|
|
عن كليات الفنون وتفريخ الفنانين
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 16:48
المحور:
الادب والفن
رد على مقال لدكتور في كلية الفنون الجميلة يشكو من غياب « الفنانين » ويتدمر من إختفائهم بعد التخرج من كلية الفنون.
مع الاحترام الواجب لكاتب المقال، يمكن القول إنّ المقاربة المطروحة تنطوي على التباس منهجي يستدعي التفكيك. فطالب كلية الفنون لا يُعدّ فناناً بحكم انتمائه إلى المؤسسة التعليمية، كما أنّ الأستاذ الذي يدرّس المعارف النظرية أو المهارية لا يُعدّ بالضرورة فناناً هو الآخر. وهذه الحقيقة لا تخصّ سياقاً بعينه، بل تنطبق على جميع كليات الفنون في مختلف أنحاء العالم، إذ لا يترتب على التخرّج منها تحوّل آلي إلى «فنان». فلو كانت غاية هذه المؤسسات أن تُنتج فنانين، لامتلأ العالم بهم، ولأضحى الفن مجرّد نتاج كميّ، كما ننتج الأطباء والمعلمين والمهندسين إلخ، فاقدا لندرة التجربة وتفرّدها. إنّ الدور الجوهري لكليات ومدارس الفنون الجميلة يتمثّل في تهيئة الطالب لفهم البنى المفهومية والجمالية التي تحكم الإبداع، وتمكينه من إدراك الآليات التي تتكوّن من خلالها العملية الفنية، إضافة إلى إكسابه المهارات التقنية اللازمة لممارسة هذا الإبداع في وسائط متعددة. فهذه المؤسسات لا تنتج «هوية فنية»، بل تؤسس لوعي جمالي ونقدي يسمح للطالب بإدراك الموقع المعرفي للفن في الحضارة الإنسانية. ولا يرتبط الفن، في هذا السياق، باللوحة وحدها، فهي ليست سوى أحد تمظهرات الممارسة الفنية التي تشمل النحت، والفنون الأدائية، وفنون التنصيب، والتصوير الفوتوغرافي، والممارسات البصرية المعاصرة بمختلف تنويعاتها. أما مصطلح «فنان» نفسه، فهو حديث نسبياً وينتمي إلى تاريخ الثقافة الأوروبية الحديثة، وقد ارتبط بنظام اقتصادي وثقافي معيّن أنتج فكرة الفرد المبدع ذي الهوية القائمة على التفرد. ويمكن العثور، في سياقات فنية أخرى، على نماذج إبداعية لا يمكن ردّها إلى شخص واحد، بل هي نتاج جماعي أو طقوسي أو حرفي، الأمر الذي يدل على إمكانية وجود فن بلا فنان بالمعنى الاصطلاحي، مثل كهوف لاسكو، ألتاميرا، شوفيه، أو رسوم ومنحوتات تاسيلي في الصحراء الكبرى، ومبدعوا هذه الأعمال لم يدخلوا أية مدرسة للفنون.. ومن هنا تتضح ضرورة التعامل مع المصطلح بقدر من الحذر النقدي، وعدم منحه سلطة تقريرية تعلو على التجربة الفنية ذاتها. إنّ مدارس الفنون الجميلة تضطلع بدور ثقافي مركزي، إذ تعمل على تعميق الثقافة البصرية داخل المجتمع، وتوسيع آفاق الحسّ الجمالي، وإنتاج كوادر قادرة على المساهمة في مجالات متشابكة تشمل التعليم، والنقد، والقيّمية، وتنظيم المعارض، والبحث في تاريخ الفن ونظرياته. فهذه المؤسسات لا تشكّل معامل لإنتاج الفنانين، بل فضاءات لإنتاج المعرفة حول الفن، ولتنمية القدرة على التفكير البصري، ولتوفير بيئة بحثية وتجريبية نقدية تتجاوز فكرة المهارة التقنية بوصفها غاية نهائية. وخلاصة القول إنّ الفن لا يُختزل في شهادة أكاديمية، ولا تُختصر ممارسته في اكتساب مهارة محددة، بل هو مسار طويل تتداخل فيه التجربة والمناولة والوعي والسياق والفكر. وما تمنحه كليات الفنون هو الإطار المعرفي والمهاري والتقني الذي قد يتيح للفرد إذا كانت له الإرادة الكافية، أن يتحوّل، بمرور الزمن وبحسب شروطه الخاصة، إلى فنان. أمّا صفة «الفنان» نفسها فلا تُمنح بشهادة أكاديمية، بل تُنتزع من خلال الممارسة الفعلية والتجربة المتراكمة والقدرة على الإضافة « النوعية » إلى الحقل الجمالي. تلعب مدارس الفنون دوراً محورياً في تشكيل البنية الثقافية للمجتمعات، ويمكن تلخيص أبرز خصائصها ووظائفها في عدة نقاط، رغم أن كل مدرسة أو أكاديمية لها رؤيتها الخاصة التي تميزها عن بقية المؤسسات الفنية : 1 - تكوين المعرفة البصرية والجمالية، تمنح الطالب والطالبة القدرة على « قراءة » الصورة البصرية والتغلغل في مساماتها وتفاصيلها، وفهم السياقات التاريخية والجمالية التي أنتجت الأنماط الفنية المختلفة. 2 - توفير بيئة تجريبية ومنهجية بحثية، الاستوديو في كلية الفنون ليس «ورشة إنتاج»، بل مختبر معرفي يمكّن الطالب من اختبار الخامات، والوسائط، والمفاهيم، وتطوير أساليب شخصية دون ادعاء أنّ هذه العملية تخلق «فناناً» بالضرورة. 3 - رعاية القدرات التقنية دون جعلها غاية، فالتقنية وسيلة وليست هدفاً؛ دور المؤسسة هو ضمان إتقان الأدوات التي تمكّن المتعلّم من ممارسة الإبداع الجمالي، سواء أصبح لاحقاً فناناً، أو مصمماً، أو باحثاً، أوناقدا فنياً. 4 - تعزيز الثقافة البصرية في المجتمع، خريجو هذه المدارس يساهمون في المشهد الثقافي عبر التعليم، والإدارة الفنية، والنقد، والقيّمية، وتنظيم المعارض، وإدارة المؤسسات المتحفية. إسهامهم لا يقتصر على الإنتاج الفني، بل في تهيئة الظروف المناسبة والضرورية لهذا الإنتاج. 5 - دمج الفن في منظومات معرفية أوسع، الفنون المعاصرة ترتبط بالفلسفة، والأنثروبولوجيا، والتاريخ، والدراسات الثقافية، وتقنيات الوسائط الجديدة. دور الكليات هو خلق هذا التكامل المعرفي الذي يجعل الفن مجالاً حيّاً متحوّلاً. 6 - نزع فكرة «العبقرية المنعزلة»، المؤسسات الأكاديمية تفكك الأسطورة الرومانسية للفنان العبقري الذي يولد وفي يده فرشاة، وتعيد وضع الإبداع في سياق اجتماعي وثقافي وتاريخي، وأن الفن هو تجربة عملية وفكرية في نفس الوقت، وكل مواطن أو مواطنة يمكن أن يكون فنانا لو تمكن من إمتلاك المعرفة والأدوات اللازمة للإبداع الفني. إن مدارس الفنون الجميلة ليست مؤسسات تمنح لقب «فنان» للخريجين، بل فضاءات لصناعة الوعي الجمالي، ومختبرات للمعرفة البصرية، ومراكز لإنتاج الثقافة لا لإنتاج الفنانين. وما يجعل الفرد فناناً في النهاية ليس شهادته، بل صيرورة طويلة من التجربة والممارسة والاشتباك الجمالي مع العالم والإرادة والرغبة لتغييره.
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
طبيعة المرأة ؟
-
الإنسان كمشروع
-
الإرشيف
-
بقايا
-
الزمن المثقوب
-
الإعلام والدعاية الصهيونية
-
إسرائيل والبحث العلمي
-
دولة الموساد
-
إسرائيل : جيش له دولة
-
وغرق البحر
-
البحث عن المعنى الضائع
-
الحرب والصراع الطبقي
-
محاولة يائسة لمواجهة الحرب
-
الدولة: العدو الأول للمواطن
-
منطق الحرب « نحن - و - هم-
-
إسرائيل وعقدة إيران
-
الأشياء الصغيرة
-
فشل التمرد
-
ثورة ديسمبر
-
الإعداد لتمرد ديسمبر
المزيد.....
-
الثقافة الروسية تجمع دول -بريكس- تحت مظلة حضارية واحدة
-
غريب آبادي: الجولة الأولى من المحادثات الفنية في إطار مجموعا
...
-
غريب آبادي: المشاورات بشأن الجولة الأولى من المحادثات الفنية
...
-
بمرسوم من بوتين.. -متحف المحيط العالمي- ينال أرفع تصنيف ثقاف
...
-
دافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ...رحيل الفنان الجزائري ع
...
-
رويترز: الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية ستجتمع في الدوحة خ
...
-
برنامج -بطاقة بوشكين- الثقافي يسجل بيع أكثر من 113 مليون تذك
...
-
فنان مصري مشهور يفقد بصره ويغيب عن الساحة الفنية
-
علماء آثار من بطرسبورغ يرقمنون معالم أفريقيا والعالم الإسلام
...
-
فيلم مايكل جاكسون يصبح فيلم السيرة الذاتية الأعلى إيرادا على
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|