|
|
الزلزلة
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 15:36
المحور:
الادب والفن
ثقوب المرايا الثقب الثالث عشر
عاد السيد نون إلى الشارع الجانبي خارج ذلك المبنى وهو يشعر بنوع من الراحة لإنتهاء هذه المقابلة المضنية. عاد لضوء النهار والهواء الساخن وضجيج البشر وصلابة الأرض والإسفلت. عاد إلى نفس الشارع ونفس الرصيف، لكن …العالم لم يعد نفس العالم، فلا يمكن المرور من نفس الشارع مرتين كما يبدو، فالشارع الذي جاء منه منذ عدة ساعات، هذا الشارع المألوف قرّر أن يغيّر اتجاهه لسبب يجهله السيد نون. البقالة التي كانت على اليمين أصبحت فجأة على اليسار، ثم اختفت وحل مكانها محل لتصليح الدراجات. وعلى مقربة من الشارع، بدل المجمع التجاري أصبحت هناك ساحة واسعة متربة مليئة بالقمامة والعلب البلاستيكية، حيث مجموعة من الأطفال يلعبون الكرة، يتصايحون ويركضون خلف ظلالهم بدل الكرة. الظلال تجري أمامهم وتحاول تفادي ركلات أحذيتهم. ظل أحد الأطفال أجتاز الطريق فجأة وكادت تدهسه سيارة مسرعة، ظل آخر تسلق أحد الأسوار وقفز إلى الجانب الآخر وأختفى تاركا الطفل يبكي ويحاول أن يتسلق السور للحاق به. مجموعة أطفال تتشاجر بصخب متحلقة حول طفل أراد أن يستحوذ على ظل طفل آخر. نون أغمض عينيه لينظم أفكاره ويستعيد توازنه، ثم فتح عينيه بيديه، وترائي له العالم من حوله حاضرا وصلبا كما أعتاد أن يراه. إذن، ليست هلوسة. إنه القانون الطبيعي للكائنات. أودراديك، الذي عاود الظهور دون أن يلحظه أحد، قال له بهدوء محاولا طمأنته: - الأشياء ليست ثابتة، تعرف ذلك .. كلنا نعرف هذه الظاهرة. - ولكنها لا تهتز .. لماذا لا تهتز إذا .. ولا ترتجف، ولماذا لا يصيبنا الدوار ونسقط في الفراغ؟ لماذا صلابة الأشياء؟ لماذا لا تتبخر وتختفي .. كل هذه الكائنات المزعجة؟ - عدم الثبات لا يعني عدم الوجود، بل يعني أنها تتغير وتتحول .. الأشياء غير ثابتة ولكنها موجودة. - أنت تخرف.. الأشياء كائنة فقط، ولا تستطيع أن تشارك في الوجود. - ولماذا ذلك؟ - الوجود يتعلق بالوعي، والوعي بالوعي، الأشياء لا تفكر ولا إرادة لها ولا بطيخ. كان تفسيرًا لا يُفسّر شيئًا، لكنه ينتمي إلى منطق العالم القديم. السيد نون يعرف، وربما لا يعرف أو يشك في هذه المعرفة، بأن وضعه قيد المراجعة بسبب التباس لم يُحسم بعد بين الثبات والاهتزاز والإرتجاج والتحول. وهو يعرف أن أي محاولة للفهم قد تُحسب بوصفها حركة غير مصرح بها .. يا لهذه التصاريح الملعونة. منذ ذلك الحين - المقابلة - أدرك السيد نون أنه كان مراقبا من قِبل فكرة لا من عيون أو كاميرات أو عملاء سريين، وتعلم بالتدريج أن الأشياء لا تستقر لأنها بلغت مكانها، بل لأنها فقدت القدرة على إقناعنا بأنها ما زالت تبحث عن هذا المكان. كان كلما وضع يده على الطاولة أحس بأنها تتحرك حركة غير ملحوظة، تنسحب بمقدار ضئيل لا يكفي لإثبات شيء، ولا يكفي أيضًا لإنكار شيء، وأن هذا المقدار الضئيل هو بالذات ما يسمونه النظام. لم يكن الاهتزاز يحدث في الأشياء، بل في العلاقة بينها وبين أسمائها ـ أو هذا ما خّيل إليه، دون تيقن. حين ننطق اسما ما، فإنه يتأخر عنا قليلًا، فننتظر، ثم نصل قبله إلى الصمت ويبقى الشيء معزولا في قوقعته الخاوية. هناك، في تلك المسافة التي لا تُقاس، كانت تتكاثر دلالات لا نعرف مصدرها، وكلها تشير إلى الشيء نفسه بصيغ مختلفة: التحديد والتعريف .. والإقصاء. وحين نحاول تنفيذ الوصفة، نكتشف أن العبارة قد تغيّرت قبل تموضعها في عالم التكوين، وأن النسخة التي نحاول تنفيذها لم تعد موجودة أو فقدت صلاحيتها. فالسكون ليس نقيض الحركة بل مصدرها. السكون هو من أكثر الأشياء المسببة للازدحام، ازدحام لا يسمح لأي شيء بالمرور ويسبب الشلل، ثم التململ ثم عودة الحركة. كان ذلك يذكره بحلم راوده طويلا، حيث يجد نفسه في مكان يشبه ممرًا لا نهاية له، تزداد فيه الأبواب كلما اقترب من المخرج، ويزداد المخرج غموضًا كلما حاول فتح أحد الأبواب. كل باب يؤدي إلى غرفة مكعبة معتمة، وفي جانب الغرفة باب والباب إلى يؤدي إلى غرفة أخرى أقل عتمة .. وهكذا بلا نهاية حتى رنين المنبه وانقشاع ضوء النهار، ومع ذلك كان عليه أن يطرق في كل مرة على الباب بالطريقة ذاتها، لأن الخطأ في الإيقاع قد يُفهم على أنه اهتزاز في النية، والنية، كما يبدو، أكثر قابلية للقياس من الحجر. أما الثبات فقد بدا متأخرًا دائمًا، لا يظهر إلا بعد أن تكون الأشياء قد انتهت من الانهيار بوقت كافٍ يسمح للمراقبين بتغيير الاسم في السجل، بحيث يسمون الركام ثباتًا لأنه لم يعد يملك خيارًا، ويسمون الانتظار استقرارًا لأنه لم يعد يجد إلى الحركة دليلًا، ثم يلتفتون إلى آخر من بقي واقفًا في الطابور، ويكتبون في هامش ملفه أنه يفتقد الثباث، لا لأنه لا يكف عن الحركة، بل لأنه لم يتصلب بعد بما يكفي ليصير مقبولًا كحائط أو كأثاث إداري أو كحجر. ربما لم يكن هو الشخص المقصود في تلك الملاحظة الأولى، وأن الملف كله قد كُتب عن شخص آخر، لكن أحدًا لم يجد ضرورة لتصحيح الخطأ، فالخطأ إذا استمر طويلًا اكتسب هيئة الحقيقة، والحقيقة إذا بقيت بلا شاهد تحولت إلى إجراء إداري، والإجراء لا يطلب من الواقع أن يوافقه، بل يكتفي بأن يظل الواقع حاضرًا بلا إهتزاز. لم يعد يسأل إن كان ثابتًا أو مهتزًا أو مرتجفا، مستقرًا أو ساكنًا أو ثابتا، لأن السؤال نفسه بدا كأنه جزء من الجهاز الذي ينتج هذه الدلالات ثم يعجز عن العثور على شيء يبررها، فاحتفظ بها لتعمل وحدها أوتوماتيكيا، مثل ساعة بلا عقارب لا تشير إلى الوقت، لكنها لا تتوقف عن التكتكة خوفًا من أن يُفتح بشأنها تحقيق، بينما الساعة المتوقفة، تشير عقاربها الساكنة إلى الوقت الصحيح مرتين في اليوم على الأقل وبدون تكتكة. ثم دون أن يهتم بالوقت ودون أن ينظر إلى معصمه، واصل سيره في هذا الشارع، الذي توقف للحظات عن الإهتزاز ليتنفس نوعا من الثبات. ووجد في نهايته رجلًا واقفًا أمام باب خشبي مغلق. كان يحاول فتح الباب بمفتاح حديدي قديم، لكن المفتاح بدوره لم يكن ثابتا، كان يتحوّل في كل لحظة إلى شيء آخر: شوكة، قلم، زهرة ذابلة، مصاصة حلوى، خنجر، قطعة خشب، مقص، كاتشافيتي .. نون، بعد أن ألقى عليه التحية المتعارف عليها بأدب، سأله بجدية قاسية:
لماذا لا تترك الباب وشأنه؟ ألا ترى بأنه لا يريدك أن تدخل؟
نظر إليه الرجل الذي فوجيء، ثم ابتسم ابتسامة بلا أسنان:
آه ..الباب .. عفوا سيدي .. هل نسيت ما قلته منذ ثانيتين .. الباب إنه مجرد باب .. شيء .. كائن خشبي لا إرادة له، ولا يستطيع أن يمنعني من الدخول إذا أردت الدخول.. مشكلتي ليست مع الباب كما ترى ولكن مع القفل. أنا فقط أجرب، ربما يمكن فتح قفل الباب بفرشاة أسنان أو ببطاقة فيزا أو أميريكان إكسبريس، أو ببيت شعر .. ما الذي يمنع ذلك؟ المفتاح هو كل ما يفتح وكل ما يقفل، نحن نقفل الباب بالمفتاح ويمكن أن نفتحه بكلمة .. "إفتح يا سمسم" .. وأطلق ضحكة طويلة تنضح بالبراءة .. ثم اختفى، وتسرب ببطء داخل فتحة القفل - القفل كان مفتوحا كما يظهر .. أو على الأقل كانت به فتحة - كالدخان. تبخر، كما لو أن الزمكان سحب اسمه من القائمة. كان هذا جزءًا من القانون. لكن السيد نون لم يعرف بعد أنه لم يكن يبحث عن القانون، بل عن التفاصيل.
يتبع
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أخلاق التوكل
-
حلم بلا فواصل
-
ديموقراطية الفئران
-
عن كليات الفنون وتفريخ الفنانين
-
طبيعة المرأة ؟
-
الإنسان كمشروع
-
الإرشيف
-
بقايا
-
الزمن المثقوب
-
الإعلام والدعاية الصهيونية
-
إسرائيل والبحث العلمي
-
دولة الموساد
-
إسرائيل : جيش له دولة
-
وغرق البحر
-
البحث عن المعنى الضائع
-
الحرب والصراع الطبقي
-
محاولة يائسة لمواجهة الحرب
-
الدولة: العدو الأول للمواطن
-
منطق الحرب « نحن - و - هم-
-
إسرائيل وعقدة إيران
المزيد.....
-
لا تتجاوز 15 دقيقة.. أفلام مصرية قصيرة بحكايات لا تُنسى
-
آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست
...
-
-خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي
...
-
صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
-
الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع
...
-
-أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا
...
-
عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت
...
-
نوادر أدبية وفنية في مزاد ليتفوند.. من نيكراسوف المحظور إلى
...
-
فنان مصري شهير يعلن اعتزاله التمثيل نهائيا
-
رجل يعيش داخل لوحة إعلانية.. نتفليكس تبتكر أغرب دعاية لفيلم
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|