أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - الإنسان كمشروع














المزيد.....

الإنسان كمشروع


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 04:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يمكن النظر إلى الفكرة القائلة بـ «  أن الحياة ليست اختبارًا للطاعة ولا مسرحًا لتقليد الآخرين، بل فرصة نادرة ليكون الإنسان ذاته »، بوصفها تعبيرًا عن تصور إنساني يثمّن الأصالة الفردية ويرفض الامتثال الأعمى للمعايير الاجتماعية. غير أن هذه الفكرة، على الرغم من جاذبيتها الخطابية، تفترض ضمنيًا وجود “ذات حقيقية” كامنة في أعماق الإنسان ينبغي عليه اكتشافها أو العودة إليها، وكأن هذه الذات جوهر ثابت يسبق التجربة ويظل مستقلًا عنها. هذا الافتراض يعيد إنتاج تصور جوهراني للإنسان، وهو تصور تعرض لنقد واسع في الفلسفة الحديثة، ولا سيما في التيار الوجودي الذي ارتبط باسم سارتر ورفيقته سيمون دي بوفوار، ففي هذا التصور لا يمتلك الإنسان ماهية جاهزة أو طبيعة ثابتة يمكن الرجوع إليها بوصفها الحقيقة النهائية، بل إن الإنسان يوجد أولًا ثم يشرع في تشكيل ماهيته عبر أفعاله واختياراته. وبذلك لا تكون “الذات” حقيقة أصلية مكتملة، بل نتيجة لمسار من التجارب والتفاعلات التي يخوضها الفرد داخل العالم.
انطلاقًا من هذا المنظور، يصبح الحديث عن الحياة بوصفها فرصة “ليكون الإنسان ذاته” حديثًا ملتبسًا، لأنه يوحي بأن الذات معطى سابق على التجربة، بينما تكشف التجربة الوجودية أن الذات تتكون تدريجيًا عبر الاحتكاك بالواقع وبالآخرين. فالإنسان ليس كيانًا مغلقًا على جوهر داخلي ثابت، بل هو مشروع وجودي مفتوح، تتحدد ملامحه من خلال القرارات التي يتخذها، والمواقف التي يمر بها، والمعاني التي يمنحها لأفعاله. لذلك فإن ما يُسمّى أحيانًا “الأقنعة الاجتماعية” لا يمكن اختزاله في مجرد مظاهر زائفة ينبغي التخلص منها للوصول إلى حقيقة أعمق، لأن هذه الأدوار والعلاقات والتأثيرات الثقافية تشكل بدورها جزءًا أساسيًا من عملية تكوّن الذات نفسها. إن الهوية الإنسانية لا تتكشف خلف التجربة، بل تتشكل داخلها ومن خلالها.
ومن هنا يبرز دور الحرية بوصفها المبدأ المؤسس للوجود الإنساني. فالإنسان، ليس مجرد كائن يتبع طبيعة محددة سلفًا، بل كائن قادر على الاختيار وعلى إعادة تشكيل ذاته باستمرار. غير أن هذه الحرية لا يمكن فهمها بوصفها انكفاءً على الذات أو انسحابًا من العالم، لأن الحرية في معناها العميق لا تتحقق إلا في فضاء مشترك مع الآخرين. فالإنسان لا يكتسب وعيه بنفسه إلا عبر علاقته بالغير، ولا تصبح اختياراته ذات معنى إلا داخل شبكة من العلاقات الإنسانية التي تمنح الفعل دلالته. وفي هذا السياق تؤكد Simone de Beauvoir أن حرية الإنسان لا تكتمل إلا حين يعترف بحرية الآخرين، لأن كل حرية تنطوي ضمنيًا على مسؤولية أخلاقية تجاه العالم الذي تشاركه مع غيرك.
فالحياة ليست بالفعل مجرد اختبار للطاعة ولا مجرد فضاء للتقليد والتكرار، غير أن قيمتها لا تكمن في العودة إلى ذات جوهرية ثابتة بقدر ما تكمن في القدرة على خلق الذات باستمرار عبر ممارسة الحرية. والحرية هنا ليست فعلًا فرديًا معزولًا، بل علاقة انفتاح على الآخر، واعترافًا متبادلًا بإنسانية مشتركة. لذلك لا يمكن اعتبار الذات حقيقة نهائية مستقلة عن العالم، لأن الذات نفسها تتشكل داخل شبكة العلاقات الإنسانية التي تمنح الوجود معناه. وبذلك يصبح الإنسان ليس حاملًا لحقيقة داخلية مكتملة، فما يسمى بالطبيعة الإنسانية ماهي إلا أسطورة لغوية، بل كائنا في طور التكوين الدائم، مشروعًا مفتوحًا يكتب معناه عبر التجربة والاختيار والمسؤولية.



#سعود_سالم (هاشتاغ)       Saoud_Salem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإرشيف
- بقايا
- الزمن المثقوب
- الإعلام والدعاية الصهيونية
- إسرائيل والبحث العلمي
- دولة الموساد
- إسرائيل : جيش له دولة
- وغرق البحر
- البحث عن المعنى الضائع
- الحرب والصراع الطبقي
- محاولة يائسة لمواجهة الحرب
- الدولة: العدو الأول للمواطن
- منطق الحرب « نحن - و - هم-
- إسرائيل وعقدة إيران
- الأشياء الصغيرة
- فشل التمرد
- ثورة ديسمبر
- الإعداد لتمرد ديسمبر
- الرؤيا
- الكتابة


المزيد.....




- ترامب يسابق الزمن لاستكمال الجدار الحدودي مع المكسيك.. وهذا ...
- من -شي إن- إلى -بوب مارت-.. كيف تستحوذ العلامات التجارية الص ...
- بعد تأجيل تسليم -باتريوت-.. سويسرا تبدأ محادثات مع إسرائيل و ...
- الغرب يتعهد بـ 375 مليون يورو لإعمار طاقة أوكرانيا
- هل انسحب الجيش الإسرائيلي أم لا من جزء من المنطقة العازلة جن ...
- موسكو تعليقا على دور واشنطن: لا يمكن تسوية الأزمة الأوكرانية ...
- وزيرة التربية اللبنانية تعلن إلغاء امتحانات -البكالوريا-: ال ...
- السودان.. تداول جنيهات مطبوعة حديثا في مناطق سيطرة -الدعم ال ...
- -زلزال سياسي- في نيويورك.. مرشحو ممداني يطيحون بعضوين في الك ...
- في ذكرى الحرب الكورية.. سيئول تتعهد بـ-شبه جزيرة سلمية- وبيو ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - الإنسان كمشروع