بن حلمي حاليم
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 23:35
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
الدرس الأول:
اندلعت الاحتجاجات اول الامر ضد إهانة السلطات المحلية للمواطن محمد البوعزيزي البائع الجوال الذي دفعه مستوى الظلم والقهر والاستبداد الى تنفيذ عملية قاسية ومأساوية بحق ذاته، واحرقها في 17 ديسمبر /كانون الأول 2010 هنا بدأ الحدث التراجيدي لإنسان رفض الإهانة ودخل سلسلة العلاجات وبدأت اعلى سلطة تفتح قنوات الاتصالات. معه ومع عائلته واقربائه لإيجاد حل لإخماد لهيب الاحتجاجات.
في هذه الحالة والحدث المأساوي في ظل نظام شديد القمع وخانق الانفاس ومتحكم في كل اجهزة الدولة البوليسية التي طبقت السياسات النيوليبرالية بالقوة بالمنطقة المغاربية، وتسببت في انتشار الفقر المدقع والعطالة بصورة كبيرة في البلاد؛ كانت وسائل التواصل الاجتماعي التي خلقت فضاءات واسعة لتبادل النقاشات والمعلومات، وكانت مهمة لنشر وتقاسم صور ومشاهد واخبار الحدث المأساوي بمدينة سيدي بوزيد التي تقع بمنطقة معروفة بنمط الحياة الفلاحية.
بدأت الاحتجاجات محلية ضد الاعتداء على المواطن البوعزيزي الذي استشهد بسبب درجة الحروق، وتضامن معه واستنكارا للجريمة التي تسببت في المأساة، وهكذا تطورت الاحداث شيئا فشيئا، وتوسعت مساحة الاحتجاجات.
دور المنظمات والأحزاب والتيارات السياسية في مسار الأحداث
من الصعب انكار المهام الأساسية التي قامت بها الاحزاب والتيارات السياسية والفكرية بمختلف توجهاتها والمنظمات والجمعيات في تشبيك سلسلة الاحداث والاحتجاجات بمختلف الولايات والجهات، وقد قام الاتحاد العام التونسي للشغل بمهمة أساسية بذلك بمختلف القطاعات المهنية المنضوية تحت رايته وعلى جميع الأصعدة منها: فتح مقراته المحلية والجهوية، والوطنية وكذلك المهام التي نفذتها حركة أصحاب الشواهد بدون شغل، والفصائل الطلابية والتلاميذ والحركة النسائية.
هذا المد الجماهيري الواسع للشباب جعل كل مناورات نظام زين العابدين بن علي بدون قيمة ومفضوحة، وتأزمت الأوضاع وبدأت المواجهات بعدما ارادت الدولة وقف المد الثوري باستعمال العنف الشديد وكلما استشهد مواطن او مواطنة في ميدان المعارك الا وتأججت الاحتجاجات أكثر.
هنا بدأت المؤسسات تنكشف للجماهير بدقة وأصبحت الأحزاب والتيارات السياسية امام امتحان صعب ففتحت بعض الأحزاب والتيارات السياسية والمنظمات الاجتماعية والمراكز قنوات التواصل مع أجهزة الدولة الفعلية التي تمثل الأقلية الرأسمالية لإيجاد مخرج من الازمة بما فيها القيادة النقابية للاتحاد العام التونسي للشغل في عهد الأمين العام عبد السلام جراد وزمرته البيروقراطية.
الامر نفسه حصل مع الأحزاب البرجوازية بمختلف ايديولوجيتها بما فيها المتحدرة من الحزب الشيوعي التونسي منها: حركة التجديد بقيادة احمد إبراهيم الذي تزعم عام 2009 تحالف سياسي ضم كل من: حركة التجديد، والحزب الاشتراكي اليساري وحزب العمل الوطني الديمقراطي وترشح للانتخابات الرئاسية لمنافسة بن علي على رأس السلطة والحكم.
هذه السياسات سار عليها حزب متحدر من الحركة القومية العربية مع احمد نجيب الشابي المؤسس لحزب التجمع الاشتراكي التقدمي، وسيصبح الحزب الديمقراطي التقدمي عام 2001. السياسات نفسها سار عليها حزب متحدر من الحركة الدستورية التونسية الذي وظف شعار الاشتراكية في نشاطه، بقيادة مصطفى بن جعفر، أحد اهم مؤسسي حزب التكتل من اجل العمل والحريات.
بعدما نزلت القواعد النقابية واقسام من شبيبة الأحزاب الإصلاحية البرجوازية والتيارات السياسية المنتسبة للماركسية والحركة القومية بمختلف توجهاتها وحركة الإسلام السياسية المنتسبة لتنظيم الاخوان المسلمين الدولي بزعامة حركة النهضة بقياد الشيخ راشد الغنوشي الى الميادين وقد تشجعت كل هذه المجموعات بسبب عدم تدخل المؤسسة العسكرية ضد الجماهير باستعمال العنف، لكن الجيش نزل للميادين لمساعدة الشرطة ووزارة الداخلية بعدما تأكد من هزيمتها وعدم سيطرتها على الأوضاع وليس لمساعدة ثورة الأغلبية الساحقة من الكادحين والكادحات، بل لحماية الأقلية الرأسمالية.
ففي 14 يناير/ كانون الثاني 2011 هرب رئيس الجمهورية بن علي الى المملكة العربية السعودية رفقة اسرته وبعض من خدامه على أساس العودة بعد تصفية الأجواء وترتيب الأمور بدقة وعناية.
وفي 17 يناير/ كانون الثاني أي بعد ثلاثة أيام شكل محمد الغنوشي حكومة سياسية أطلق عليها" حكومة وحدة وطنية" وهي مناورة للالتفاف على المسار الثوري وخدع الجماهير الشعبية بإنجاز إصلاحات طفيفة والبقاء على دولة الأقلية الرأسمالية في الحكم والسيطرة على كل شيء.
هذه الحكومة شكلها شخص يعد من اهم خدام الرئيس بن علي خصوصا تطبيق السياسات النيوليبرالية، والتحق بحكومته عدد من الذين برزوا على المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والرياضي في تونس: فمن الاتحاد العام التونسي للشغل وتوزعت عليهم المناصب: الطيب البكوش، وزير التربية والتكوين. حسين الديماسي، وزير التكوين المهني والتشغيل. عبد الجليل البدوي وزير لدى الوزير الأول. أنور بن قدور منصب كاتب دولة لدى وزير النقل والتجهيز. ومن الأحزاب البرجوازية المنتسبة للحركة الحداثية كل من: احمد إبراهيم الأمين العام لحركة التجديد وزير التعليم العالي والبحث العلمي واحمد نجيب الشابي من حزب الديمقراطي التقدمي وزير التنمية الجهوية والمحلية. ومصطفى بن جعفر الأمين العام لحزب التكتل من اجل العمل والحريات وزير الصحة العمومية.
وقد منحت مناصب أساسية لكل من: محافظ البنك المركزي التونسي لمصطفى كمال النابلي الذي شغل عدة مناصب مهمة بنظام بن علي منها: رئاسة مجلس إدارة بورصة تونس عام 1988، وزير للتخطيط والتنمية الجهوية، عام 1990 ودارت حوله شبهات كثيرة اما منصب رئاسة اللجنة العليا للإصلاح السياسي شغلها عياض بن عاشور. ورئاسة اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات شغلها توفيق بودربالة. ورئاسة لجنة تقصي الحقائق عن الفساد والرشوة لعبد الفتاح بن عمر.
هكذا حاولت دولة الأقلية الرأسمالية خلق مشهد جديد للمرحلة بوجوه جديدة انتهازية تخشى الثورة مثل خشيتها للموت
ابداعات الثورة التونسية من الأسفل تزعزع التوافقات الانتهازية في الأعلى
رتبت الأقلية الرأسمالية وموظفوها المشهد على رأس السلطة، فؤاد المبزع محمد الغنوشي وعبد الله القلال وهؤلاء من زمرة الرئيس الهارب والمساهمين معه في إدارة الدولة وقمع الناس. وسرقة ثرواتهم.
ففي عمق المجتمع الذي زعزعته الثورة تأسست لجان شعبية بالأحياء السكنية لحماية الذات من الاعتداءات وتوفير الامن الشعبي للناس والتعاون الإنساني في ظروف ثورية بدأت تنهار فيها وزارة الداخلية وأجهزتها القمعية بدأ نشاط رابطات حماية الثورة مباشرة بعد هروب الرئيس بن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011. (1)
رفضا لهذه المناورة ولهذه الوجوه القبيحة التي ساهمت في جرائم نظام بن علي ضد التونسيين والتونسيات، نظم الشباب مسيرات شعبية في اتجاه العاصمة للضغط على الدولة وتتمة المسار الثوري حتى يتم تحقيق التغيير الجذري المنشود وفاء للشهداء والمعطوبين والجرحى في خضم احداث الثورة.
وصولا من كل الجهات الى العاصمة رغم جميع محاولات المنع والتصدي، من طرف أجهزة الردع بمختلف اصنافها وبالأخص الجيش الوطني وبعد التجمع الشعبي فتح النقاش الواسع الديمقراطي المباشر بين المشاركين والمشاركات، وتم الاتفاق على تنظيم الاعتصام الأول بالقصبة.
اختيرت ساحة القصبة لعدة اعتبارات، منها: قربها من قصر الحكومة، ومقر بلدية تونس العاصمة، هناك شهدت تونس أفضل لحظات المد الثوري على جميع المستويات النضالية والإنسانية والاحترام المتبادل والتضامن ضد نظام الحكم والسياسات المطبقة بالقوة على الشعب. والنقاشات الواسعة الديمقراطية وتوزيع المهام والإدارة التشاركية للمعتصم وتقسيم الوجبات والسجائر والافرشة بروح اخوية اخرجتها الثورة من اعتد القساة من أبناء المطحونين اجتماعيا، وقد ساهم سكان العاصمة بالدعم المادي والمعنوية للقادمين -ات من الجهات المحرومة لمدة عقود متتالية.
ورفع شعار " اسقاط حكومة الالتفاف على الثورة" وفعلا سقطت حكومة محمد الغنوشي تحت ضغط النضال الميداني من الأسفل الذي ساهم في استقالات عدد من الانتهازيين المنتسبين للقوة التقدمية والحركة النقابية، لكن بعضهم تشبث بالمنصب رغم قوة الاحتجاجات.
ورفع شعار " انتخاب مجلس وطني تأسيسي" من القاعدة الشعبية وساندته حركة النهضة المنتسبة للإخوان المسلمين وهكذا تجذرت القوى اليمينية الرجعية على اقسام من المنتسبين للتوجهات الحداثية من خلال هذا المطلب الديمقراطي الكلاسيكي.
وفي 27 يناير/كانون الثاني 2011 اجبرت النضالات الشعبية والاضرابات العامة والعصيان المدني واعتصام القصبة الأول الوزير محمد الغنوشي على تغيير حكومته مستعمل مناورات سياسية تكمن بإبدال وجوه فقط والبقاء على نهج بن علي، لكن هذه اللعبة الصبيانية لم تفلح مع الثوار الشباب المتعطش للتغيير الراديكالي ونسف النظام من جذوره العميقة فقد سخروا منها وأبدعوا نكت وحكايات عنها للمرح. وفي 3 مارس / اذار2011 أعلن الرئيس المؤقت فؤاد المبزع عن اقالة محمد الغنوشي وتعيين الباجي قائد السبسي رئيسا لحكومة مهمتها محصورة بعملية انتقالية وتنظيم انتخاب مجلس وطني تأسيسي في زمن محدد. (2)
ومن هنا بدأ الإسلام السياسي اليميني الرجعي يطمح بالسيطرة على جهاز الدولة لخدمة الأقلية الرأسمالية والامبريالية، ووجدت هي الأخرى أحد اهم من يسهر على مصالحها مستفيدة من غياب قوى سياسية تخدم مصالح الجماهير الشعبية العريضة، وتدمر دولتها لإنشاء دولة جديدة لفائدة المقهورين والمقهورات.
فقد سيطرت حركة النهضة على " رابطات حماية الثورة" واجهضت نشاطها الديمقراطي، ووظفتها لمصالحها بتعاون مع حزب المؤتمر من اجل الجمهورية حزب ارتبط باسم المنصف المرزوقي، وقسم من حزب التكتل من اجل العمل والحريات. وجماعات متنوعة من الحركة الوصولية المتزمتة.
هذه السياسات المنطلقة مع الاحداث الأولى للثورة في غياب حزب عمالي اشتراكي ثوري مرتبط بالجماهير بكامل جهات تونس هي التي انتجت ما يحصل الان، واي تعامل مع الخطوات الأولى في مسار ثوري بانتهازية وتذبذب ومناورات وخداع سيكون ثمنه غاليا جداً مستقبلاً.
خلاصة: ان اليمين الرجعي في كل مكان بالعالم يحارب الماركسيين والثوريين انصار البروليتاريا ويتعاون مع الرأسماليين لحماية الملكية الخاصة والدفاع عنها، ويجيش الجماهير ضد المطالب الديمقراطية المتعلقة بحقوق الشعوب والقوميات في تقرير مصيرها، والمساواة بين الجنسين، وفصل الدين عن الدولة والعلمانية، وحقوق الفئات المضطهدة عقائديا، وجنسيا، ولهذا فالتعاون معه سياسا وميدانيا يشكل خطورة في مصير الثورات والنضال من اجل الديمقراطية الفعلية، ودرس رابطات حماية الثورة واعتصامات القصبة في معارك الثورة التونسية تؤكد ذلك، وقد نشط الماركسيين في عدة مناطق عمليات واسعة ضد اليمين واليمين المتطرف، وحصاره في الانتخابات الديمقراطية البرجوازية، وبالأخص بصورة واضحة في فرنسا مؤخراً.
(1)https://nawaat.org/2015/02/10/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A8%D8%A9-1%D9%882-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7/
(2)https://legal-agenda.com/%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D9%82%D8%B1%D8%A7/
#بن_حلمي_حاليم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟