أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 20:28
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
هناك فرق كبير بين أن تكون صحفيًا يلاحق الخبر، وأن تكون صحفيًا يصنع الذاكرة. الخبر يعيش يومًا أو أسبوعًا، وربما يملأ عناوين الصحف، ثم يأتي خبر آخر فيزيحه من المشهد. أما التوثيق، فهو يمنح الحدث عمرًا أطول من عمره، ويجعله قابلًا للفهم بعد سنوات وربما بعد عقود.
عندما بدأت العمل في الصحافة، كنت أظن أن مهمتنا تنتهي عند نشر الخبر بأسرع وقت ممكن. لكن مع مرور السنوات أدركت أن كثيرًا من الأخبار التي كتبناها اختفت من ذاكرة الناس، ليس لأنها لم تكن مهمة، بل لأنها لم تتحول إلى وثائق تحفظ سياقها وتفاصيلها وشهادات أصحابها.
الصحافة اليومية تكتب المسودة الأولى للتاريخ، لكنها ليست التاريخ نفسه. فإذا اكتفى الصحفي بنقل التصريحات والأرقام، فقد أدى جزءًا من مهمته، لكنه ترك الجزء الآخر معلقًا. فالحدث لا يكتمل إلا إذا وُضع في سياقه، وربط بما سبقه وما ترتب عليه، وحُفظ بطريقة تتيح للباحثين العودة إليه.
ولعل أكبر خسارة نعانيها في السودان أن كثيرًا من صحفنا لم تُؤرشف كما ينبغي، وكثيرًا من الصحفيين رحلوا ومعهم دفاترهم وملاحظاتهم وصورهم ومراسلاتهم. لم يكن ما ضاع مجرد أوراق، بل أجزاء من الذاكرة الوطنية.
لهذا أرى أن الصحفي ينبغي أن يحمل دفترين لا دفترًا واحدًا. الأول يكتب فيه ما يصلح للنشر اليوم، والثاني يدون فيه ما قد يحتاجه الباحث بعد عشرين عامًا. قد تبدو بعض التفاصيل اليوم عادية، لكنها قد تصبح غدًا مفتاحًا لفهم مرحلة كاملة.
لقد تعلمت من تجربة الكتابة التوثيقية أن أفضل الصحفيين ليس من يسبق الآخرين إلى نشر الخبر، بل من يترك وراءه أرشيفًا يستطيع الآخرون أن يبنوا عليه. فالصحفي الذي يغادر الدنيا ولا يترك إلا قصاصات متناثرة، يغيب مرتين: مرة حين يرحل، ومرة حين تضيع ذاكرته.
ولعلنا بحاجة إلى إعادة تعريف الصحافة نفسها. فهي ليست مهنة لنقل ما يحدث فحسب، بل مسؤولية لحفظ ما يستحق أن يبقى. وإذا كانت الصحافة هي المسودة الأولى للتاريخ، فإن التوثيق هو النسخة التي تقرؤها الأجيال القادمة. ومن هنا، فإن الصحفي الذي لا يوثق، لا يكتب نصف الحقيقة فحسب، بل يترك نصفها الآخر عرضة للنسيان.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟