أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - محمود درويش ،ما زلت واقفًا على الريح بيننا















المزيد.....

محمود درويش ،ما زلت واقفًا على الريح بيننا


جواد بولس

الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 02:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


محمود درويش، ما زلت واقفًا على الريح بيننا


ثمانية عشر عاما مرت على رحيل محمود درويش؛ وكلّما تحلّ هذه الذكرى أشعر أنها ليست موعدا مع الماضي، بل نقرة على جدار قلبي المتعب ليسمعه يقول: "في الرحيل تقود الفراشات أرواحنا، ونتذكر زر القميص الذي ضاع منّا وننسى تاج أيامنا.. في الرحيل نتساوى مع الطير". انها الذكرى التي أنتظر فيها "طيري" وتلك الفراشات لتحط على كتفي كي "أنسج مثلها زينة ملهاتي من إبرة الضوء"؛ فالفراشات، كما علمنا الدرويش، "تولد من ذاتها وتموت في احتراقها الجميل".

أكتب اليوم عنه وله وعنّا وعن هذا الزمن الذي "نقف فيه على الريح"؛ وأقرأ قصائده تراتيل لسفر الصباحات وأحفظها قلائد لتحفظني في هذه "الأبدية الصحراء". كم قالوا فيه وعن شعره وشاعريته، لكنهم لم يقولوا ما يكفي وما يليق بحدود كونه الفسيح. فهو لم يعش ليطارد اليقين، بل مضى، منذ قذفته ريح الشمال الى ذاك البعيد، ينبش الأسئلة ويعرف أن لا دور له في الحياة سوى"أنني عندما علمتني تراتيلها أقول هل من مزيد؟".

لقد عاش محمود درويش ورحل تاركا للوجود قصيدته مفتوحة على فوّهات الاحتمال ومعلقة على جدران الشك حتى عندما كانت البلاد كلّها تطلب منه أحيانا اليقين كاملا، أو كامل اليقين. رحل مرددًا "لا أريد لهذه القصيد أن تنتهي، ولا لهذا النهار الخريفي أن ينتهي".

في حياته قدّس المعرفة وأداتها العقل؛ فكانت الحياة معلمته الأولى، والصدفة، بنتها، كانت حاضرة في مسيرته كلّها؛ أما حدسه فكان رفيقه المؤتمن، مثلما كانت لغته جسدا له وهويته الثابتة. كان ينهل من ينابيع ثقافات الأمم وهو الذي نشأ في حضن أممي موشّىً بخيوط قومية واضحة. كانت أشعاره الأولى جواز سفره الى العالم حتى غاب بعدها "البيت" من حياته وصار حالة ملتبسة والطريق اليه أصبحت مجازا ثابتًا.

ما زلت أذكر ما شاهدناه عندما دخلنا بيته في رام الله لأول مرة بعد وفاته. كان كل شيء في البيت بسيطا ويشبهه، وكان عطر روحه يملأ المكان. كانت الكتب مزروعة في كل زوايا الصالون وفي غرفة نومه. كان بعضها مفتوحا قيد القراءة، والآخر ينتظر دوره. وجدنا أعدادا من الكتب ودوواين شعر مع رسائل أصحابها يرجونه أن يقرأها ويبدي رأيه فيها. على المقاعد وعلى الرخام في الحمام كانت قصاصات من الورق ملقاة هناك، مكتوبا عليها بخط يده بعض الجمل والتعابير اللافتة التي كانت، على ما يبدو، تحضره فجأة فيدونها كيلا ينساها، ويتركها كيفما اتفق عساه يعود اليها. كان يقرأ كتابا عن تاريخ القرصنة مفتوحا وموضوعا في جارور بجانب تخته، وكتابا آخر عن المغول، وقد كانت تشغله مملكتهم ودور الأحصنة في حروبهم، فقد كان يسميها " مملكة الحصان". وكان يقرأ كتاب المؤرخ اليهودي شلومو زند "متى وكيف اخترع الشعب اليهودي" الذي صدر بالعبرية عام 2008. أذكر أن المولف شلومو زند طلب وقتها من محمود قراءة الكتاب لأنه كتب في مقدمته عنه وشرح قصة قصيدة محمود درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" مؤكدا على أن الجندي المقصود في تلك القصيدة هو شلومو زند نفسه؛ فذهبنا يومها الى نهاريا واشترينا الكتاب من احدى مكتباتها. كان محمود درويش يقرأ بنهم وبمنهجية مدروسة ودافعه الاطلاع على تجارب الشعوب وتمكينه من توظيف ما يقرأه فيما سيكتبه لاحقا؛ فهو لم يسعَ كي تكون ثقافته الواسعة زخرفا هشا لنصوصه ولا استعراضا نزقا "لمستثقف" مدّع في عالم تتفشى فيه الجهالة ويكثر فيه المتعاطون مع ما يشبه الشعر. قرأ التاريخ وسكبه قصائد خالدة منذ البدايات، وقرأ كتبا في العلوم والموسيقى واللغة والكثير من آداب الشعوب الأخرى وعن ثقافاتها. كان يقرأ ويتعلم كي يتحرر ويحرر حاضره/حاضرنا من مسلّمات ثبّتها الأقدمون فسكنت عقولنا وبقيت هناك مفاهيم بالية، فألفناها وألفتنا. كان يقرأ في الفلسفة كي يلج عوالم الأسئلة الوجودية وكي لا تتحول قصائده إلى "خطب جوفاء" وتصير ، كما صارت روافد في نهر الفنون التي هي، وهي فقط، قادرة على هزيمة الموت. كان يجيد فهم "لغة الغبار وما يقوله للسرو"، فعرف كيف يخرج من اغواءات السياسة ولغتها المخاتلة التي يريدها البعض أن تبقى لغة الضعفاء وقدَرهم الأعمى. تبحّر في أساطير الأقدمين فأخذ منها حكمة الخيال وكرم التراب ليكشف للانسان القوة في ضعفه الجميل، وليحك له ظهر التاريخ ويصرخ في "حالة حصار" باسم الأمل: "أيها الحصار : تمهل لكي أتسمى.. أنا طروادة التي قامت، وستنتج الحظ للنار في أشجاري الخضراء"، وليهدنا "جداريته" الخالدة. انه الشاعر الذي صادق سماء تمطر في الليل ندى يبلل شفاه العطاشى، وفي النهار تبعث طيور الفراديس كي يبنوا للفقراء ظلالا. كان يكره الحواة ويدرك ماذا يفعله الملوك، أصحاب عروش القصب. لم تغوه السياسة وهو الذي اقترب منها خطوة فهجرها بعد أن خبر "أن في أنيابها، وإن لانت ملامسها، العطب".

أشعر اليوم وروحي تحاصرها الوحدة في عالم لم يعد تعرف أيامه الوفاء ولا حفظ المودة والعهود، والدنيا فقدت "محمودها" ولم يبق فيها إلا حفنة نادرة من "الدراويش"، أشعر، أن غياب "لاعب النرد" صار أكثر حضورّا معي. فبعض حالات الفقد ما هي إلّا "خفة الأبدي في اليومي" وهي "شامة في الروح"، ولها أثر مثل "أثر الفراشة الذي لا يُرى ولا يزول". إنه الغياب الذي يحضر في صلوات الفقراء والحالمين، وفي أدعية العاشقين. غياب لا يملأه ذاك الحنين الراقي النبيل فقط، بل هو ما تستحضره حاجاتنا اليومية في مواجهة الأسئلة الملحّة، وهو ما يمتحن الصداقات التي لن تصمد إلا في عالم تسكنه الطيبة السليقية وكبار النفوس الذين يخاطبون الحياة ويقولون لها: "سيري ببطء كالإناث الواثقات بسحرهن وكيدهن، سيري ببطء يا حياة لكي أراك بكامل النقصان حولي". هو ذاك الغياب الذي يعيدك الى تلك المساحات الهاربة كي تجد فيها تربة أخصب للاختلاف مع الأخرين وللاتفاق معهم.

أكتب اليوم في زمن التيه الثقيل، وأشعر انني لم أفقد شاعرا "ملأ الدنيا وشغل الناس" وحسب، بل فقدت جسرا كان يأخذني نحو عوالم الجمال ويتركني هناك صحبة غيمة أغرق معها في رذاذ المنى. وأفقد عاشقا علّمنا فنون الانتظار وكيف نحب حتى آخر التعب ونأخذ من نحب "برفق الى موتنا المشتهى". ونفقد شاعرا أشقته فكرة الوطن، فبكى لتعرفه "غيمة عائدة" وتعلم "كل كلام يليق بمحكمة الدم كي يكسر القاعدة" وتعلم "كل كلام وفككه كي يركّب مفردة واحدة هي: الوطن". وأحسب أن أكثر ما نفتقده اليوم هو محمود البوصلة، تلك التي كانت تعرف أن الوطنية التي تخسر انسانيتها سوف تخسر نفسها وحقها بالوجود، وأن الحرية بدون الفضيلة وبلا مراجعة أخطاء طالبيها تتحول الى صورة أخرى من الاستبداد.

مع حلول هذه الذكرى يشتاق كل واحد من محبيه لمحموده؛ فأنا أشتاق لمحمودي الذي كان يخرج من القصيدة لنتشارك، على هامش الزحام، بعض التفاصيل الطارئة والشقاوات العابرة. وأشتاق الى غضباته الصديقة، قبل أن يتعود على "انحرافاتي" الصغيرة ، مثلا إذا تأخرت قليلا عن ميعادي معه، أو مددت شوكتي بعفوية لالتقط لقمة من صحنه، أو أصررت، ونحن في مقهى أو شارع، أن يتحمل بصبر ويقف كي يتصور مع معجبة أو معجب تمنوا تخليد تلك المصادفة. وأشتاق الى طريقته في الاصغاء لاغاني الزمن الجميل وحين كان يتمايل مغمورا بالطرب. وأشتاق لضحكته الحرة كلما خف الحديث بيننا وطال السهر، ضحكة كانت تهرب من حنجرة لطالما أتعبتها صرامة البروتوكولات وحاصرها الحرج. أشتاق لانحيازه الدائم الى عالم النور والجمال والقيم النبيلة، ولتردده أحيانا في بعض القضايا والمحطات، ولحزمه الدائم عندما كانت تستنفر عزيمته أو يهتز حدسه، فهو، ككل أبناء الحياة، كان يعرف أن الشجاعة والعزم هما ديوان الحر، وأن العقل هو معلّقته الأبدية، ويبقى قلبه بوصلته نحو ذاك الأزرق المشتهى.

كم مرة وجدت نفسي راغبا في مهاتفته لأقول له أنه ما زال عند الكثيرين الكثيرين مصدرّا للرضا وللفرح، وعند بعض ضعاف النفوس مصدرا لغيرتهم ولحسدهم وللقلق. ولأقول له أن عالمنا اليوم بات أسوأ مما تركه، فليست الأرض وحدها يبابا بل اخلاق الناس صارت أيضا يبابا. لكنني سأقول له إننا نحاول، كما علمتنا، أن نحب الحياة وأن نخلق من أجلها إنجيلنا والوهم الجميلا.



#جواد_بولس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيون الأسرى في فلسطين فرّارة
- وحدة كسيحة أضر من فُرقة تزرع بعض الأمل
- من يد ماردونا - الالهية- الى صافرة الحكم السحرية
- قبل أن ندخل في حالة اللاعودة
- لا لتديين السياسة، صرخة واحدة لا صرختان
- القائمة المشتركة، يريدونها نموذجًا لوطنية تقنية
- فيصل الحسيني، كما عرفته
- بين الحرم الابراهيمي وقبة راحيل، نقطة وسقف ووهم
- الضحية إن حكت
- تفاءلوا بالخير تجدوه!
- أقبح من عالم بدون عيد للعمال
- يوم صارت حياة الفلسطيني-أخس من ورقة في فم جرادة-
- ويبقى صليب الفصح صليب القدس أولا
- الطريق الى المشنقة،أهلا بكم في مملكة اسرائيل
- يرحل جنكيز خان وسيرحل ترامب ، ويبقى القول ما قال يسوع
- خوفنا من الحرب ومن الآتي بعدها
- محمود درويش، ماذا سيحدث بعد هذا الرماد؟
- لا يوجد مكان لقاض عربي في اسرائيل الجديدة
- مصيرنا بين الحروب ؛ الجبهة الايرانية وجبهة الانتخابات الاسرا ...
- مواطنة على المحك


المزيد.....




- -الأمر سابق لأوانه-.. ترامب يرفض تأييد ترشيح نائبه لانتخابات ...
- مسؤول سعودي لـCNN: المملكة تتأهب لهجوم تخطط له ميليشيات عراق ...
- -التحالف- يعلن -إصابة 11 مدنياً جراء هجمات شنها الحوثيون على ...
- القوات الأمريكية تسحب طائرات التزود بالوقود من مطار بن غوريو ...
- قتيلان و 14 جريحا في انفجار عبوة ناسفة بحافلة ركاب قرب دمشق ...
- وزير تركي: أوروبا وضعت نفسها في موقف صعب برفضها الغاز الروسي ...
- الولايات المتحدة ترسل 200 جندي لدعم جهود مكافحة حرائق الغابا ...
- مصدر سعودي مسؤول: هناك تنسيق بين الحوثيين والميليشيات العراق ...
- الرئيس البولندي: لن ترفرف رايات بانديرا في سماء وارسو
- التحالف العربي بقيادة السعودية يعلن إصابة 11 مدنيا في منطقة ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - محمود درويش ،ما زلت واقفًا على الريح بيننا