صلاح کرميان
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 01:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يشكل العراق ساحة معقدة لتداخل النفوذ الاجنبي منذ اسقاط النظام الديكتاتوري عام 2003، حيث وتحول الى ساحة تنافس تتقاطع فيه المصالح الامريكية والايرانية على نحو يثير جدلًا کبيرا حول طبيعة هذا التدخل: هل هو انتداب بصيغة معاصرة، ام وصاية غير معلنة ؟ ان استدعاء مفاهيم الانتداب والوصاية هو محاولة لفهم اليات السيطرة في سياق ما بعد الاحتلال، حيث تتوزع ادوات النفوذ بين القوة العسكرية والمؤسسات الرسمية من جهة، وبين الشبكات الاجتماعية والدينية والاقتصادية من جهة اخرى. تكتسب هذه الاشكالية اهميتها من انعكاساتها المباشرة على السيادة الوطنية، وعلى شرعية النظام السياسي، وعلى هوية العراقيين الذين يجدون انفسهم بين نفوذين متصارعين. ومن هنا، نحاول تحليل مظاهر الهيمنة الامريكية والايرانية في العراق، ومقارنتها بمفاهيم الانتداب والوصاية، للكشف عن طبيعة المرحلة الراهنة وحدودها التاريخية والسياسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل العراق تحت انتداب جديد ام وصاية متعددة مزدوجة؟ والاجابة تكشف عن مازق السيادة في زمن هيمنة القوی الفاعلة.
مظاهر النفوذ الأمريكي في العراق:
لم يقتصر الوجود الامريكي في العراق على الاحتلال العسكري، بل امتد الى التدخل في القرار السياسي والاقتصادي. ورغم ان العراق ليس تحت انتداب رسمي، ولا تحت وصاية دولیة، الا ان تعيين توم باراك مبعوثا خاصا الی العراق يعكس منطق الانتداب، کون الملف العراقي يدار عبر ممثل مباشر للرئيس الامريكي، يتجاوز الدور الدبلوماسي التقليدي. اضافة الى ذلك، فان العقود الاقتصادية الضخمة، واعادة هيكلة الجيش والاجهزة الامنية، تمثل ادوات واضحة للسيطرة على الدولة.
اصبحت للولايات المتحدة الامريكية هيمنة واسعة على العراق من جميع النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية والامنية. وبالرغم من الانسحاب الجزئي لقواتها العسكرية فانها ما زالت تمتلك تاثيرات واسعة على قضايا المالية والامنية وحتى العلاقات الدولية. حيث تستغل الولايات المتحدة وضع العراق كدولة تسعى الى التنمية والازدهار للوصول الى مصافي الدول المتقدمة والى الحفاظ على توازن علاقاتها الدولية.
وتتمثل مظاهر الهيمنة الامريكية في العراق منذ اسقاط النظام الديكتاتوري عام 2003 في مايلي:
:: التدخل السياسي في شؤون العراق، التواجد العسكري المستمر عبر انتشار القواعد العسكرية وتنفيذ الغارات الجوية ضد خلايا الارهاب، ووجود مستشارين عسكريين في قواعد استراتيجية، والاشراف على تدريب وتجهيز القوات المسلحة العراقية.
:: استخدام القوات الامريكية لمنظومات رادار ودفاع جوي متطورة داخل الاجواء العراقية، مما يمنحها قدرة تفوق تكتيكية على مراقبة وتوجيه الحركة الجوية العسكرية فوق مناطق حيوية في العراق.
:: تفرض الولايات المتحدة الامريكية واقعا امنيا يجبر اصحاب القرار في العراق على الحذر الشديد وعدم تجاوز الخطوط الامريكية المحددة، بسبب قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية ضد قيادات وشخصيات التي تستهدف مصالحها داخل الاراضي العراقية.
:: استخدام الادارة الامريكية التكنولوجيا العسكرية كسلاح يضمن بقاء العراق ضمن فلكها، وخاصة في اعتماد المقاتلات وطائرات الاستطلاع والمروحيات الامريكية في الجيش العراقي بشكل كلي على شركات الدفاع الامريكية، لوجستيا وفي مجالات الصيانة وقطع الغيار.
:: ادارة نفوذ سياسي واسع عبر المبعوث الخاص للرئيس الامريكي الى العراق وانِشاء اكبر سفارة امريكية في العالم ببغداد واكبر قنصلية امريكية في اربيل، حيث تقوم السفارة الامريكية بالتدخل الدبلوماسي المستمر في صياغة التفاهمات بين القوى السياسية وفي مسارات العملية السياسية وتسمية الرئاسات والوزارات عقب الانتخابات البرلمانية او في حالة استقالة الحكومة، مثلما حصل في التشكيل الوزراي مؤخرا، في فرض الفيتو ضد احد زعماء الكتل السياسية وترجيح الاخر.
:: السيطرة الاقتصادية والمالية عن طريق استخدام الالية التي انشات في اعقاب غزو الکويت لادارة حماية عائدات النفط العراقي من الدعاوى والخصومات المرتبطة بفترات حكم النظام الدكتاتوري، والتي تمنح الادارة الامريكية بموجبها السيطرة الكاملة في مراقبة وتوجيه التدفقات المالية للعراق. حيث ان عائدات كل برميل نفط يبيعه العراق تذهب مباشرة الى حساب في بنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي بنيويورك. وتخضع المصارف العراقية الى رقابة ِشديدة من قبل وزارة الخزانة الامريكية بهدف مكافحة تهريب الاموال لجهات خاضعة للعقوبات مثل ايران، وباستطاعتها اخراج اي مصرف عراقي من النظام المالي العالمي. كما وتستخدم كاداة للضغط السياسي ولفرض شروط للتاثيرعلى قدرات الحكومة العراقية على تمويل الاستيرادات او دفع الرواتب والاجور.
:: ابرام اتفاقات ضخمة مع شركات امريكية في قطاعات الصناعة والطاقة والنفط والتكنولوجيا والصحة وغيرها، كحصيلة التقاء الاهداف والمصالح التنموية العراقية مع الضغوط السياسية الامريكية ومن خلال السيطرة على قطاعات الطاقة والاستثمار.
مظاهر النفوذ الإيراني في العراق:
يختلف النفوذ الايراني عن النفوذ الامريكي في العراق حسب طبيعة الاليات ومصادر قوتها. فالولايات المتحدة تفرض سيطرتها ليس فقط عن طريق التواجد العسكري، بل عبر الامور المالية والنظام المصرفي الدولي والتكنولوجيا، بينما تعتمد ايران على النفوذ المذهبي والسياسي والعسكري والامتداد الجغرافي والامني .
:: اعتمدت ايران على ادوات مختلفة اقرب الى الوصاية غير الرسمية، من أهمها الاشراف المباشر علی الفصائل المسلحة المنضوية ضمن الحشد الشعبي وعبرالنفوذ الديني والثقافي، حيث تمكنت من فرض حضورها في المجتمع العراقي بصورة لافتة.
:: تتدخل ايران في تشكيل الحكومات والتحالفات البرلمانية يعكس وصاية سياسية غیر معلنة على القرار الوطني، وان كانت اقل رسمية من النموذج الامريكي.
:: مدت ايران نفوذها في العراق بعد الاحتلال الامريكي في 9 نيسان/ ابريل 2003. فيما ازداد تدخلها بعد الازمة الامنية التي شهدها العراق منذ مطلع عام 2014، وبالاخص بعد استيلاء تنظيم الدولة في العراق وبلاد الشام ”داعش” على عدد من المحافظات العراقية، وذلك تحت ذريعة حماية الاماكن والمزارات الدينية الشيعية والزوار الايرانيين الوافدين الي العراق.
:: لعبت ايران دورا کبيرا في نتائج الانتخابات المختلفة من خلال دعم مرشحيها المفضلين، وتقديم المشورة لهم، وتشجيع حلفائها على خوض الانتخابات تحت قائمة موحدة لمنع تقسيم اصوات ناخبيهم.
:: دأبت ايران علی الهيمنة على الاسواق العراقية، واغراقها بالبضائع والسلع الايرانية والتركيز على الجوانب الاستهلاكية لا الانتاجية بهدف احتكار منافذ الانتاج لايران دون العراق.
:: ايران تسعی الی التحكم فى المرجعات الدينية – الشيعية في العراق، وتحجيم تاثير المرجعيات التي ليس لها التوجه الايراني، او التي لا تعترف بمبدا ولاية الفقيه.
:: تسيطر ايران على العشرات من وسائل الاعلام والقنوات الفضائية العراقية، وتهدف من خلالها الى التاثير على الراي العام في العراق والافكار والتوجهات لصالحها، وتروج وسائل الاعلام تلك للرؤى الايرانية فيما يخص الشان العراقي، او التطورات والاحداث التي تشهدها المنطقة.
جدلية الانتداب والوصاية
من المعلوم ان نظام الانتداب ظهر بعد الحرب العالمية الاولى تحت اشراف عصبة الامم كنظام دولي لتولي ادارة بعض الاقاليم من قبل دولة كبرى بحجة مساعدتها في السير نحو التقدم والاستقلال و كمرحلة مؤقتة غالبا و بينما كان الغرض منه بالاساس اضفاء صيغة قانونية للاستعمار المقنع.
فيما كان نظام الوصاية الذي اقرته الامم المتحدة ليحل محل الانتداب فهو مفهوم اوسع واقرب الى فكرة السيطرة او الاشراف السياسي والاقتصادي على الدولة الخاضعة لنظام الوصاية. لربما تمارس الوصاية بصورة رسمية او غير رسمية، وان استمرت الوصاية لمدة طويلة ستتحول بصورة عملية الى التبعية او فرض الارادة على تلك الدولة.
فمن الناحية القانونية، لايجوز فرض الوصاية على دولة او اقليم خلافا لميثاق الامم المتحدة. لذا تلجا القوى الكبرى الى خلق سيناريوهات وايجاد مبررات للتدخل في شؤون الدول الاخرى بصورة غير مشروعة وفق لمطامعها ومصالحها، مثلما حصل في فينزويلا وما حصل ويحصل في العراق منذ اسقاط الدكتاتورية.على الرغم من ان هيمنة كل من ايران والولايات المتحدة الامريكية من الناحية القانونية ليست بانتداب او وصاية.
لم يعد العراق يمتلك سيادة كاملة على قراره السياسي والأمني بعد انهيار النظام الديکتاتوري، بل اصبح ساحة تتقاطع فيها المصالح الامريکية والإيرانية حيث تتنازعان النفوذ وتقومان بدور اوصياء على مستقبل الدولة.
ويمكن القول ان النفوذ الامريكي يحمل سمات الانتداب الذي عرفته المنطقة في بدايات القرن العشرين بسبب طابعه المؤسسي والرسمي، بينما النفوذ الايراني اقرب الى الوصاية عبر شبكات اجتماعية ودينية. ومع ذلك، فانا العراق يعيش وضعا مركبا يجمع بين ملامح الانتداب والوصاية في صورة هيمنة امريکية ايرانية مزدوجة.
المعروف لدى الجميع كان بول بريمر رئيس سلطة التحالف المؤقتة هو الحاكم العام للعراق بعد احتلال العراق واسقاط النظام الدكتاتوري من قبل قوات التحالف بقیادة الولايات المتحدة ، وكانت له صلاحيات مطلقة توازي تماما مع صلاحيات "المندوب السامي" في فترات الانتداب الاستعماري، فهو الذي امر بحل الجيش العراقي، واصدر قانون اجتثاث البعث، وقوانين عديدة اخرى.
اما مبعوث الرئيس الامريكي توم باراك، فعلى الرغم من كونه لا يمتلك اي سلطة سيادية او قانونية، لكن سلطته تنبع من كونه ممثلا للرئيس الامريكي. ويتصرف وكانه يملك حق الفيتو على الاسماء المرشحة لرئاسة الوزراء او صياغة التحالفات، تسلب المؤسسات الوطنية والدستورية قدرتها على اتخاذ قرار مستقل. حيث يستخدم ادوات متنوعة كالتهديد بالعقوبات، او قطع المساعدات الاقتصادية، او حجب الاعتراف الدبلوماسي لارغام الاطراف المحلية على الخضوع لسياساتها.
رغم ان وجود المبعوث لا ياخذ شكلا قانونيا کالانتداب، الا انه من الناحية السياسية يمثل شكلا من اشكال الهيمنة والتجاوزعلی السيادة.
يتضح من مظاهر النفوذ الامريكي والايراني في العراق ان مفاهيم الانتداب والوصاية لا تناسب الواقع الراهن بشکل دقيق. الا ان الانتداب يجد انعكاساته في الوجود العسكري والسياسي الامريكي، بينما الوصاية، بما تتسم به من تدخل غير معلن عبر شبكات اجتماعية ودينية واقتصادية، تتجلى في النفوذ الايراني. ومع ذلك، فان العراق لا يعيش حالةً منفردة يمكن اختزالها في الانتداب او الوصایة، بل يواجه وضعا مركبا يجمع بين المفهومين، يكشف عن مازق السيادة والقرار الوطني في ظل الهيمنة الامريکية والإيرانية المتداخلة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟