أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - أخلاق التوكل















المزيد.....

أخلاق التوكل


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 16:46
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في كل المجتمعات التي تحكمها الكائنات الخارقة والحكومات السماوية وبدون إستثناء، تعشش في عقول المواطنين والمواطنات فكرة ثابتة وملحة وغير قابلة للتغيير.. وهي وجود سلطة عليا وسماوية مقدسة مسؤولة مسؤولية مباشرة عما يحدث لهم وعما يحدث في هذا العالم، من العواصف والزلازل والكوارث الطبيعية التي تجتاح الكرة الأرضية من حين لآخر، إلى جائحة الكورونا أو مرض الزكام الذي أصاب الوزير الياباني الأسبوع الماضي ومنعه من حضور إجتماعه الأسبوعي، إلى سقوط أحد أفراد العائلة وكسر ساقه أو حتى هزيمة الفريق المصري أمام الإرجنتين. وهذه السلطة العليا والميتافيزيقية، تساندها قوة أخرى، أرضية هذه المرة، وهي المسؤولة عن كل ما يحدث وما يمكن أن يحدث وعن ما لا يحدث في بلدنا وفي مدينتنا وفي حينا وفي شارعنا، من جمع القمامة والأوساخ من أمام المنازل وتنظيف الشوارع إلى نشر الثقافة وتشجيع الشعر وتطوير اللغات الأقلية والأصلية وتفجير الطاقات الإبداعية لدى الشباب، إلى أسعار الخبز وثمن البترول والدولار في البورصة العالمية. هذه السلطة السحرية، تسمى في هذه المجتمعات بـ "الدولة"، والتي لها هيبتها وقدسيتها كمعبد من معابد السلطة الروحية والمادية معا، ولها قوة سحرية تستطيع بواسطتها إسقاط المطر وتحريك الزلازل وإيقاظ البراكين وتفجير الفياضانات. وأحيانا تنتقل هذه السلطة إلى الوزارة المعنية: ماذا تفعل وزارة الصحة فيما يتعلق بالمعاقين؟ ماذا تفعل وزارة الثقافة لتشجيع الرواية والمسرح والفنون التشكيلية؟ أو ماذا تفعل وزارة التعليم .. إلخ، تتشخص أحيانا في الوزير ذاته ليصبح المسؤول المباشر عن إنقطاع الكهرباء أو المياه أو عن تردي مستوى التعليم في المدارس وإنتشار النفايات على المصائف .. ونطالب برأسه كلما ساءت الأمور.
والمفارقة هي أن سياسة التوكل هذه هي عقلية مترددة وذات تيار متبادل، كالبندول بين "الله" و "الدولة"، حيث " توكل على الله " تترجم حرفيا في مجتمعاتنا المتخلفة بـ " توكل على الدولة ". وإذا تركنا الله جانبا، بإعتبار أنه لا يمكن بجلالته المهيبة أن يهتم بإدارة أمور مجتمعاتنا البائسة، ننسى أو نتناسى بأن الدولة أيضا لها مصالحها وبرامجها الخاصة، وليس لها الوقت الكافي للإهتمام بمشاكلنا اليومية المزرية. فوزارة الثقافة، على سبيل المثال، لا يهمها بأي حال من الأحوال الوضع الثقافي في البلاد ولا الإهتمام بالشعر أو الرواية أو المسرح أو الفنون التشكيلية، الذي يهم الوزارة في المجال الأول هو الحفاظ على مصالح الدولة ونشر فكر الحزب أو المجموعة أو العصابة أو العائلة الممارسة للسلطة والذي مكن الوزير المعني ليكون وزيرا، والاشتراك في أكبر عدد ممكن من المعارض والإحتفالات والمناسبات العربية والدولية بدون أي إهتمام حقيقي بمحتوى هذه الأحداث. القصة في غاية البساطة ولا تحتاج لكثير من الذكاء، لا أحد يعرف مصالح الناس أكثر من الناس أنفسهم، ولكن الناس في أغلب الأحيان يسكنون خارج قصور السلطة.
ثقافة التوكل .. ليست جديدة وليست ظاهرة فريدة تتعلق بالمجتمعات العربية والإسلامية المتخلفة، إنها ظاهرة عامة وترتبط إرتباطا وثيقا بالديموقراطية البرلمانية، حيث تتمكن مجموعة من الأعيان والأغنياء من السلطة ولا يتركونها لأولادهم إلا بعد انتقالهم إلى المقبرة. إنها ثقافة التوكيل، حيث نعين أحد الأعيان ليدافع عنا وعن مصالحنا اليومية، ولا نطلب منه في المقابل أية ضمانات، له الحرية المطلقة في الدفاع عمن يشاء ولا أحد يحاسبه، متحصنا بشرعية مقدسة هي شرعية الإقتراع. وفي بلاد الفئران، إذا كان الوزير قطا، فمن الطبيعي أن يراعي مصالح القطط وليس مصالح الفئران..
فبعد أن تمت سرقة الثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا وتم تشكيل حكومات موالية للسماء وتتلقى أوامرها من الله مباشرة - حتى لا نتهم بالكفر والزندقة نوضح هنا بأن الله يعني بطبيعة الحال أمريكا والرأسمالية العالمية والبنك الدولي- وتشكلت هوة عميقة بينها وبين هموم المواطن العادي، بدأ الناس يشتكون من غياب الدولة ومن عدم قدرتها على ضمان الأمن أو العمل أو العدالة أو حتى تنظيم حركة المرور. وبدلا من إقتناص أو إغتنام ـ هذه الفرصة التاريخية - مثل بقية الغنائم - غياب الدولة ـ وذلك بالبدأ في عملية التنظيم الذاتي لأمورهم البسيطة، وبداية التفكير في كيفية إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل التخلف والفقر والعمل والصحة، فإنهم بدأوا يطالبون هذه الحكومات الوهمية بإيجاد الحلول الأمنية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها، المطالبة بإنشاء أجهزة للشرطة وبناء جيش قوي، تعيين أو إقالة بعض الوزراء، المطالبة بالدستور وبإجراء الإنتخابات .. أو مطالبة أمازيغ ليبيا على سبيل المثال للحكومة القائمة بدسترة اللغة وحماية الحقوق الأمازيغية، مطالبين بذلك تدجين الثقافة الأمازيغية وتحويلها من ثقافة الرفض والنضال الشعبي يتبناها كل الأمازيغ، إلى ثقافة حكومية رسمية تابعة وخاضعة للقوانين التي لن تكون في صالحها على أية حال في أي يوم من الأيام.
نحن هنا بطبيعة الحال نقول هذا الكلام للتنبيه فقط، حتى لا يفاجأ المواطن ويشتكي من الخدعة ويتدمر من سوء إدارة الدولة لأموره، الحكومة لا تخدع أحدا، وظيفتها الأساسية هي خدمة مصالح الأغنياء والأعيان والملاك، لأنها حكومة الأغنياء والأعيان والملاك ـ لا يوجد في أي برلمان في العالم المتقدم أو المتخلف عامل واحد أو فلاح واحد أو فقير واحد - إن الذي نريد قوله وقد قلناه مرارا هو أن نظام إدارة أي مجتمع وتنظيم أمور حياته هو مسؤولية مباشرة لمواطني هذا المجتمع، لكل المواطنين وليس لطبقة معينة منه، وأنه لا فرق نهائيا بين النظام البرلماني في ليبيا مثلا وبين النظام المتخلف في قطر وفي الإمارات الخليجية المختلفة أو السعودية أو الأنظمة البرلمانية في أمريكا وفرنسا أو المريخ. الأمر لا يختلف إلا قليلا وشكليا فقط بين شرعية الوراثة القبلية وشرعية القوة والسلاح أو شرعية الإقتراع، الفرق هو من له الحق في سرقة أموال الشعب بطرق قانونية أو شبه قانونية أو غير قانونية. لأن هذه الشرعيات كلها تمنع المواطن البسيط من ممارسة حقه الطبيعي في إدارة حياته بنفسه وتسمح لطبقة اللصوص بسرقة أموالهم وحقوقهم. ولكن في نهاية الأمر سيتساءل البعض عن ضرورة القوانين والتشريع وأن الدولة وحدها هي القادرة على إصدار القوانين وتنفيذها لتحقيق التقدم الحضاري ثم الأخلاقي للمجتمع، ولكن هذا الإعتراض هو مجرد إعتراض صوري ولا يعتمد على أسس متينة. فالقوانين - كما يبيعونها لنا- هدفها النهائي هو خلق مجتمع متحضر يعيش فيه الجميع بتكافل وإحترام حياة سعيدة خالية من الفقر والقهر والجهل. ولكن الحقيقة هي أن ما يسمى "التقدم الأخلاقي" يفترض أساسا تقدما نوعيا في الحضارة، بمعنى أن تكون الأخلاق نابعة تلقائيا من قلب التركيبة الحيوية للمجتمع وبدون حوافز أو ضوابط أو ضغوط خارجية .. فالدين والتربية والشرطة والجيوش وكل وسائل التدجين الإجتماعي هي دلائل على أن المجتمع ما يزال بعيدا عن التقدم الأخلاقي أو الروحي المنشود .. فعل الخير ومحبة الناس والرحمة بالفقراء وإحترام امرأة وعدم إستغلال المستضعفين .. إلى آخر قائمة حسن الأخلاق، هي دليل على تأخر المجتمع أخلاقيا إذا كان الهدف من هذه الأعمال هو مضاعفة رصيده من الحسنات، ومقايضة هذه الأخلاق الكريمة بشقة مفروشة في الجنة. الوقوف أمام إشارة الضوء الأحمر، ليس دليلا على التقدم الحضاري أو الأخلاقي إذا كان الدافع هو تفادي المخالفة وتفادي دفع الغرامة المنصوص عليها في القانون. التقدم الأخلاقي لا بد أن يكون تقدما بمعزل عن الخوف ويتجاوز فكرة الثواب والعقاب .. أي حرية ومسؤولية الجميع تجاه الجميع.
في أوروبا والعالم الغربي عموما، يمكن القول بأنه قد فات الأوان وخسروا المعركة، حيث القانون أصبح مرادفا لقوة ميتافيزيقية أقوى من الله ذاته، وأصبح إحترام القانون مرادفا للتقدم الأخلاقي للمجتمع. وفي بلداننا الموبوءة الخالية من القوانين ومن سلطة الدولة لتنفيذها، فما يزال هناك أمل، والصفحة ما تزال بيضاء لكتابة واقع أخلاقي جديد بعيدا عن الخوف من الله أو من القانون، مبنيا على فكرة الحرية والمسؤولية الفردية والجماعية، وذلك لهدف أرضي بسيط وهو إمكانية حياة كل المواطنين، دون تفرقة من أي نوع، وبدون أي تمييز، في مجتمع واحد متكافل وبدون إستغلال أو تسلط من أي نوع.
حلم جميل لا يكفي حتى لشراء رغيف من الخبز .. لكنه يكفي لمواصلة الحياة ..



#سعود_سالم (هاشتاغ)       Saoud_Salem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حلم بلا فواصل
- ديموقراطية الفئران
- عن كليات الفنون وتفريخ الفنانين
- طبيعة المرأة ؟
- الإنسان كمشروع
- الإرشيف
- بقايا
- الزمن المثقوب
- الإعلام والدعاية الصهيونية
- إسرائيل والبحث العلمي
- دولة الموساد
- إسرائيل : جيش له دولة
- وغرق البحر
- البحث عن المعنى الضائع
- الحرب والصراع الطبقي
- محاولة يائسة لمواجهة الحرب
- الدولة: العدو الأول للمواطن
- منطق الحرب « نحن - و - هم-
- إسرائيل وعقدة إيران
- الأشياء الصغيرة


المزيد.....




- مسؤول أمريكي يكشف تفاصيل عما يريده ترامب من مفاوضات البرنامج ...
- قطر تعلن وفاة أميرها السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فماذ ...
- هل بدّل ترامب طائرته بسبب مخطط لاغتياله؟ تقرير يكشف ما حدث
- رفض سعودي ـ عراقي لاستخدام أراضي أي دولة أو أجوائها لتهديد أ ...
- بيان عربي حاد ضد إيران لاستمرار هجماتها على دول الجوار
- الحوثيون: نقف الى جانب ايران وننسق باستمرار معها لمواجهة كل ...
- ترحيب أممي واقليمي بعقد الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب الجديد ...
- عمدة موسكو: الدفاع الجوي دمر حوالي 300 مسيرة أوكرانية كانت م ...
- -خطوة متقدمة نحو جيش ليبي موحد-.. صدام حفتر يرحب باجتماع خال ...
- فرقة -كوستروما-.. باليه بنكهة روسية في مصر


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - أخلاق التوكل