحد مع القصيدة السيابية. وهنا لابدّ من القول: إن الأبجدية الشعرية عند الشاعر المسكون بالعشق والحزن كانت قد تكوّنت حيث الجد والاجتهاد، وأوسمة المطر تأتيه ثم يستيقظ نائماً ليرى أنه يحلم بأن يكون أمياً على القلوب. وهنا يتخذ من الرمزية وفنون البديع سبيلاً، حيث تختفي ظلال ما يشاء أن يقوله علناً في جسد القصيدة الرمز.
الشاعر الآشوري الشاب يتألق في بغداد، ولكن هناك من يُعيق دروب هذا المسكون بنور الآلهة التي تمنحه القدرة على تصدي الآخر الذي كان يقف عائقاً أمام تجربة سركون... وربما همست له تلك الآلهة لتنذره بأن بيروت هي المحطة التي سيتألق من خلال حدائقها واتساع صداها لكل تجارب المثقفين والشعراء والمضطهدين، فنراه يقصدها ولسنا ندري تماماً كم عاش الخوف والرعب والجوع والعطش حتى وصلها الشاعر المهجّر الآشوري...
بيروت؛ تلك المرأة التي تحتضن جميع طموحات هذا الشاعر القادم إليها من بلاد ما بين النهرين. وهنا لابد أن يتذكر سركون بولص وجه أمه ووالده وإخوته، وخاصة أمه، فقد افتقد ذاك الحنان وتلك الرعاية؛ فهو محاصر بصورها التي لا تفارقه ليل نهار. وها هي تريد إقناعه بأن لا يزعج والده النائم في أيام الصيف الحارة... ها صوتها يأتيه قائلة: (بسا بسا سركون بابي بابوخ دميخا). وهذا القول لله كم سمعته يردده أمامي ونحن في غرفته بمدينة شبنكونك الألمانية، حين كان يَعُبُّ بكأسات من الويسكي وكانت دموعه تنزل للآمانة، كان يقول: "لقد كنت ولداً عاقاً".
فانظر إلى ملامح وجهه فأرى فيها تراتيل عجوز وهي تنوح لفقد ولدها. كم من موجة سونامي تضربه في أعماق عواطفه ومشاعره؟! ولكنه يتعزى بأنه سيجد من يتفهم تمرده وقصيدته.
في بيروت يختلفون ويأتلفون هؤلاء الزملاء لأنهم من مختلف البلاد، ومنهم من هم من بلاد ما بين النهرين؛ أجل، يعرف بعضاً منهم...
سركون بولص ومجلة شعر تحقق له الحلم، وبدأ يصعد في مدارج ملكوت الإبهار، وراح سركون بولص يحطم الصياغات اللغوية والموروث الشعري ليبتني من أنقاضه برجاً سيتسع لكل عشاق القصيدة الحداثية.
بيروت تعج بكل أنواع المغريات، ولكن لابد أن نرسم أو نتلمس الجوانب النفسية والبيولوجية عن سركون؛ فقد كان برأي وجودياً إلى أقصى درجة ممكنة، ولم يكن مكيافلياً، حيث تراه يحتاج إلى كل ضرورات الحياة لكنه كان ولا يوم يطرحها أو يجعلك تحس بأنه يطلبها، عزيز النفس كريمها، مقتصد كل الاقتصاد في البوح عن مكنوناته، إلا أنه كان أكثر بوحاً للأنثى من الذكر.
وربما كي نرسم دروباً تؤدي إلى هذه الحقائق، فإننا نقول ما لمسناه ولم نكن مع جميع مراحل وحالات تجليه: وديع ذو سلوك رائع، له ضحكة هادئة ملونة بالحزن والأسى، ولكنه يبقى في الجانب البيولوجي شاباً أسمر الوجه، معقوف الأنف كصقر بازي، عيناه تتسعان لمساحات الخمور وأغاني الغانيات في برج بابل، وربما مثلهما مثل تلك الصبية الحزينة التي تغني ألماً على أطلال نينوى...
ولست أدري إن كنت على مقربة من الحقيقة إن قلت: إن عالمه العاطفي كان غامضاً ويتحاشى أن تلامس أطرافه...
وسركون بولص -كأسلافه الآشوريين والكلدانيين- يحب الصلاة قبل الفجر، حيث كان يرتدي مثلهم لباسه الأبيض ليؤدي صلواته أمام الزقورات لآلهة يراها هي وجوقاتها تعزف له مفردات القصيدة التي يكتبها... بعد أن يكون قد شرب الخمر وكأنه أحد الكهنة. فالقصيدة عند سركون بولص كانت محراباً ينثر من خلالها بخوره الذي كان ينسجها عباءات للعابرين بقصوره...
سركون بولص يصل إلى نهاية القصيدة، ثم يسأل: أية الجسور لم أصلها بعد؟
عناوين عديدة حاكها من دمه؛ لننتوقف عند بعضها ونلج عالم تلك العناوين:
الأطفال المسحورون والمدينة: حيث نجد سركون يؤكد أنه جاء من الريف البسيط الرائع الساحر، لكن سحر المدينة الكبيرة يُبهره.
جبل القديس: فأي الجبال عند سركون يمثل القدسية؟ هنا نؤكد على أنه راهب بالفطرة وهو قديس، ولكنه متمرد على طقوس آلهته، كما أننا نرى في الجبل الشموخ والأعالي التي تهواها النسور، ويحب سركون دوماً الأعالي ليبتني هناك عشه الأبدي في القصيدة.
أزعم أن سركون كانت تسكنه الآلهة، وراهب آشوري قديم كانت تجتمع حوله الشعراء والأدباء في كل تجمع حضره سركون، لكن وجوديته التي كان يعيشها كانت تحيّر الآخر. لقد تعمّد في نهارات جان بول سارتر وهو يحقق الصور الضوئية لكولن ولسن في ضياع في سوهو، وهو محمل بأغاني البيرتو مورافيا، لكنه أحياناً كان يميل إلى التقنيات الهيجلية في بناء القصيدة التي لم يُفصح عن كنهها.
فسركون كان يؤكد أن الزاوية القائمة لم تكن نتاج التقاء الخط الأفقي بالقائم، ولا الشروق بالغروب، ولا حتى كيف يجري أنه الفرات، بل كان يؤكد على حالة الألم والحنين، وربما في بعض عبثيته تجده يرسم لوحة المسافر العاشق الذي لابد أن يصل إلى الحرية المطلقة فكان يختار الألم. كما أن الزمن لم يكن يحتويه، بل كان يحول الزمن إلى وسيلة للعبور حيث الضفاف والمراعي والكلأ... فقد عاش سركون خارج أسوار الزمن حيث لم تكن للجاذبية ولا لنسبة أينشتاين ذلك التأثير في حياته، بل كان يعيش داخل الزمن الذي كان يبدعه. لكنه يجد أحياناً لا بد أن يتجول في الحديقة ويمر على عرافة أزمور، فهو يرى أن التواصل مع أسلافه الآشوريين تكون عنده إشكالية الحرف ونتاجاته الفكرية، فتراه يعجن خبزاً للحصادين في حقول جدته، وهو كالقابض على الجمر بيديه حيث لم يكن إلا لصنع اللحظة الزمنية التي كانت توصله إلى الضفة الأخرى، بحيث كان يتوحد مع الآخر من خلال العدمية المنبثقة عن اللغة التي لم تكن تتسع لطموح تمرده، وكينونة المستحيل كانت تعاني منه؛ حيث يؤكد لنا من خلال أغوار روحه أنه يتقمص شخصية البطل سركون، فتراه يهيم بالقلاع فيرى فيها العظمة والجبروت. وكم من قلعة أو برج انتصر فيها سركون بولص على أعدائه! لكن سقوط البرجين في مانهاتن كان بالنسبة لسركون الصدمة، إذ أدرك أن المقارنة بعيدة ولكنها كانت تعنيه، فأجداده العظماء أصحاب بلاد ما بين النهرين يُهزمون وإلى الأبد، لكنه كان يؤطر ذاك الوجع بحوار مع الآخر. ولكن سركون كان يتحين الفرصة للرد على سقوط العظمة البابلية الآشورية في القصيدة، حيث كان يبشر بآلام أمته الخالدة.
أما أن سركون بولص لا يرى أن هناك من جديد، فهذا ما تقوله قصيدته: (لا شيء منذ آدم). هو كلافوازيه: لا شيء يفنى ولا شيء جديد تحت الشمس، كما يقول صاحب الأمثال في التوراة.
بقي أن نقول في أول القراءات في قصائد سركون بولص الشاعر المسافر إلى الخلود: كان يمزج بين الحلم والحقيقة، وبين الواقع والمجهول، وكان يُجيد فن القصيدة المؤثرة، وكان الحاكم الذي استطاع أن نشر ثقافة الحب بين رعيته رغم اختلاف مذاهبهم وأجناسهم وأعراقهم ولغاتهم. من بلاد ما بين النهرين إلى سان فرانسيسكو، ترى سركون بولص.
وإلى لقاء...ألمانيا
23/1/2008
إسحق قومي
شاعر وأديب وباحث ومؤرخ سوري ألماني
وكتبت هذه الارتحالة وقراءاتي في سركون بولس أقول فيها:
سركون بولص؛ الشاعر الذي بشّر بآلام أمته في كل الجهات
رحلة ذاتية في أعماق الشاعر الراحل إلى الأبدية
أنا الشعر، ذلك السيد المطلق الذي يأخذك إلى عوالم تشبه الخرافات القديمة في نينوى الحزينة أو على أطلال بابل وخرائب آشور وأغاني الفرات العابث بجسد ما بين النهرين. وإذا كان أفلاطون قد صنّفني بأنني أرقى أنواع الفنون، فأنا ابق كالمهندس الذي يصمم مخططاً لبناء برج أو بناية تُدهش فيما بعد من يراها. هكذا تجليت في روح شاب آشوري متمرد من العراق.
هو متمرد بكل المقاييس، خرج من الحبانية ولم يعد بعد أن عاصرته آلهة الشعر هناك وعمّده الحزن إلى الأبد. وبعد تلك القرية التي طالما عاشها بكل ما كانت عليه، ينتقل مع أسرته إلى كركوك، وفي هذه المدينة الناشئة يريد أن يؤسس شخصيته قائلاً ( أنا سركون المحارب). ها هو ينتسب لجمعية الشعر، وكركوك تبدو أنها هي الأخرى لم تعد تكفي لطموحاته، ولم تعد تتسع فضاءات الشاعر أو حتى سهول نينوى؛ عاصمة ومجد أمته التي سيبشر بآلامها، فتراه يولّي شطره بغداد حيث فيها أمجاد العباسيين، ولكنه وكعادته يمتد كالضوء.
وهناك يُثبت عناوينه ومفرداته البكر حيث يتوحد مع القصيدة السيابية. وهنا لابدّ من القول: إن الأبجدية الشعرية عند الشاعر المسكون بالعشق والحزن كانت قد تكوّنت حيث الجد والاجتهاد، وأوسمة المطر تأتيه ثم يستيقظ نائماً ليرى أنه يحلم بأن يكون أميناً على القلوب. وهنا يتخذ من الرمزية وفنون البديع سبيلاً حيث تختفي ظلال ما يشاء أن يقوله علناً في جسد القصيدة الرمز.
تألق في بغداد ومحطة بيروت الشاعر الآشوري الشاب يتألق في بغداد، ولكن هناك من يُعيق دروب هذا المسكون بنور الآلهة التي تمنحه القدرة على تصدي الآخر الذي كان يقف عائقاً أمام تجربتي. وربما همست له تلك الآلهة لتنذره بأن بيروت هي المحطة التي سيتألق من خلال حدائقها واتساع صداها لكل تجارب المثقفين والشعراء والمضطهدين، فنراه يقصدها ولسنا ندري تماماً كم عاش الخوف والرعب والجوع
والعطش حتى وصلها الشاعر المهجّر الآشوري.
بيروت، تلك المرأة التي تحتضن جميع طموحات هذا الشاعر القادم إليها من بلاد ما بين النهرين. وهنا لابد أن يتذكر سركون بولص وجه أمه ووالده وإخوته وخاصة أمه، فقد افتقد ذاك الحنان وتلك الرعاية؛ فهو محاصر بصورها التي لا تفارقه ليل نهار. وها هي تريد إقناعه بأن لا يزعج والده النائم في أيام الصيف الحارة. ها هو صوتها يأتيه قائلة: (بسا بسا سركون بابي بابوخ دميخا.) وهذا القول لله كم سمعته يردده أمامي ونحن في غرفته بمدينة شبنكونك الألمانية حين كان يَعُبُّ بكأسات من الويسكي وكانت دموعه تنزل للآمانة، كان يقول: لقد كنت ولداً عاقاً.
فانظر إلى ملامح وجهه فأرى فيها تراتيل عجوز وهي تنوح لفقد ولدها. كم من موجة سونامي تضربه في أعماق عواطفه ومشاعره! ولكنه يتعزى بأنه سيجد من يتفهم تمرده وقصيدته.
بيروت ومدارج الإبهار
في بيروت يختلفون ويأتلفون هؤلاء الزملاء لأنهم من مختلف البلاد ومنهم من هم من بلاد ما بين النهرين؛ أجل، يعرف بعضاً منهم. سركون بولص ومجلة شعر تحقق له الحلم وبدأ يصعد في مدارج ملكوت الإبهار، وراح سركون بولص يحطم الصياغات اللغوية والموروث الشعري ليبتني من أنقاضه برجاً سيتسع لكل عشاق القصيدة الحداثية.
بيروت تعج بكل أنواع المغريات، ولكن لابد أن نرسم أو نتلمس الجوانب النفسية والبيولوجية عن سركون؛ فقد كان برأي وجودياً
إلى أقصى درجة ممكنة، ولم يكن مكيافلياً حيث تراه يحتاج إلى كل ضرورات الحياة لكنه كان ولا يوم يطرحها أو يجعلك تحس بأنه يطلبها، عزيز النفس كريمها، مقتصد كل الاقتصاد في البوح عن مكنوناته، إلا أنه كان أكثر بوحاً للأنثى من الذكر.
وربما كي نرسم دروباً تؤدي إلى هذه الحقائق، فإننا نقول ما لمسناه ولم نكن مع جميع مراحل والحالات تجليه: وديع ذو سلوك رائع، له ضحكة هادئة ملونة بالحزن والأسى، ولكنه يبقى في الجانب البيولوجي شاباً أسمر الوجه، معقوف الأنف كصقر بازي، عيناه تتسعان لمساحات الخمور وأغاني الغانيات في برج بابل، وربما مثلهما مثل تلك الصبية الحزينة التي تغني ألماً على أطلال نينوى.
الصلوات والزقورات والمحراب الشعري
ولست أدري إن كنت على مقربة من الحقيقة إن قلت: إن عالمه العاطفي كان غامضاً ويتحاشى أن تلامس أطرافه. وسركون بولص
كأسلافه الآشوريين والكلدانيين يحب الصلاة قبل الفجر، حيث كان يرتدي مثلهم لباسه الأبيض ليؤدي صلواته أمام الزقورات لآلهة يراها هي وجوقاتها تعزف له مفردات القصيدة التي يكتبها، بعد أن يكون قد شرب الخمر وكأنه أحد الكهنة. فالقصيدة عند سركون بولص كانت محراباً ينثر من خلالها بخوره الذي كان ينسجها عباءات للعابرين بقصوره.
سركون بولص يصل إلى نهاية القصيدة ثم يسأل: أية الجسور لم أصلها بعد؟ عناوين عديدة حاكها من دمه لنتوقف عند بعضها ونلج
عالم تلك العناوين.
الأطفال المسحورون والمدينة: حيث نجد سركون يؤكد أنه جاء من الريف البسيط الرائع الساحر، لكن سحر المدينة الكبيرة يُبهره.
جبل القديس: فأي الجبال عند سركون يمثل القدسية؟ هنا نؤكد على أنه راهب بالفطرة وهو قديس، ولكنه متمرد على طقوس آلهته،
كما أننا نرى في الجبل الشموخ والأعالي التي تهواها النسور، ويحب سركون دوماً الأعالي ليبتني هناك عشه الأبدي في القصيدة.
الوجودية والزمن والمستحيل
أزعم أن سركون كانت تسكنه الآلهة، وراهب آشوري قديم كانت تجتمع حوله الشعراء والأدباء في كل تجمع حضره سركون، لكن وجوديته التي كان يعيشها كانت تحيّر الآخر. لقد تعمّد في نهارات جان بول سارتر وهو يحقق الصور الضوئية لكولن ولسن في ضياع
في سوهو، وهو محمل بأغاني البيرتو مورافيا، لكنه أحياناً كان يميل إلى التقنيات الهيجلية في بناء القصيدة التي لم يُفصح عن كنهها.
فسركون كان يؤكد أن الزاوية القائمة لم تكن نتاج التقاء الخط الأفقي بالقائم، ولا الشروق بالغروب، ولا حتى كيف يجري أنه
الفرات، بل كان يؤكد على حالة الألم والحنين، وربما في بعض عبثيته تجده يرسم لوحة المسافر العاشق الذي لابد أن يصل إلى الحرية
المطلقة فكان يختار الألم. كما أن الزمن لم يكن يحتويه، بل كان يحول الزمن إلى وسيلة للعبور حيث الضفاف والمراعي والكلأ. فقد
عاش سركون خارج أسوار الزمن حيث لم تكن للجاذبية ولا لنسبة أينشتاين ذلك التأثير في حياته، بل كان يعيش داخل الزمن الذي كان
يبدعه. لكنه يجد أحياناً لا بد أن يتجول في الحديقة ويمر على عرافة أزمور، فهو يرى أن التواصل مع أسلافه الآشوريين تكون عنده
إشكالية الحرف ونتاجاته الفكرية، فتراه يعجن خبزاً للحصادين في حقول جدته، وهو كالقابض على الجمر بيديه حيث لم يكن إلا لصنع
اللحظة الزمنية التي كانت توصله إلى الضفة الأخرى، بحيث كان يتوحد مع الآخر من خلال العدمية المنبثقة عن اللغة التي لم تكن تتسع لطموح تمرده، وكينونة المستحيل كانت تعاني منه؛ حيث يؤكد لنا من خلال أغوار روحه أنه يتقمص شخصية البطل سركون، فتراه يهيم بالقلاع فيرى فيها العظمة والجبروت. وكم من قلعة أو برج انتصر فيها سركون بولص على أعدائه! لكن سقوط البرجين في مانهاتن كان
بالنسبة لسركون الصدمة، إذ أدرك أن المقارنة بعيدة ولكنها كانت تعنيه، فأجداده العظماء أصحاب بلاد ما بين النهرين يُهزمون وإلى الأبد، لكنه كان يؤطر ذاك الوجع بحوار مع الآخر. ولكن سركون كان يتحين الفرصة للرد على سقوط العظمة البابلية الآشورية في القصيدة، حيث كان يبشر بآلام أمته الخالدة.
أما أن سركون بولص لا يرى أن هناك من جديد، فهذا ما تقوله قصيدته: لا شيء منذ آدم. هو كلافوازيه: لا شيء يفنى ولا شيء جديد تحت الشمس، كما يقول صاحب الأمثال في التوراة.
خاتمة قراءاتي

بقي أن نقول في أول القراءات في قصائد سركون بولص الشاعر المسافر إلى الخلود: كان يمزج بين الحلم والحقيقة وبين الواقع والمجهول، وكان يُجيد فن القصيدة المؤثرة، وكان الحاكم الذي استطاع أن ينشر ثقافة الحب بين رعيته رغم اختلاف مذاهبهم وأجناسهم
وأعراقهم ولغاتهم. من بلاد ما بين النهرين إلى سان فرانسيسكو، ترى سركون بولص.
وإلى لقاء...
إسحق قومي
كيف تعرفت إلى سركون بولس؟
للصدفة مررت مع الأخ جميل يونان بمدينة شبنكنك في ولاية نوردراين فستفالن، وتوقفنا عند إحدى محطات الوقود، فقال لي: أستاذ إسحق، سأعرفك على شاعر آشوري هو من العراق اسمه سركون بولص. توقفت قليلاً وقلت: سركون بولص ألعلك تقصد الفنان التشكيلي من الحسكة أخي الصديق نويا بولص؟. قال: لا لا هذا من الحبانية.
وبعد ربع ساعة كنا عند بيت المبدعين، وندخل غرفته، وإذا به يرحب بنا وأي ترحيب بالأشورية والعربية، خاصة عندما قال له أبا آشور جميل يونان: أتيت لك بأستاذ إسحق وهو شاعر وكاتب. وعندها جلسنا، وكان حرجاً بأي شيء يقدم لنا الشاي؛ إن الكاسات كانت فوارغ العسل وشربنا الشاي ونحن نضحك، وانتهى اللقاء بأنه دعاني إلى تلك الغرفة كل يوم سبت. وهكذا وعدته، ولم يمض أسبوع حتى تمكنت من شراء سيارة، وفعلاً كنت أذهب إليه ونقضي الليل سهرا وشعرا وكتابة وحديثاً. وهكذا حتى مضى العام ونحن على هذا المنوال، إلا اللهم إذا مرض أحد منا.
وذات يوم، طلب مني أن أخذه لبيتنا ليأكل الثرود فهو يحبه، وهكذا كان الأمر، واختار من بين الكتب في مكتبتي كتاب الرها المدينة المقدسة، ثم طلب مني أن أخذه إلى بيته في شبنكنك التي تبعد عني أكثر من 36 كيلومتراً. ونحن في الطريق، قال لي: سأذهب إلى المغرب مشاركاً في مهرجان. فقلت له: لم تقل لي من قبل. قال بلهجته المعتادة: يا معود أشمدريني . فقلت له: حسناً، عندما تصعد إلى المنبر أول ما تقول، بالله عليك قل هذا. قال: عهداً سأقول. قلت: قل فيسقط الشعراء وأولهم أنا وآخِرُهم إسحق قومي. فضحك ضحكاً كاد أن يغيب عن الوعي، وقال جملته التي يقولها العراقيون لا أريد أن أذكرها هنا، وأردف قائلاً: قل لي كيف تبدع هذه الأفكار. ووصلنا غرفته، وودعته على أمل أن يخبرني عندما يعود، ولكن سركون غاب وطال غيابه، وعندما ذهبت أتفقده قالوا لي إنه رحل من هنا.
لم أعلم به إلا بعد اتصال جاءني من خالد المعالي الذي يعيش في مدينة كولن، يقول لي: احضر يا شاعرنا، هناك شاعر يريدك. سألته: من هو؟. قال: تعال وستعرف. فقلت له: والله سآتي، لكن من هو؟. قال: سركون بولص. فأخذ الهاتف الأرضي من خالد وقال لي: تعال تعال يا معود تعال. ذهبت ووصلنا، وقضينا باقي النهار والليل ونحن نسهر على حكايات كركوك وبغداد وبيروت وبعض أصدقاء سركون وخالد المعالي. وأعود إلى بيتي، ويغيب سركون في زحمة برلين حيث يعود إليها.
وذات يوم أراه على التلفاز، وإذا سركون هزيل مريض، وما هي إلا أيام ويأتيني نبأ وفاة سركون. وعندها قرر نادي بابل الآشوري واتحاد الكتاب العراقيين في ستوكهولم أن يقيموا مهرجاناً تأبينياً للشاعر الصديق الراحل سركون، وتم توجيه دعوة إلي فغادرت مدينتي متوجهاً إلى ستوكهولم. وهكذا شاركت في ذاك المهرجان، وتعرفت إلى العديد من الشعراء والأدباء، وأخصهم الأب الشاعر يوسف سعيد، والكاتب التشكيلي صبري يوسف، والفنان التشكيلي كابي سارة، والشاعر يعقوب الفراتي، والطالب المسرحي العالمي وديع عمسيح، وتعرفت إلى أمير وملك الأغنية السريانية حبيب موسى، والصديقة مادلين منيرجي وكنت قد تعرفت إلى الفنان حبيب موسى في نيوجرسي حيث قدمته على مسرح صالة كنيسة السريان بهاكنساك. ولكن هذه المرة نجلس ونسهر في بيت الأخ الأديب التشكيلي صبري يوسف.
هكذا كانت نهاية فصول تعرفي على سركون بولص، وكتبت عنه نصوصاً عديدة نشرها صاحب مجلة كيكا الأخ صموئيل شمعون وفي مواقع لا تعد. سركون بولص لم أستثنه في لقاءاتي مع تلفزيون سورويو وتلفزيون عشتار وأنا بالسويد أيضاً؛ ذكرته وألقيت قصائد عنه. هذه لمحة موجزة ليتعرف القارئ الكريم على أن ما كتبته عن سركون ليس من الخيال، بل واقعاً عشته مع هذا المزنر بنار الآلهة؛ إنه سركون بولص.
إسحق قومي
22/8/2026م



#اسحق_قومي (هاشتاغ)       Ishak_Alkomi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بمناسبة الاحتفال بمرور مئة عام على بناء مدينة القامشلي
- عشتار الفصول: 11900 الشخصية غير المتزنة: قراءة سيكولوجية في ...
- بين حتميةِ التمازجِ البشريِّ وتحدياتِ الغدِ الأصلُ الآشوريُّ ...
- سوسيولوجيا التحامقِ في العصرِ العباسيِّ: الأقنعةُ الاجتماعية ...
- الذاتُ الإبداعيّةُ والأثرُ: جدليّةُ الرحمِ والوجودِ المستقلّ ...
- قَصيدة بعنوان:سَقَطَ المِقْنَعُ أَمَامَ حُقُوقِكُمْ..
- اتجاهات المدارس الفلسفية القديمة ومؤسسيها بين المرجعية الشرق ...
- الأنطولوجيا (Ontology) المادةُ والفضاءُ من شتاتلون إلى الحوك ...
- الحركاتُ السريةُ في الثقافاتِ الشرقيةِ: دراسةٌ تفكيكيةٌ لتار ...
- الشرق الأوسط والتغيرات الجيوسياسية
- المستقبل القريب للعالم والشرق الأوسط أنموذجاً
- خيانةُ المثقفينَ: منْ قيادةِ الوعيِ إلى تبريرِ العبثيةِ والع ...
- مِلْءُ الزَّمَنِ فِي مُوَاجَهَةِ الْأُسْطُورَةِ: يَسُوعُ الن ...
- عندما تُهزم واشنطن وتل أبيب عند أبواب طهران: السياسة الخارجي ...
- يوميات عامل في مقهى
- المسيحيونَ العربُ: الجذورُ التاريخيةُّ، الخارطةُ القبائليةُّ ...
- الرها المدينةُ المقدسةُ: عراقةُ الموقعِ، وتحولاتُ التاريخِ، ...
- هل حان زمن حضانة سقوط الإمبراطورية الأمريكية والغرب ؟
- تفكيكُ السورثِ
- إرثُ الأجدادِ في بلادِ الغربِ: حينَ تصبحُ الجذورُ قيداً لا و ...


المزيد.....




- كاتب إيطالي يعتزم كتابة رواية عن تولستوي
- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسحق قومي - قراءات في بعض قصائد الشاعر سركون بولس الراحل إلى الأبدية