أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها














المزيد.....

-فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 11:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
"فتاة المترو" ليست تراجي-كوميديي كاملة، ولا "كوميديا سوداء" كاملة، بل تقفُ على الخطّ المتأرجح بينهما، فيما يمكن أن نسميه" "الكوميديا المُرّة" (Bitter Comedy). ذلك المزاج الفني الذي يجعلك تضحك، لكن ضحكتك لا تنجو من وخز الألم. فالضحكة مشوبةٌ بخيبة الرجاء، وفجيعة الفقد، وتداعي الذاكرة، وما يتركه الترمّلُ من صدوع في الروح. تلك المرارات تظلُّ تعمل طوال العرض تحت سطح المواقف الكوميدية. الكوميديا لا تواجه الوجع، بل تنبت منه؛ وكلما ازداد المرحُ، توغلّت مرارةٌ عالقةٌ في الحلق.
عرض مسرحي مدهش، نتاج ورش "المهرجان القومي للمسرح المصري"، برئاسة الفنان "محمد رياض"، وإدارة الفنان "عادل عبده". أخرجه مجموعة من الشباب، قاد كتيبتَهم المخرج "محسن رزق"، عن نصّ "هاني قدري"، الفائز بالمركز الأول في مسابقة التأليف بالدورة 16. نحن أمام عرض مسرحي مكتمل البناء، شفيف الروح، يعرف ماذا يريد أن يقول وكيف يقوله.
العرض يقدم مأساةً إنسانية عن الذاكرة التي تتآكل بسبب الفقد، لكنه خلال الفاجعة، يرتكب معجزة مراوغة: جعلنا نضحك حين ينبغي أن نبكي. لكنه الضحك المرّ الذي يُطلُّ من النسيج الإنساني المعقّد للنفس البشرية، حيث تختلط الابتسامة بشهقة الوجع وشرقة الدموع. تضحك لتقاوم وجعًا غير محتمل. وتلك واحدة من أجمل تقنيات المسرح، وأصعبها، حين يقدم الفواجع بخفة ظل، دون أن تفقد الفاجعة قسوتها.
ما الذي يبقى للإنسان حين تبدأ ذاكرته في الانسحاب؟ وهل بوسع المسرح أن يصبح ذاكرةً بديلة حين تعجز الذاكرة الطبيعية عن أداء وظيفتها؟ تلك بعضُ الأسئلة طرحتها المسرحية من مشهد يبدأ بسيطًا لكهل يجلس في محطة المترو يطالع الجرائد، ثم تتشابك الأحداث في سُلَّم التعقيد المتصاعد حتى يلتبسُ عليكَ المكانُ والزمانُ والأحداثُ والشخصياتُ؛ فلا تعرف أواقعٌ هذا أم خيال، وهل الأبطال في شبابهم أم في شيخوختهم، وهل هم أحياء يرقصون على المسرح، أم غيّبهم الموتُ منذ عقود، وهل الأحداثُ هي المسرحية التي تشاهدها، أم مسرحية داخل مسرحية، فيما نسميه: "المسرح داخل المسرح"، وهي واحدة من أقدم وأخطر ألعاب المسرح، توسّلها "شكسبير" في "هاملت" حين مثّل جريمةَ قتل أبيه أمام عمه ليغدو المسرح أداة لاختبار الحقيقة وكشفها. وكذلك "بيرانديللو" في "ست شخصيات تبحث عن مؤلف"، حيث يقتحم الخشبةَ ستةُ شخوصٍ، زاعمين أن مؤلفهم تركهم معلّقين دون أن يُكمل حكايتهم.
بطل العرض هو الدكتور "مراد المراغي"، الأستاذ الجامعي والمؤلف المسرحي المعروف، الذي أدّى دوره بعبقرية الفنان “عزت زين”، وفي شبابه “رجائي رمزي”. رجل شهير يعرفه الناس، لكنه بدأ ينسى نفسه ويبحث في الأوراق عن خيوط تقوده إلى حياته. يلتقي بالشابة "أشرقت"، أدت دورها الجميلة "سندس عرفة"، ومع الأحداث نكتشف أنها ابنته، وتلميذته التي تسلّمه نص مسرحية كتبها والدها عن حياته، وتدعوه للعرض، علّه يتذكر حياته التي نسيها. يشاهد العرضَ فيتعرف على الشخصيات والأماكن والأحداث، ثم يبدأ في التعافي حين يعترض على خروج أحدهم عن نص الدور المكتوب له. وهنا المفارقة المدهشة: الرجل الذي نسى حياته، يتذكر النص الذي كتب حياته. وهكذا يصبح المؤلفُ شخصيةً داخل النص الذي كتبه. وتبدأ اللعبة الملغزة التي كُتبت باقتدار، وأخرجت بحِرفية عالية، وأدّاها بإتقان مجموعة من المواهب الشابة الواعدة، كان درّة عقدهم الفنان القدير "عزّت زين"، صاحب التاريخ الفني الراسخ، الذي يُحسب له الوقوف إلى جوار مجموعة من الوجوه الجديدة التي تخطو خطواتها الأولى في المسرح، وأن يشاركهم تجربة ورشة تمثيل، امتدت خمسة أشهر من البروفات المتواصلة.
والشاهدُ أن جميع تقنيات العرض كانت أبطالا حقيقيين. السينوغرافيا المدهشة التي قدّمها "مريم هشام" و"يوسف الصوفي" لم تكن محض إطار بصري للعرض، وإنما جزء من لغته وأداة إبهاره وصدقه، أدخلتنا في قلب البناء الحي للأحداث بكامل مفرداته المعمارية. وكذلك الدراما الحركية التي صممتها "خلود سامح"، وأشعار "عبد الله حسن"، موسيقى "شريف حمدان". هذا العمل يستحق أن ينال لقب: المسرحُ في تمامه.
تحية خاصة لجميع الوجوه الشابة التي امتلكت شجاعة الوقوف على الخشبة لأول مرة، أمام فنان راسخ، وخاضت تجربة المسرح من بابها الأصعب: التدريب الطويل، والانضباط، وهارمونية العمل الجماعي. الإخراج المتقن، والموهبة، وشهور من البروفات الجادة، أنتجت لنا عرضًا حقيقيًّا يستحق أن يُشاهد، ويجول في جميع مسارح مصر، من شمالها إلى جنوبها، بل يستحق أن يكون أحد سفراء المسرح المصري في الدول العربية. أثبت أولئك الشباب، أن الموهبة حين تجد من يصقلها ومن يدعمها ويساندها ويؤمن بها، يمكن أن تتحول من وعدٍ جميل إلى فنٍّ حقيقي.
مقام السؤال:
حين تنسى الذاكرةُ صاحبَها، ويتذكّر النصُّ كاتبَه، أيهما يكون الحقيقة الأخيرة للإنسان: حياته التي عاشها، أم الحكاية التي تركها وراءه.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما
- انتصرت مصرُ… وغادرتْ
- لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها
- شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج
- مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة
- 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع
- الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء
- الاختلافُ… وفنُّ بناء الجسور (3)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (2)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (1)
- في مقام : -علي الحجار-
- ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!
- علمانيون… حين تموتُ الثقافةُ كمدًا!
- الأضحى… أكبرُ من الخوف


المزيد.....




- 100 مستوطن يقتحمون المسجد الأقصى
- الإسلامية المسيحية تدين قرار سلطات الاحتلال إبعاد المفتي عن ...
- أرسل أسرته إلى -الجنة- ثم انتحر!
- عبدول في مرمى الجمهوريين.. هل تتحول هويته الإسلامية إلى معرك ...
- سلطات الاحتلال تمدد إبعاد مفتي القدس عن المسجد الأقصى لستة أ ...
- سوريا.. تكبيرات في المساجد واحتفالات بحكم إعدام بشار الأسد و ...
- زلزال مميت في كولومبيا يضرب مانيزاليس ويلحق أضرارا بالكاتدرا ...
- الجيش الليبي: مدير إدارة الاستخبارات العسكرية اُغتيل بعبوة ن ...
- كنائس فلسطين: اعتداءات إسرائيل على المسيحيين يهدد وجودهم
- رفات يهود مقابل أسرى لبنانيين؟ طرح إسرائيلي جديد يدخل المفاو ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها