|
|
من أزمة الديمقراطية الى الى تجديد المشروع الديمقراطي: قراءة في اسهامات د. روسو و ب.روزنفلون وهابرماس
محمد الحباسي
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 18:19
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة: أزمة الديمقراطية التمثيلية وصعود الشعبوية تعيش الديمقراطية المعاصرة أزمة عميقة لا يمكن اختزالها في تراجع نسب المشاركة الانتخابية، أو ضعف الانخراط الحزبي، أو انخفاض الثقة في النخب والمؤسسات السياسية. فالأزمة أصبحت تمسّ البنية العميقة للديمقراطية الحديثة ذاتها، ولا سيما العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وبين المجتمع والدولة، وبين التمثيل السياسي والإرادة العامة، فضلًا عن طبيعة المشروعية التي تستند إليها السلطة السياسية. لقد أصبح واضحًا أن الديمقراطية لا تواجه فقط مشكلة تتعلق بـ«من يحكم؟»، وإنما تواجه بصورة متزايدة مشكلة تتعلق بـ«كيف يحكم؟»، و«بأي شروط يكون الحكم مشروعًا؟»، و«كيف يظل المواطن حاضرًا في الحياة العامة بعد انتهاء الانتخابات؟»، و«كيف يمكن أن تظل السلطة خاضعة للمراقبة والمساءلة؟». لقد كان الانتخاب، تاريخيًا، أحد أهم الاختراعات السياسية التي سمحت بتحويل مبدأ السيادة الشعبية إلى آلية مؤسساتية لممارسة الحكم. غير أن الديمقراطية الحديثة، عندما اختزلت نفسها تدريجيًا في الانتخاب، أنتجت مفارقة أساسية: الشعب هو مصدر السلطة، لكنه لا يمارس سيادته بصورة مستمرة؛ والمواطن هو صاحب السيادة، لكنه يتحول بعد الانتخابات إلى متلقٍّ لقرارات ممثليه؛ والسلطة تستمد شرعيتها من الاختيار الشعبي، لكنها قد تبتعد في ممارسة الحكم عن المواطنين الذين اختاروها. ومن هنا تظهر أهمية أعمال بيار روزانفالون، ودومينيك روسو، ويورغن هابرماس، رغم اختلاف خلفياتهم النظرية ومداخلهم المنهجية. فهؤلاء المفكرون، كل من موقعه، يساهمون في تجاوز الاختزال الانتخابي للديمقراطية، وإعادة التفكير في التمثيل، والمشروعية، والمشاركة، والحقوق والحريات، والتداول العمومي، والرقابة على السلطة. وتصبح هذه المسألة أكثر إلحاحًا مع صعود الشعبوية. فالشعبوية ليست مجرد ظاهرة سياسية منفصلة عن أزمة الديمقراطية، وإنما يمكن فهمها، جزئيًا، بوصفها أحد أعراض أزمة التمثيل والمشروعية والثقة في المؤسسات. غير أن المفارقة تكمن في أن الشعبوية، بينما تنطلق من نقد حقيقي لبعض أوجه قصور الديمقراطية التمثيلية، قد تقدم حلًا يؤدي إلى تعميق الأزمة ذاتها، عندما تختزل الشعب في وحدة متجانسة، وتدعي احتكار تمثيله، وتضع نفسها في مواجهة المؤسسات والوسائط والتعددية. لذلك فإن مقاومة الشعبوية لا يمكن أن تقوم على تقليص الديمقراطية أو الحد من مشاركة المواطنين، وإنما على تجديد الديمقراطية وتوسيعها وتعميقها. أولًا: الديمقراطية التمثيلية باعتبارها صيغة تاريخية للديمقراطية من الضروري، قبل الحديث عن أزمة الديمقراطية التمثيلية، التمييز بين مفهومين غالبًا ما يتم الخلط بينهما: الديمقراطية التمثيلية والتمثيل السياسي. فالديمقراطية التمثيلية ليست مرادفًا للديمقراطية في حد ذاتها، وإنما هي صيغة تاريخية محددة لتنظيم ممارسة الديمقراطية في المجتمعات الحديثة واسعة النطاق. لقد نشأت الديمقراطية الحديثة في سياقات تاريخية واجتماعية جعلت ممارسة السيادة الشعبية بصورة مباشرة أمرًا صعبًا أو مستحيلًا. فمع اتساع حجم الدولة والمجتمع، وتعقد المصالح الاجتماعية، وتعدد المؤسسات، أصبح من الضروري إنشاء آلية تسمح بتحويل الإرادة الشعبية إلى قرار سياسي قابل للممارسة. وكان الانتخاب والتمثيل السياسي من أهم الأدوات التي أدت هذه الوظيفة. وبهذا المعنى، مثلت الديمقراطية التمثيلية إنجازًا تاريخيًا كبيرًا، لأنها سمحت بتحويل مبدأ السيادة الشعبية من مبدأ مجرد إلى مؤسسات وقواعد وإجراءات. لكن هذا الإنجاز التاريخي لا يعني أن الشكل التمثيلي قد استنفد إمكانات الديمقراطية، ولا أن التمثيل يمكن أن يختزل في الانتخابات. فهناك فرق بين القول إن الديمقراطية الحديثة اتخذت تاريخيًا شكلًا تمثيليًا، وبين القول إن التمثيل السياسي ذاته يجب أن يظل مشروعًا مفتوحًا على التجديد والمشاركة والمراقبة والتداول. وهنا تبدأ أهمية اسهامات روزانفالون ودومينيك روسو. ثانيًا: من الديمقراطية التمثيلية إلى مشروع التمثيل السياسي المفتوح عند روسو لا ينبغي فهم أزمة الديمقراطية المعاصرة باعتبارها دليلًا على فشل فكرة التمثيل السياسي في حد ذاتها. المشكلة تكمن، بالأحرى، في اختزال التمثيل السياسي في الانتخاب. فالتمثيل ليس مجرد عملية تقنية يتم فيها اختيار شخص أو مجموعة أشخاص لكي يتحدثوا باسم المواطنين. إن التمثيل السياسي علاقة معقدة ومفتوحة بين المجتمع ومؤسساته وممثليه. فالذين يتم انتخابهم لا يحملون المجتمع معهم إلى المؤسسات بصورة مكتملة، ولا يمكن لنتيجة انتخابية واحدة أن تختزل التعدد الاجتماعي والسياسي والثقافي الموجود داخل المجتمع. ومن هنا يصبح التمثيل السياسي مشروعًا دائمًا لإنتاج العلاقة بين المجتمع والمؤسسات، وليس لحظة انتخابية تنتهي بمجرد إعلان النتائج. وهذا التمييز يسمح لنا بالقول إن: الديمقراطية التمثيلية هي شكل تاريخي للديمقراطية، أما التمثيل السياسي فهو مشروع ديمقراطي مفتوح لا يكتمل بالانتخاب ولا يتوقف عنده. فالمجتمع يتغير، والمصالح تتغير، والتطلعات تتغير، والآراء تتغير، وبالتالي فإن التمثيل لا يمكن أن يكون عملية مغلقة. إن الممثل السياسي لا يمثل فقط من خلال الصندوق، وإنما من خلال قدرته على الاستماع، والتفسير، والاستجابة، والتفاعل، وتبرير القرارات، والخضوع للمساءلة. وهنا ينتقل النقاش من شرعية الاختيار إلى شرعية العلاقة بين المجتمع والممثلين. ثالثًا: روزانفالون وأزمة الديمقراطية التمثيلية ينطلق د. روسو من ملاحظة أساسية تتمثل في أن الديمقراطية الحديثة عانت من اختزال الديمقراطية في الانتخابات. فأصبح الانتخاب الآلية الأساسية التي يُعبّر من خلالها عن الإرادة العامة، وتستمد السلطة السياسية منها جزءًا أساسيًا من مشروعيتها. لكن الانتخابات، مهما كانت نزيهة وحرة، لا تستطيع وحدها حل جميع مشكلات الديمقراطية. فالانتخاب يحدث في لحظة محددة، بينما تستمر السلطة في ممارسة وظائفها طوال الفترة التي تفصل بين انتخاب وآخر. ومن هنا تظهر المسافة بين: المواطن والمنتخب، المجتمع والمؤسسات، الإرادة الانتخابية والممارسة الفعلية للسلطة. وتتولد عن هذه المسافة مجموعة من الأزمات: أزمة التمثيل؛ أزمة الثقة؛ أزمة المشاركة؛ أزمة التعبير عن الإرادة العامة؛ أزمة المساءلة؛ أزمة مراقبة السلطة؛ وأخيرًا أزمة المشروعية نفسها. لكن روزانفالون لا يتعامل مع الديمقراطية باعتبارها نظامًا فاشلًا، بل باعتبارها نظامًا غير مكتمل بطبيعته. فالديمقراطية ليست حالة نهائية، وإنما تجربة تاريخية دائمة البحث عن أشكال جديدة لتحقيق المساواة والحرية والمشاركة والتمثيل. ومن هنا يأتي مفهوم الديمقراطية المتعددة الأشكال، التي لا تختزل في الانتخاب، وإنما تشمل أيضًا الاعتراض، والمراقبة، والاحتجاج، والتقييم، والمساءلة، والتعبير عن المجتمع خارج المؤسسات الانتخابية. رابعًا: المشروعية الديمقراطية عند روزانفالون تحتل المشروعية مكانة مركزية في مشروع روزانفالون. فالمشكلة ليست فقط: كيف تصل السلطة إلى الحكم؟ وإنما أيضًا: ما الذي يجعل ممارسة السلطة مقبولة ومبررة وديمقراطية؟ فالانتخاب يمنح السلطة مشروعية مهمة، لكنه لا يمنحها مشروعية مطلقة أو دائمة. ومن هنا يميز روزانفالون بين المشروعية الانتخابية وبين أشكال أخرى من المشروعية الديمقراطية التي تتعلق بكيفية ممارسة السلطة وبعلاقتها بالمجتمع. ويبرز خصوصًا ثلاثة أبعاد مركزية: 1. مشروعية الحياد أو عدم التحيز تتعلق هذه المشروعية بقدرة المؤسسات والسلطات العامة على تجاوز المصالح الخاصة والحزبية والفئوية، والتعامل مع المواطنين على أساس المساواة. فالسلطة لا تكون مشروعة فقط لأنها انتُخبت، وإنما يجب أن تثبت أيضًا أنها قادرة على ممارسة الحكم باعتبارها سلطة عامة، لا باعتبارها أداة لمصلحة جماعة سياسية أو اجتماعية بعينها. ومن هنا يرتبط الحياد بالمساواة أمام القانون، وعدم التمييز، ونزاهة المؤسسات، واستقلال بعض الهيئات التي يفترض أن تؤدي وظائف عامة دون خضوع مباشر للضغوط الحزبية. إن المشروعية الانتخابية تقول: لقد اختارني المواطنون. أما مشروعية الحياد فتتطلب إضافة: وسأتعامل مع المواطنين باعتبارهم متساوين، لا باعتبارهم أنصارًا ومعارضين. وهذا البعد مهم جدًا في مواجهة الشعبوية، لأن الشعبوية تميل إلى تقسيم المجتمع إلى «شعب حقيقي» في مقابل خصوم يُدفعون تدريجيًا إلى خارج تعريف الشعب. خامسًا: مشروعية الانعكاسية النوع الثاني هو المشروعية الانعكاسية. وهي ترتبط بقدرة النظام الديمقراطي على الاعتراف بتعدد المجتمع، وعلى مراجعة نفسه وتصحيح أخطائه، وعلى استيعاب وجهات النظر المختلفة. فلا يمكن للمؤسسة الديمقراطية أن تدعي امتلاك الحقيقة النهائية. والقرار السياسي الديمقراطي يجب أن يظل قابلًا للنقاش والمراجعة والتصحيح. فالانعكاسية تعني أن النظام السياسي يمتلك القدرة على النظر إلى ذاته، وتقييم ممارساته، واكتشاف الاختلالات التي قد تنتج عن قراراته. ومن هنا ترتبط الانعكاسية بالمؤسسات المستقلة، وآليات الرقابة، والقضاء، وهيئات التقييم، والمجتمع المدني، والصحافة، والنقاش العام، وكل الآليات التي تسمح للمجتمع السياسي بأن يراجع نفسه. وبهذا المعنى: الديمقراطية القوية ليست الديمقراطية التي لا تخطئ، وإنما الديمقراطية التي تمتلك وسائل اكتشاف الخطأ وتصحيحه. وهذه الفكرة تجعل الديمقراطية نظامًا قادرًا على التعلم السياسي. سادسًا: مشروعية القرب أما البعد الثالث فيتمثل في مشروعية القرب. ولا يعني القرب مجرد قرب جغرافي من المواطن، وإنما يعني قدرة السلطة والمؤسسات على الإصغاء إلى تجارب المواطنين وحاجاتهم اليومية، وعلى الاعتراف بخصوصية أوضاعهم، وعدم التعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام انتخابية. القرب يعني أن يشعر المواطن بأن المؤسسات تراه وتسمعه وتأخذ تجربته على محمل الجد. فالسلطة يمكن أن تكون منتخبة، لكنها قد تكون بعيدة عن المواطنين. ويمكن أن تكون مؤسساتها قانونية، لكنها قد تكون غير قادرة على فهم الحياة اليومية للمجتمع. لذلك فإن المشروعية تتطلب قدرة على: الإصغاء؛ الاستجابة؛ فهم التجارب الفردية والجماعية؛ الاعتراف بالمواطن؛ التعامل معه باعتباره صاحب حق لا مجرد ناخب. وهنا يصبح القرب عنصرًا أساسيًا في إعادة بناء الثقة الديمقراطية. سابعًا: المشروعية بوصفها متعددة الأبعاد تسمح هذه الأبعاد الثلاثة بتجاوز التصور التقليدي الذي يربط المشروعية بالانتخاب وحده. فالانتخاب يمنح السلطة مشروعية الاختيار. لكنها تحتاج أيضًا إلى: مشروعية الحياد، ومشروعية الانعكاسية، ومشروعية القرب. وبذلك تصبح المشروعية الديمقراطية عملية مركبة: الانتخاب يجيب عن سؤال: من اختار السلطة؟ الحياد يجيب عن سؤال: كيف تعامل السلطة المواطنين؟ الانعكاسية تجيب عن سؤال: هل تستطيع السلطة مراجعة نفسها وتصحيح أخطائها؟ القرب يجيب عن سؤال: هل تصغي السلطة إلى المجتمع وتستجيب له؟ ومن هنا فإن المشروعية الديمقراطية ليست شهادة نهائية تمنح للسلطة في يوم الانتخابات، وإنما هي عملية مستمرة لإعادة إنتاج الثقة والتبرير والقبول الديمقراطي. ثامنًا: من شرعية المصدر إلى شرعية الممارسة يمثل هذا التحول أحد أهم الإسهامات النظرية في فهم الديمقراطية المعاصرة. فقد كان التصور التقليدي يميل إلى التركيز على شرعية المصدر: هل جاءت السلطة عن طريق انتخابات حرة ونزيهة؟ أما الديمقراطية المعاصرة فتفرض سؤالًا إضافيًا: هل تمارس السلطة بطريقة ديمقراطية؟ فقد تكون السلطة منتخبة، ولكنها قد تكون: غير شفافة، غير مسؤولة، غير قابلة للمساءلة، بعيدة عن المواطنين، معادية للمعارضة، مضيقة للحقوق والحريات، أو غير قادرة على تصحيح أخطائها. وبالتالي فإن الانتقال من شرعية المصدر إلى شرعية الممارسة لا يعني التقليل من أهمية الانتخابات، وإنما يعني رفض اعتبارها نهاية الديمقراطية. تاسعًا: «الحكومة الجيدة» وسؤال: كيف نحكم؟ يتعمق هذا الاتجاه في كتاب روزانفالون «الحكومة الجيدة». فالتحول الأساسي هنا يتمثل في الانتقال من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: كيف يحكم؟ فالانتخاب يحدد مصدر السلطة، لكنه لا يحدد بالضرورة جودة ممارستها. والحكومة الجيدة هي التي تكون قادرة على ممارسة السلطة بطريقة تتسم بالوضوح، والمسؤولية، والاستجابة، والإنصات، والتبرير، والمساءلة. وهذا يعني أن الديمقراطية لا تتعلق فقط بآلية الوصول إلى السلطة، وإنما أيضًا بأخلاق ومؤسسات وأساليب ممارسة السلطة. ومن هنا يمكن التمييز بين: ديمقراطية الوصول إلى السلطة و ديمقراطية ممارسة السلطة. الأولى تتعلق بالانتخاب. والثانية تتعلق بالشفافية والمساءلة والإنصات والمسؤولية والاستجابة. وهذا التمييز شديد الأهمية، لأنه يمنع السلطة المنتخبة من تحويل شرعية انتخابية سابقة إلى تفويض مفتوح وغير محدود. عاشرًا: دومينيك روسو والديمقراطية المستمرة ينطلق دومينيك روسو من مشكلة قريبة، ولكن من مدخل مختلف. فالديمقراطية التمثيلية التقليدية تفترض أن الشعب يمارس سيادته عبر انتخاب ممثلين يتولون بعد ذلك إنتاج الإرادة العامة. لكن هذا التصور يخلق مفارقة: الشعب هو صاحب السيادة، لكنه لا يمارس سيادته إلا بصورة متقطعة. فالانتخابات تمنح المواطنين لحظة سياسية قوية، لكنها تليها فترة طويلة يصبح خلالها المواطن في موقع المتلقي. ومن هنا يقترح روسو التفكير في الديمقراطية المستمرة. فالديمقراطية يجب ألا تتوقف عند لحظة الانتخاب. والشعب لا ينبغي أن يتحول من صاحب سيادة إلى مجرد متفرج على ممارسة السلطة. بل يجب أن يظل حاضرًا من خلال: الحقوق والحريات؛ المشاركة؛ النقاش العام؛ المعارضة؛ الرقابة؛ الاحتجاج؛ الطعن؛ التقاضي؛ المساهمة في إنتاج القواعد العامة؛ ومراقبة تنفيذ السياسات العامة. وبذلك يتحول المواطن من: ناخب دوري إلى: فاعل سياسي مستمر. الحادي عشر: التمثيل السياسي كمشروع مفتوح هنا يمكن بناء التمييز الأساسي بين الديمقراطية التمثيلية والتمثيل السياسي. فالديمقراطية التمثيلية هي شكل مؤسساتي تاريخي. أما التمثيل السياسي فهو علاقة متحركة بين المجتمع وممثليه. ولهذا فإن أزمة الديمقراطية لا تعني بالضرورة أن علينا التخلي عن التمثيل، وإنما تعني ضرورة إعادة اختراع التمثيل. فالتمثيل السياسي لا ينبغي أن يفهم باعتباره تفويضًا مطلقًا، وإنما باعتباره علاقة مستمرة تتطلب: الاستماع، والتواصل، والتفسير، والتداول، والاستجابة، والمساءلة، والتقييم. وبذلك يصبح التمثيل مشروعًا مفتوحًا على المجتمع، وليس جدارًا يفصل السياسيين عن المواطنين. إن السؤال ليس: هل نحتاج إلى التمثيل؟ وإنما: أي تمثيل نريد؟ وكيف نجعل التمثيل أكثر ديمقراطية؟ الثاني عشر: الحقوق والحريات باعتبارها شروطًا لممارسة السيادة في هذا السياق تكتسب الحقوق والحريات أهمية مركزية. فحرية التعبير والتنظيم والاجتماع والصحافة، والحق في المعارضة والمشاركة، والحق في التقاضي، واستقلال القضاء، وحرية التنظيم السياسي والنقابي والمدني، ليست مجرد امتيازات فردية يمكن للسلطة أن تتعامل معها باعتبارها قيودًا خارجية. إنها شروط لممارسة السيادة الشعبية ذاتها. فلا يمكن أن نتحدث عن إرادة شعبية ديمقراطية إذا كان المواطن غير قادر على التعبير عن رأيه. ولا يمكن أن نتحدث عن سيادة شعبية إذا كانت المعارضة محرومة من حقوقها. ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية إذا كان الإعلام خاضعًا بصورة مطلقة للسلطة. ولا يمكن أن تكون الأغلبية ديمقراطية إذا اعتبرت أن امتلاكها للأغلبية يمنحها الحق في إلغاء حقوق الأقلية. لذلك فإن الحقوق والحريات لا تقف في مواجهة الديمقراطية، وإنما تشكل أحد شروط وجودها. الثالث عشر: هابرماس والديمقراطية التداولية يضيف هابرماس بعدًا آخر إلى هذا التصور، يتمثل في الديمقراطية التداولية. فالمشروعية الديمقراطية لا ترتبط فقط بعدد الأصوات، وإنما كذلك بالكيفية التي تتشكل بها الإرادة السياسية. فالمواطن لا يشارك في الديمقراطية فقط عندما يصوت، وإنما عندما: يتكلم، ويناقش، ويحاجج، وينتقد، ويستمع إلى الآخرين، ويعيد النظر في مواقفه. ومن هنا تبرز أهمية الفضاء العمومي باعتباره مجالًا لتكوين الرأي والإرادة السياسية. فالفضاء العمومي الديمقراطي يضم الأحزاب والنقابات والجمعيات والصحافة والمثقفين والمواطنين ومختلف الفاعلين الاجتماعيين. والديمقراطية التداولية لا تفترض اختفاء الاختلاف. بل على العكس، الاختلاف جزء جوهري من الديمقراطية. المهم هو أن يتحول الاختلاف إلى نقاش وحجاج وتنافس سياسي، لا إلى إقصاء أو تخوين أو نزع للشرعية عن الخصم. ومن هنا تصبح المعارضة جزءًا من إنتاج المشروعية، وليست مجرد عائق أمام الحكومة. الرابع عشر: من التمثيل إلى التداول يمكن هنا تركيب تصور ثلاثي: عند روزانفالون: الديمقراطية = انتخاب + مراقبة + اعتراض + مساءلة + قرب + انعكاسية + حياد. عند دومينيك روسو: الديمقراطية = تمثيل + حقوق + حضور مستمر للمواطن. وعند هابرماس: الديمقراطية = مؤسسات + تداول عمومي + تواصل + حجاج + تكوين ديمقراطي للإرادة. وبالتالي لا يمكن اختزال الديمقراطية في أي عنصر واحد. إن الديمقراطية المتجددة تحتاج إلى: الانتخاب، والتمثيل، والحقوق، والتداول، والمشاركة، والمراقبة، والمساءلة. الخامس عشر: الشعبوية كتجلٍّ لأزمة الديمقراطية في هذا السياق يمكن فهم صعود الشعبوية باعتباره أحد أبرز تجليات أزمة الديمقراطية التمثيلية. لكن الشعبوية لا تعني فقط خطابًا ضد النخب. ففي تحليل روزانفالون، تتميز الشعبوية أيضًا بتصور معين للشعب وللديمقراطية. إنها تميل إلى تصور الشعب باعتباره وحدة متجانسة تمتلك إرادة واحدة، وإلى تقديم نفسها باعتبارها التعبير المباشر عن هذه الإرادة، في مقابل نخب ومؤسسات ووسائط يُنظر إليها باعتبارها منفصلة عن الشعب أو معادية لإرادته. وهنا تظهر المشكلة الأساسية. فالمجتمع الديمقراطي ليس وحدة متجانسة. إنه مجتمع متعدد: في المصالح، والقيم، والاتجاهات، والتجارب، والهويات، والاختيارات السياسية. لذلك لا يمكن لأي قائد أو حزب أو حركة أن يدعي امتلاك الشعب بصورة كاملة ونهائية. فـ«الشعب» في الديمقراطية ليس كتلة سياسية متجانسة، وإنما هو جمع تعددي لمواطنين متساوين في الحقوق، مختلفين في الآراء والمصالح والانتماءات. السادس عشر: المفارقة الشعبوية تقوم الشعبوية على مفارقة عميقة. فهي تنشأ من أزمة التمثيل، لكنها قد تؤدي إلى إضعاف التمثيل. وتنتقد النخب، لكنها قد تؤدي إلى تركيز السلطة حول قيادة تدعي احتكار التعبير عن الشعب. وتدافع عن السيادة الشعبية، لكنها قد تضيق المجال الذي يستطيع الشعب من خلاله التعبير عن تعدده. وتنتقد المؤسسات الوسيطة، لكنها قد تضعف المؤسسات التي تمنع تركيز السلطة. وتقول إنها تتحدث باسم الشعب، لكنها قد تواجه كل من يخالفها باعتباره خارج الشعب. وهنا تكمن المشكلة الجوهرية: ليست المشكلة في الشعب، وإنما في احتكار تعريف الشعب واحتكار تمثيله. ففي الديمقراطية: المعارضة جزء من الشعب. الأقلية جزء من الشعب. النقابة جزء من الشعب. الجمعية جزء من الشعب. الصحافة المستقلة جزء من الشعب. والمواطن الذي يرفض السلطة جزء من الشعب. ومن ثم فإن الدفاع عن السيادة الشعبية يقتضي الدفاع عن التعددية التي تجعل الشعب قادرًا على التعبير عن نفسه في تعدده واختلافه. السابع عشر: الشعبوية نتيجة للأزمة وليست مجرد خطر خارجي لا ينبغي أن نتعامل مع الشعبوية باعتبارها مجرد خطر خارجي يهاجم الديمقراطية من خارجها. فالشعبوية تكشف أيضًا عن مشكلات حقيقية داخل الديمقراطية التمثيلية. فعندما يشعر المواطن أن صوته لا قيمة له إلا في يوم الانتخابات، وأن الأحزاب لا تستمع إليه، وأن المؤسسات بعيدة عنه، وأن القرار السياسي يصنعه محترفون سياسيون بعيدون عن الحياة اليومية، فإن خطابًا يَعِد بإعادة «الشعب» إلى مركز السياسة يجد أرضية خصبة. ومن هنا فإن مواجهة الشعبوية لا يمكن أن تقوم فقط على إدانتها أخلاقيًا. بل يجب معالجة الأسباب التي تسمح لها بالنمو: أزمة التمثيل؛ أزمة الثقة؛ أزمة المشاركة؛ أزمة المساواة؛ أزمة المساءلة؛ وأزمة العلاقة بين المواطن والمؤسسات. الثامن عشر: مقاومة الشعبوية عبر تجديد الديمقراطية إذا كانت الشعبوية تستفيد من قصور الديمقراطية التمثيلية، فإن مواجهتها الحقيقية لا تكون بإبعاد المواطنين عن السياسة، وإنما بإعادة إدماجهم فيها. ولا يمكن مواجهة خطاب «الشعب» بإلغاء المجال العمومي. ولا يمكن مواجهة الشعبوية بتقوية السلطة على حساب المؤسسات. ولا يمكن الدفاع عن الديمقراطية بإضعاف المعارضة. ولا يمكن مقاومة احتكار التمثيل باحتكار السلطة. إن البديل هو: توسيع الديمقراطية بدل تقليصها. وذلك من خلال: تجديد التمثيل السياسي؛ توسيع المشاركة؛ حماية الحقوق والحريات؛ تقوية استقلال المؤسسات؛ تعزيز الرقابة والمساءلة؛ تطوير الفضاء العمومي؛ دعم الإعلام المستقل؛ توسيع التداول؛ تعزيز استقلال القضاء؛ وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات. وبذلك يصبح الرد على الشعبوية ردًا ديمقراطيًا من داخل الديمقراطية نفسها. التاسع عشر: نحو مفهوم مركب للمشروعية الديمقراطية يسمح التركيب بين روزانفالون وروسو وهابرماس بإعادة بناء مفهوم أكثر شمولًا للمشروعية. فالمشروعية الديمقراطية لا يمكن أن تختزل في الانتخاب. ويمكن صياغتها على النحو التالي: المشروعية الديمقراطية = مشروعية الاختيار + مشروعية الحياد + مشروعية الانعكاسية + مشروعية القرب + مشروعية التداول + مشروعية الحقوق + مشروعية المشاركة + مشروعية المساءلة. 1. مشروعية الاختيار وتتعلق بحرية الانتخابات ونزاهتها والتنافس السياسي الحقيقي. 2. مشروعية الحياد وتتعلق بالمساواة في المعاملة وعدم تحويل الدولة إلى أداة حزبية أو فئوية. 3. مشروعية الانعكاسية وتتعلق بقدرة المؤسسات على مراجعة قراراتها وتصحيح أخطائها. 4. مشروعية القرب وتتعلق بقدرة المؤسسات على الإصغاء إلى المواطنين وفهم تجاربهم والاستجابة لها. 5. مشروعية التداول وتتعلق بكون القرارات العامة قابلة للنقاش والحجاج والتبرير في فضاء عمومي مفتوح. 6. مشروعية الحقوق وتتعلق باحترام الحقوق والحريات باعتبارها شروطًا لممارسة السيادة الشعبية. 7. مشروعية المشاركة وتتعلق ببقاء المواطن حاضرًا في المجال السياسي بين الانتخابات. 8. مشروعية المساءلة وتتعلق بخضوع السلطة للمراقبة والتقييم والمحاسبة. وبذلك تصبح المشروعية متعددة المصادر، ومتعددة المستويات، ومستمرة في الزمن. العشرون: من المشروعية الانتخابية إلى المشروعية الديمقراطية يمكن هنا صياغة تحول نظري أساسي: المشروعية الانتخابية ليست هي المشروعية الديمقراطية الكاملة. فالمشروعية الانتخابية ضرورية، لكنها ليست كافية. والسلطة التي تفوز في انتخابات حرة ونزيهة تحصل على أساس مشروع لممارسة الحكم، لكنها لا تحصل على تفويض مفتوح لفعل كل شيء. فالانتخاب لا يلغي: الحقوق والحريات؛ الفصل بين السلطات؛ استقلال القضاء؛ التعددية؛ المعارضة؛ المراقبة؛ المساءلة؛ والمراجعة الديمقراطية. ومن هنا يمكن القول: الانتخاب يمنح السلطة حق الحكم، لكنه لا يمنحها حق الحكم بلا حدود. والمشروعية الديمقراطية لا تتوقف عند لحظة الوصول إلى السلطة، وإنما تُختبر يوميًا في كيفية استعمال هذه السلطة. الحادي والعشرون: الديمقراطية المتجددة من خلال هذا التركيب يمكن الانتقال من الديمقراطية الانتخابية الضيقة إلى مفهوم أكثر شمولًا هو الديمقراطية المتجددة. فالديمقراطية الانتخابية تعني: أن يختار المواطنون حكامهم. والديمقراطية الحقوقية تعني: أن يتمتع المواطنون بحقوق وحريات تحميهم من تعسف السلطة. والديمقراطية المؤسسية تعني: أن توجد مؤسسات مستقلة وقواعد تحد السلطة وتراقبها. والديمقراطية التداولية تعني: أن تتشكل الإرادة السياسية من خلال النقاش والحجاج في فضاء عمومي مفتوح. والديمقراطية المستمرة تعني: أن يظل المواطن حاضرًا في الحياة السياسية بين الانتخابات وأثناءها وبعدها. والديمقراطية الرقابية تعني: أن تظل السلطة خاضعة للمساءلة والتقييم. والديمقراطية الانعكاسية تعني: أن يكون النظام قادرًا على مراجعة نفسه وتصحيح أخطائه. وهكذا لا تكون الديمقراطية مكتملة إلا بتفاعل هذه الأبعاد. الثاني والعشرون: الديمقراطية باعتبارها قدرة على التصحيح الذاتي من أهم خصائص الديمقراطية المتجددة أنها لا تدعي العصمة. فالأغلبية يمكن أن تخطئ. والحكومة يمكن أن تخطئ. والبرلمان يمكن أن يخطئ. والمؤسسات يمكن أن تخطئ. بل إن المجتمع نفسه يمكن أن يخطئ في تقدير بعض الخيارات. لكن الفرق الأساسي بين النظام الديمقراطي والنظام المغلق هو أن الديمقراطية تتيح آليات مؤسساتية ومجتمعية لاكتشاف الخطأ وتصحيحه. وهنا تتقاطع: انعكاسية روزانفالون مع استمرارية الديمقراطية عند دومينيك روسو ومع التداول العمومي عند هابرماس. فالديمقراطية تكون قوية عندما تستطيع أن تسمح بالنقد، وتستوعب الاعتراض، وتعيد النظر في السياسات، وتغير المسؤولين، وتراجع القوانين، وتجدد المؤسسات. لذلك: القدرة على التصحيح ليست علامة ضعف الديمقراطية، وإنما إحدى علامات قوتها. الثالث والعشرون: من «حكم الشعب» إلى «قدرة الشعب على الحضور» تسمح هذه المقاربة بإعادة النظر في تعريف الديمقراطية نفسها. فالديمقراطية لا تعني فقط أن الشعب يحكم. لأن السؤال التالي يجب أن يطرح: كيف يظل الشعب حاضرًا في ممارسة السلطة التي يفترض أنها تمارس باسمه؟ وهنا تصبح الديمقراطية سلسلة متواصلة: الشعب → انتخاب → تمثيل → تداول → مشاركة → مراقبة → مساءلة → تصحيح → تجديد. وبذلك لا تعود الديمقراطية علاقة موسمية بين المواطن وصندوق الاقتراع. بل تصبح علاقة مستمرة بين: المواطن والمؤسسات، المجتمع والدولة، الممثل والناخب، السلطة والمعارضة، والقرار العمومي والفضاء العام. الرابع والعشرون: إعادة بناء التمثيل السياسي إن تجاوز أزمة الديمقراطية لا يعني تجاوز التمثيل. فالمجتمعات الحديثة تحتاج إلى مؤسسات تمثيلية. لكن المطلوب هو الانتقال من: التمثيل بوصفه تفويضًا انتخابيًا مغلقًا إلى: التمثيل بوصفه علاقة سياسية مفتوحة. فالتمثيل الديمقراطي الحقيقي يجب أن يكون: قابلًا للتواصل؛ قابلًا للمساءلة؛ قابلًا للنقد؛ قابلًا للتصحيح؛ قابلًا لإعادة التقييم. وبذلك يصبح الممثل السياسي ليس مجرد شخص حصل على أصوات، وإنما وسيطًا مؤسساتيًا بين المجتمع والدولة، ومطالبًا باستمرار بإعادة بناء العلاقة مع المواطنين. وهنا تكمن أهمية التمييز بين: الديمقراطية التمثيلية كتاريخ و التمثيل السياسي كمشروع ديمقراطي مفتوح على المستقبل. فالشكل التاريخي للديمقراطية يمكن أن يتغير، بينما يظل مبدأ التمثيل قابلًا لإعادة الاختراع. الخامس والعشرون: نحو دمقرطة الديمقراطية تكشف أزمة الديمقراطية التمثيلية أن المطلوب ليس العودة إلى ديمقراطية تمثيلية مغلقة، وليس كذلك التخلي عن المؤسسات الديمقراطية. المطلوب هو دمقرطة الديمقراطية نفسها. أي توسيع المجال الديمقراطي من: الانتخاب إلى: الحقوق، والتمثيل، والتداول، والمشاركة، والمراقبة، والمساءلة، والتصحيح. وهذا يعني الانتقال من سؤال: من يحكم؟ إلى مجموعة أسئلة أكثر عمقًا: كيف يحكم؟ كيف تتشكل الإرادة العامة؟ من يراقب السلطة؟ كيف يشارك المواطن بين الانتخابات؟ كيف تحمى الحقوق والحريات؟ كيف تتم حماية المعارضة؟ كيف تظل المؤسسات مستقلة؟ كيف يمكن تصحيح السياسات العامة؟ وكيف يمكن للتمثيل السياسي أن يظل مفتوحًا على المجتمع؟ الخاتمة: من حماية الديمقراطية إلى تجديدها تكشف أزمة الديمقراطية التمثيلية أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود سلطات غير ديمقراطية، وإنما أيضًا في قصور بعض الأشكال الديمقراطية القائمة عن استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية المعاصرة. فالانتخابات ضرورية، لكنها غير كافية. والتمثيل ضروري، لكنه غير كافٍ. والمؤسسات ضرورية، لكنها تحتاج إلى الرقابة. والأغلبية ضرورية لاتخاذ القرار، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقوق والحريات. والسلطة المنتخبة تحتاج إلى أكثر من شرعية الوصول؛ إنها تحتاج إلى شرعية الممارسة. ومن هنا فإن الديمقراطية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها نظامًا مكتملًا ونهائيًا، وإنما باعتبارها مشروعًا تاريخيًا مفتوحًا على التجديد والتصحيح. لقد كشف روزانفالون أن الديمقراطية المعاصرة لا يمكن اختزالها في الانتخابات، وأن المشروعية الديمقراطية تتعدد مصادرها وأبعادها: الاختيار، والحياد، والانعكاسية، والقرب، فضلًا عن الرقابة والمساءلة. وأبرز دومينيك روسو أن الديمقراطية لا ينبغي أن تتوقف عند لحظة الاقتراع، وأن المواطن يجب أن يظل فاعلًا سياسيًا حاضرًا في المجال العام من خلال الحقوق والحريات والمشاركة والمساهمة في إنتاج الإرادة العامة. أما هابرماس فقد أظهر أن المشروعية لا تتعلق فقط بمن يملك الأصوات، وإنما أيضًا بالكيفية التي تتشكل بها الإرادة السياسية، وبمدى انفتاح المجال العمومي على النقاش والحجاج والتداول. ومن خلال الجمع بين هذه التصورات يمكن الوصول إلى مفهوم للديمقراطية يتجاوز الثنائية التقليدية بين الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية. إن المسألة لم تعد: هل نختار الديمقراطية التمثيلية أم نرفضها؟ وإنما: كيف نجعل التمثيل نفسه أكثر ديمقراطية؟ فالديمقراطية التمثيلية هي صيغة تاريخية نشأت لتجسيد السيادة الشعبية في المجتمعات الحديثة، لكنها لا تستنفد كل إمكانات الديمقراطية. أما التمثيل السياسي، فهو مشروع مفتوح باستمرار على الإصلاح والتجديد، وعلى إعادة بناء العلاقة بين المواطنين وممثليهم، وبين المجتمع والمؤسسات. ومن هنا تصبح المشروعية الديمقراطية عملية مستمرة: تبدأ بالانتخاب، وتتأكد بالحقوق والحريات، وتتعمق بجودة التمثيل، وتتجسد في الحياد، وتتجدد بالانعكاسية والقرب، وتُنتج عبر التداول، وتُمارس بالمشاركة، وتُختبر بالمراقبة والمساءلة، وتستمر بالقدرة على التصحيح والتجديد. وفي هذا الإطار يمكن فهم الشعبوية بصورة أكثر تركيبًا. فهي ليست مجرد خطر يأتي من خارج الديمقراطية، وإنما هي أيضًا نتيجة لبعض اختلالاتها. وهي تستفيد من أزمة التمثيل والثقة والمشاركة، لكنها قد تقدم في المقابل اختزالًا خطيرًا للشعب في إرادة واحدة، وللتمثيل في شخص أو قيادة، وللديمقراطية في علاقة مباشرة بين القائد و«الشعب الحقيقي». لذلك فإن مقاومة الشعبوية لا يمكن أن تكون بمزيد من الإقصاء، ولا بمزيد من تركيز السلطة، ولا بإضعاف المؤسسات الوسيطة، ولا بتقليص المجال العمومي. بل على العكس: مقاومة الشعبوية تقتضي المزيد من الديمقراطية. مزيدًا من الحقوق. مزيدًا من المشاركة. مزيدًا من التعددية. مزيدًا من التمثيل المفتوح. مزيدًا من التداول. مزيدًا من الشفافية. مزيدًا من الرقابة. مزيدًا من المساءلة. ومؤسسات أكثر استقلالًا وقدرة على التصحيح. ومن هنا يمكن صياغة المبدأ المركزي الذي يجمع بين روزانفالون ودومينيك روسو وهابرماس: لا تُنقذ الديمقراطية بالعودة إلى شكلها الانتخابي الضيق، ولا تُقاوم الشعبوية بإبعاد الشعب عن السياسة؛ وإنما تُنقذ الديمقراطية بتجديدها، وتُقاوم الشعبوية بإعادة بناء قدرة المواطنين الفعلية على المشاركة والتداول والمراقبة والمساءلة وصناعة القرار. فالديمقراطية ليست فقط حكم الشعب، وإنما هي أيضًا قدرة الشعب على أن يظل حاضرًا في الحياة العامة؛ أن يراقب من يحكم باسمه، وأن يعترض عليه، وأن يناقشه، وأن يساهم في إنتاج القواعد التي تحكمه، وأن يمتلك الوسائل الديمقراطية لتصحيحها وتغييرها. وبذلك تصبح الديمقراطية المتجددة أفقًا يتجاوز أزمة الديمقراطية التمثيلية دون أن يهدم منجزاتها التاريخية؛ وتصبح المشروعية ممارسة مستمرة لا شهادة تمنح مرة واحدة؛ ويصبح التمثيل السياسي مشروعًا مفتوحًا لا تفويضًا مغلقًا؛ ويصبح المواطن فاعلًا سياسيًا دائمًا لا مجرد ناخب موسمي. إن التحدي الحقيقي للديمقراطية المعاصرة ليس فقط حماية الديمقراطية من الشعبوية، وإنما إعادة جعل الديمقراطية قادرة على إنتاج نفسها وتجديد مشروعية مؤسساتها باستمرار. وهنا تحديدًا تنتقل الديمقراطية من مجرد نظام لاختيار الحكام إلى نظام دائم لإنتاج المشروعية، وممارسة الحرية، وتنظيم الاختلاف، ومراقبة السلطة، وتصحيح أخطائها، وتجديد العلاقة بين المجتمع والدولة. إنها، في النهاية، ليست ديمقراطية تنتهي عند صندوق الاقتراع، بل ديمقراطية تبدأ منه.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تونس : هل لا يزل خطر الفكر التكفيري لحركة النهضة داهما ؟
-
تونس : ما الذي يمنع المعارضة من التوحّد ؟
-
السجون التونسية بين المعايير والقواعد النموجذية الدولية والو
...
-
ضد الفاشية الشعبوية الهاجمة...ضد الفاشيات اليمينية الرابضة،
...
-
شعار الدولة الاجتماعية بين المقتضيات الموضوعية وزيف الدعاية
...
-
شعار الدولة الاجتماعية بين المقتضيات الموضوعية و زيف الدعاية
...
-
ثقافة ثورية : النسوية، الجندر الطبقة والتنظيم
-
كيف يحدد الاقتصاد أخلاق الطبقات والفئات الاجتماعية الأساسية
...
-
محمود عباس ، رجل فقد ظله.
-
هل يتعرض راشد الغنوشى لمحاكمة سياسية ؟
-
أزمة الرأسمالية وراهنية البديل الاشتراكي
-
فشل الرأسمالية وراهنية البديل الاشتراكي
-
في الذكرى العاشرة للثورة التونسية : حول راهنية شعار الشعب ير
...
-
في الذّكرى العاشرة للثّورة: في راهنيّة شعار “الشّعب يريد إسق
...
-
كورونا والشعبوية كماشتا الرأسمالية اللتان تعصران الشعوب
-
تونس ، هذه التجاعيد السياسية
-
حول حقيقة حملة الاعتقالات الاخيرة لبعض رموز الفساد في تونس:
...
-
الى الرفيقات والرفاق بمناسبة 8 مارس
-
تهنئة الى رفيقاتي ورفاقي بمناسبة 8 مارس
-
الماركسية والدين
المزيد.....
-
الديدان الخارقة.. حل غير متوقع وأرخص لتنظيف هياكل الحيوانات
...
-
بيان سعودي بعد هجوم إيراني على ناقلة إماراتية بمضيق هرمز
-
بزشكيان: إيصال البضائع إلى إيران لم يعد أمرا سهلا ونبحث عن ط
...
-
بعد ضربة موجعة لقوافله القادمة من ليبيا.. حميدتي يعلن -الطوا
...
-
-تعهّد بالولاء وتدخل في الملفات الأمنية-.. رئيس ديوان نتنياه
...
-
لماذا فضل محمد صلاح الدوري التركي على السعودي؟
-
-إنديكس-: سيارتو يواجه اتهاما بتلقي رشوة وعقوبة قد تصل إلى ث
...
-
طبيب يحذر: تناول الآيس كريم بكثرة في الحر قد يرهق الجسم ويضر
...
-
الخارجية الروسية: مدينة فلاديقوقاز الروسية قد تصبح مركزا للن
...
-
أكثر الفواكه التي قد تسهم بتفشي عدوى -السيكلوسبورا-
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|