|
|
الإرشيف
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 18:47
المحور:
الادب والفن
ثقوب المرايا الثقب الثاني عشر
تحسس أطراف جسده بعفوية، كأنه يتأكد من أنه كائن حقيقي، وليس مجرد صورة أو ظل منعكس على الجدار، ثم مد يده إلى المقبض ودفع الباب بحذر. انفرج الباب بصمت غريب، ودخل. وجد نفسه في فضاء واسع يصعب تحديد طبيعته؛ بدا في الوهلة الأولى كمكتب فسيح، كمكتبة قديمة، وربما صالة أرشيف هائلة تمتد أبعد مما تستطيع العين أن تدرك. كان المكان يغرق في ضوء خافت مائل إلى الصفرة، ضوء لا يعرف له مصدرًا واضحًا، يتسلل من كل الجهات، فيمنح الأشياء ملامح ضبابية وأطرافًا ناعمة. توقف لبرهة حتى تعودت عيناه على الإضاءة غير المألوفة وعلى جغرافية المكان وتضاريسه، وأخذ يتفحص محتويات المكان من حوله. عندها فقط انتبه إلى المشهد الذي جعله ينسى أن يتنفس للحظة. مخزن أو مقبرة للأوراق. لم يشاهد لا في اليقظة ولا في المنام هذا الكم الهائل من الأوراق. كانت الأوراق في كل مكان. مئات، بل آلاف الأوراق المختلفة الأشكال والأحجام، تملأ الفضاء كأسراب الطيور في السماء. لم تكن مكدسة فوق رفوف أو محفوظة داخل خزائن، أو منظمة في ملفات، بل كانت معلقة في الهواء، سابحة في الفراغ بحركة هادئة ومنتظمة، كأنها تنتمي إلى عالم لا يخضع لقوانين الجاذبية. أوراق رسمية تحمل أختامًا باهتة، وصفحات ممزقة من كتب قديمة، وأخرى لامعة اقتُلعت من مجلات حديثة، وقصاصات جرائد اصفرّت حوافها بفعل الزمن، ومنشورات دعائية بألوان زاهية ما زالت تحتفظ ببريقها. كانت هناك أوراق بيضاء ناصعة، وأخرى صفراء أو رمادية أو بنية، بعضها صغير بحجم قصاصة أو بطاقة، وبعضها كبير الحجم يرفرف في الفراغ كالشراشف البيضاء على حبال الغسيل. تتحرك جميعها في صمت مهيب. بعض الأوراق كان يهبط ببطء شديد نحو الأرض، متمايلًا كما تتهادى ورقة شجر جافة في يوم بلا ريح، بينما كانت أوراق أخرى ترتفع من الأرض إلى الأعلى، متجاوزة مستوى النظر، حتى تختفي بين الظلال القريبة من السقف المرتفع. بدا الأمر وكأن الجاذبية فقدت قرارها، أو كأن قوى متعارضة وخفية تتنازع مصير كل ورقة. وبينما كان يراقب هذا المشهد الساحر، لاحظ أن حركة الأوراق لم تكن عشوائية تمامًا. كانت تتقاطع وتفترق، تدور حول بعضها في مسارات بطيئة ومعقدة، فتشكل دوامات صامتة وتيارات هوائية غير مرئية. وكلما تحركت ورقة انعكس الضوء على سطحها للحظة، فتومض كنجمة صغيرة قبل أن تختفي وسط الحشد المتراقص. أحاطت به الأوراق من كل جانب، حتى شعر وكأنه يقف داخل محيط من الكلمات والقصص والذكريات. كان المشهد أشبه بسيمفونية بصرية هائلة؛ بلا بداية يمكن تتبعها، ولا نهاية يمكن بلوغها، عالم كامل من الحكايات المبعثرة يطفو بين الأرض والسقف، معلقًا خارج الزمن، منتظرًا من يجرؤ على الاقتراب منه. وقف في منتصف الصالة وكأن الأرض سُحبت من تحت يقينه، لا من تحت قدميه. المكان كان يُفترض أن يكون أرشيفًا نظرا لوجود رفوفٌ خشبية طويلة، أدراجٌ مصنّفة، وعدة مكاتب وشاشات إلكترونية وصمتٌ إداريّ ثقيل.غير أن الأوراق لم تكن في ملفات أو صناديق، أو على الأقل مكدّسة أو منظمة بأي طريقة من الطرق، بل كانت معلّقة في الهواء، تتأرجح وتدور ببطء كما لو أنها خاضعة لجاذبية مختلفة، جاذبية لا مركز لها. اقترب بحذر كأنه يسير في حقل ألغام محاولا قدر الإمكان تفادي الأوراق العائمة. إحدى الصفحات مرّت قرب وجهه، فلاحظ أن الكتابة ذاتها لم تكن ثابتة؛ كانت الكلمات تنفصل عن السطر، تنزلق، تتبدل مواقعها، كأن اللغة نفسها فقدت قواعدها الأساسية. كلمة تبدأ بتشكيل بداية دلالة ما، معنى يدركه بوضوح، ثم تتفكك إلى حروف تتباعد، تتشتت وكأنها تمارس رقصة سحرية منسية، لتعيد ترتيب نفسها في كلمة أخرى أشد غموضًا، للحظات قصيرة ثم تعاود التفكك وتلتحم بحروف أخرى لتكون كلمات جديدة .. وهكذا بلا توقف. لم يعد النص يُقرأ، بل يتكون ليُشاهَد. رفع يده، مترددًا، ولمس حرفًا عائمًا، لم يكن له وزن ولا ملمس وإن أحتفظ بمادية غير محددة وبرائحة الحبر القديمة، وكان له حضور غريب، كأنه فكرة قبل أن تُصاغ. الحرف اهتزّ قليلًا ثم ابتعد، لينضم إلى سربٍ من الحروف الأخرى التي تدور حول بعضها البعض في تشكيلات مؤقتة وعشوائية، أشبه بمحاولات فاشلة لكتابة سيناريو التكوين. الصالة لم يكن لها مصدر ضوء واضح، ومع ذلك كانت مضاءة بنعومة بضوء خافت، كأن الإضاءة تنبع من الحروف والكلمات أو من الورق نفسه. كل صفحة تُلقي وهجًا خافتًا، وكل كلمة تتحرك تترك أثرًا ضوئيًا قصيرًا خلف حروفها، مثل ذيل مذنّب لغوي. شعر بأن المكان لا يخزّن المعلومات أو النصوص، بل يعيد صياغتها باستمرار. الأرشيف هنا ليس ذاكرة ميتة، بل عملية تفكير حيّة، فوضوية، غير مكتملة، وربما غير قابلة للاكتمال. فكرة أن هناك نظامًا يمكن فهمه بدأت تتلاشى، وحلّ محلها إدراك واضح عنيد، ربما هذه الفوضى هي قلب النظام نفسه. تراجع خطوة، ثم أخرى، لكنه أدرك أن المسافة لا تغيّر شيئًا. الأوراق كانت تتحرك حوله كما لو أنه جزء من المشهد، لا زائرًا له. وفي لحظة خاطفة، راوده شكّ حاد: هل هو من يراقب هذه الأوراق العائمة، أم أن الكلمات التي تحملها هي التي تعيد ترتيبه داخليًا، وتبحر به نحو عوالم مجهولة؟ نون مرّ بين هذه الأوراق العائمة في الفضاء كمن يمشي في حقل ملغم بذكريات لا تخصه. ورقة اقتربت منه وأرتطمت بوجهه، أمسك بها وحاول قراءة محتواها قبل أن تنزلق من بين أصابعه وتختفي بين بقية الأوراق العائمة. كلمة بسيطة وحيدة تتكرر بلغات مختلفة حتى تملأ الورقة من الجانبين، لم يميزها بوضوح، فقد كانت الحروف ترقص وتغير مكانها بدون توقف، وتنزلق هاربة في الفراغ لتحل مكانها حروف أخرى. واستطاع أن يميز كلمة واحدة غير واضحة، كلمة " قلق » أو "أرق"، وربما "عرق" .. الكلمة تشبه إلى حدٍّ موجع ما يمكن أن يكون في كراسته، كلمة كان يجب أن يكتبها في يومٍ لم يجرؤ فيه على تقليب نفسه. وتذكر فكرة مؤلمة، أن عبث العالم ليس لعبة، بل قانونٌ كالجاذبية. وأن كل فرد مكلّف بأن يتعرّف على مدى خطأه في تصور العالم حسب رغباته الذاتيه. في وسط هذه الغابة الورقية، كانت بعض الحروف والكلمات تهرب من صفحاتها وتتجول بحرية في الهواء، حروف مشتتة تتجمع أحيانا لتكون كلمات والكلمات تتجمع أحيانا لتكون جملا بطريقة عشوائية وفي حركة متواصلة وفي صمت المقابر. ووجد في نهاية المكان طاولة صغيرة ومقعدًا خشبيًا. جلس ليجمع ذاته المشتتة. ولاحظ على الطاولة أمامه وجود كراسة… ربما نسخة من كراسته الأولى، وإن كانت تنقصها عدة صفحات. سأل أودراديك، الذي كان بجانبه صامتا طوال الوقت: - هل هذا دفتر آخر؟ ـ هذا هو الأصل. تحير نون وهو يعاود النظر إلى الكراسة. إن كانت هذه هي الكراسة الأصلية فما الذي يحمله إذًا في جيب سترته؟ مسوّدة؟ نسخة مزيفة؟ رفع أودراديك خيطًا من جسمه البكري: - ما كتبتَه في الصفحة الأولى .. تتذكر… لن يُقبل إن لم يكون جزءًا من هذا الدفتر. فهم نون بأن الصفحة المكتوبة أو الصفحات المكتوبة سابقا لا تكفي. يجب أن تدخل… في النص الأصلي. أن تُخاط وتلصق بطريقةٍ تجعلها مكتفية بذاتها. هذا هو القانون العام في هذا المكان: ليس مكانًا يُحاسب فيه أحد، بل مكانًا يُعاد فيه تثبيتُ منحوتة الإنسان. نون حاوا أن يكتب من جديد… لكن على الكراسةالأصلية هذه المرة قائلا بصوت خافت: - بالتأكيد، أنا هو ما ليس أنا، وليس أنا ما هو أنا. ورفع الكراسة ليريها لأودرادِك، ليعرف رأيه على ما يبدو، اودرادِك الذي قال على الفور: - حاول أن تخلق رباطا بين الجزئين، مثلا " أنا ميت في جزء… وحيّ في جزء آخر. حاول أن تربط بينهما بخيط واحد" - مستحيل .. الأفضل أن أكون حيا وميتا في الحالتين .. يجب أن أصل إلى حالة القط - القطط لها سبعة أرواح كما تعلم. ـ أعني قط شرودنجر. أودرادِك ألتزم الصمت، فهو نفسه لا يعرف إن كان حيا أو مجرد بكرة خشبية تتدحرج في ذاكرة أو مخيلة قلقة. لمّا أنهى السيد نون كتابة هذه الجملة، أحس بفراغ مروع يحتل كل كيانه .. حالة إمتصاص لكينونته. ووجد نفسه مرة أخرى في المكتب أمام المرأة ذات النظارات والتي أشارت له بأنتهاء المقابلة بإبتسامة خفيفة ونظرة سريعة من وراء نظارتها. ثم أنها سرعان ما أختفت وتبخرت، اختفى المقعد، اختفى المكتب، اختفت الصالة الواسعة والشاشات الإلكترونية، وبقيت جملة واحدة تلمع على الجدار الداخلي لجمجمته: «الحياة .. هذه المصيبة .. " ـ لا دواء لذلك . قال أودرادك وهو يلملم خيوطه. ثم عاد إلى الشارع خارج المبنى وهو يشعر بنوع من الراحة لإنتهاء المقابلة. عاد لضوء النهار والهواء الساخن وضجيج البشر. عاد إلى نفس الرصيف، لكن …العالم لم يعد نفس العالم.
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بقايا
-
الزمن المثقوب
-
الإعلام والدعاية الصهيونية
-
إسرائيل والبحث العلمي
-
دولة الموساد
-
إسرائيل : جيش له دولة
-
وغرق البحر
-
البحث عن المعنى الضائع
-
الحرب والصراع الطبقي
-
محاولة يائسة لمواجهة الحرب
-
الدولة: العدو الأول للمواطن
-
منطق الحرب « نحن - و - هم-
-
إسرائيل وعقدة إيران
-
الأشياء الصغيرة
-
فشل التمرد
-
ثورة ديسمبر
-
الإعداد لتمرد ديسمبر
-
الرؤيا
-
الكتابة
-
الموجيك والثورة العدمية
المزيد.....
-
كيف تشكلت -الشجاعة الأسطورية للشعب الروسي-؟
-
أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق
...
-
-كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل
...
-
-ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو
...
-
كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا
...
-
طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ
...
-
إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو
...
-
سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص
...
-
وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا
...
-
بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|