جواد بولس
الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 02:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يقهرني أننا اعتدنا على قراءة التقارير التي توثق حالات قمع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ولا نملك ، كمحامين أو كمؤسسات حقوقية، الوسائل الكافية الناجعة لمتابعة هذا الكم الهائل من شكاوى الأسرى وشهاداتهم حول ما يواجهون يوميّا من اعتداءات وحشية وتنكيل، لا يستهدف أجسادهم وحسب بل، بالاساس، سحق أرواحهم واذلالهم المتعمد.
قد تبدو الكتابة عن أحوال الأسرى الفلسطينيين، في زمن الجرائم الكبيرة، عبثية، خاصة في ظل جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي المستمرة منذ ثلاثة أعوام، في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية.
تعيش فلسطين في السنوات الأخيرة حالة من الضياع السياسي غير المسبوق وفقدان الحيلة والقهر؛ فعلى المستوى السياسي لا يوجد أية مبادرة جدية تتناول قضية انهاء الاحتلال واحتمالات إقامة الدولة الفلسطينية، بينما تقوم قطعان المستوطنين، بمشاركة عناصر الجيش وتحت حمايتهم، بتكثيف اعتداءاتهم الدموية على السكان الفلسطينيين بهدف تهجيرهم من المناطق B و C كمقدمة لتنفيذ "خطة الحسم" الرامية الى ضم الضفة الغربية للسيادة الاسرائيلية وتخيير سكانها بين الاستسلام التام أو الهجرة أو الموت كما يجري في أيامنا هذه.
أن تعيش اليوم في المناطق الفلسطينية يعني أن تواجه القدر في كل ساعة وكل لحظة؛ أن تتنقل اليوم بين محافظة فلسطينية وأخرى، أو بين مدينة وقرية في نفس المحافظة، يعني أنك تتحدّى قدرك وأحيانا يعني أنك تتحرّش بموتك. فكل مفترق طرق في فلسطين المحتلة قد يصبح محطة لاصطياد الفلسطينيين وللتنكيل بهم واذلالهم، وكل حاجز ينصبه الجيش أو المستوطنون قد يصبح عتبة للموت أو مسرحا يقف عنده الفلسطيني عاجزا مسلوب الكرامة والانسانية.
ما يجري في فلسطين في السنوات الخمس الأخيرة هو ممارسة استعمارية مدروسة لسحق الروح الفلسطينية وتعويد الناس على الخنوع كضمانة لبقائهم أحياء ؛ ومن لا يرى ذلك فهو "أعمى بعيون أمريكية". المأساة ، كما أراها، أن هذه السياسة التي خطط لها الاحتلال في السنوات الأخيرة تحت مسميات وهمية ومغرضة وبدأ بتنفيذها بوسائل مبتكرة وأدوات خبيثة، قد أحرزت نجاحات واضحة، من أهمها فقدان المواطن الفلسطيني العادي لمحفزاته الوطنية وتخليه عن الشعور بضرورة مقاومة المحتل، وفقدانه لبواعث الأمل التي كانت وراء ايمانه بحتمية زوال الاحتلال وبقدرته على كنسه ونيل الحرية.
لن آتي، في هذه العجالة، على ذكر مسببات هذه الحالة الخطيرة المحزنة؛ بيد أنني لن أعفي جميع الفصائل الفلسطينية والحركات السياسية الفلسطينية، وعلى رأسها حركتي "فتح" و"حماس"، من مسؤليتيهما عن هذا الواقع وعن أفول الحلم وتشتت القضية الفلسطينية. أقول هذا مفترضّا وجود بعض بواقي الفصائل اليسارية والقومية الأخرى في عالم أصبح فيه اليسار أحجية يتحدثون عنها في المنتديات، وأصبحت التيارات العروبية والقومية "أحفورات" معروضة في متاحف تاريخ الأمم. أمّا مسؤولية أصحاب المشاريع الاسلامية، فهي قضية تحتاج لعناية منفردة، خاصة وأن تلك المشاريع، بعد ما حصل في غزة بعد السابع من اكتوبر 2023، دخلت مرحلة حرجة في أقسام "العناية المكثفة" السياسية.
لم يغفل واضعو سياسات اسرائيل الاحتلالية، قضية الأسرى الأمنيين ونضالاتهم وما تمثّله في ذاكرة المقاومة الفلسطينية، التي أفرزت ما صار يعرف على لسان كل البشر "بالحركة الأسيرة الفلسطينية" واستقبلت، داخل المجتمع الفلسطيني، "كضابط الايقاع الوطني" والقاسم المشترك الذي يجمع عليه كل الفلسطينيين. لقد وهب الأسرى الفلسطينون شعبهم كيانا رمزيا خلّد معنى ثورتهم وأبقى الاحتلال، في كل منحنيات الصراع الفلسطيني بعد احتلال عام 1967، ورغم الاختلالات التي ضربت البنى النضالية الفلسطينية ، في خانة العدو الأول والأخير، والتناقضَ الرئيسي الذي يتقدم سائر التناقضات والمواقف، في حالة نشوبها ووجودها على الساحة الداخلية الفلسطينية.
هكذا فهم منظرو اليمين الاسرائيلي الجديد أهمية ودور الحركة الأسيرة، لا سيما عندما بدأت الأطر والمؤسسات الفلسطينية التاريخية تتشقق وتضعف وتهتز؛ فوضعوا خططهم للانقضاض والقضاء عليها في عهد الوزير جلعاد أردان عام 2018 ،حتى جاءت حكومة نتنياهو الحالية لتنهي المهمة وتمضي في انجازها بأساليب وحشية غير مسبوقة وبمنطق الشر الخالص الذي لا يبقي مكانا لرحمة آدمية أو لعدل سماويّ.
تتابع عدة مؤسسات فلسطينية واسرائيلية وعالمية أوضاع الأسرى في سجون الاحتلال وتقوم بنشر تقارير دورية يوثقون فيها الممارسات والجرائم التي ترتكب داخل السجون. تؤدي هذه التقارير دورا هاما في دعم قضية الأسرى، ولكن رغم أهميتها يستحق الأسرى أكثر من ذلك، خاصة في هذه المرحلة الخطيرة والحرجة. من أهم هذه المؤسسات الفلسطينية "جمعية نادي الأسير الفلسطيني" التي أفادنا تقريرها الصادر قبل يومين عن تصاعد عمليات الاعتقال "وتحول التحقيق الميداني مع الأسرى وتعذيبهم العلني إلى أداة مركزية للسيطرة على الفضاء العام والترهيب والقمع" ، وأفاد كذلك على "أن النصف الأول من عام 2026 شهد تسجيل أكثر من 3600 حالة اعتقال في الضفة الغربية، بما فيها القدس، الى جانب مئات الحالات في قطاع غزة. لقد تم توثيق اعتقال 267 طفلا وطفلة، و 107 نساء. وقد بلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال 9600 أسيرا وأسيرة بينهم 3532 معتقلا إداريّا" يُحتجزون في الأسر بلا تحقيق معهم ولا تقديم لوائح اتهام بحقهم.
أكتب اليوم عن مأساة الأسرى، وأنا أعرف أن الزمن هو زمن الجرائم الكبرى وزمن الشر المطلق. أكتب، عنهم ولهم وفي عيني دمعة وأنا أستعيد ما قاله موكلي الأسير الطبيب لمحامية زارته يوم الثلاثاء الفائت في سجنه. موكلي طبيب فلسطيني شهير بلغ من العمر واحدا وسبعين عاما، قامت مؤخرا قوات الاحتلال باعتقاله ووجهت له تهمة النشاط في جمعية حظر الاحتلال عملها على الرغم من أنها جمعية تخصصت بتقديم الخدمات الطبية المجانية للمواطنين المحتاجين. "كان صوته كسيرا، ضعيفا ومتقطعا"، هكذا أبلغتني زميلتي بعد زيارته، وهو الذي اعتاد أن يخاطب الفجر بصيحة العز والكرامة، وقال لها: "إنّهم يتعمدون اهانتنا يوميا، فيضربوننا بقسوة ويشتموننا بجميع أنواع الشتائم ولا يدعوننا ننام في الليل، انهم يُغِيرون على غرفنا ومعهم الكلاب ويخرجونا من الغرف في البرد ويلقون فراشنا وأغطيتنا في الخارج ويرشونها بالماء، ثم يعيدونها ويطلبون منا أن ننام عليها وهي مليئة بالبق وبالحشرات" كان يتوقف عن الكلام كي يلتقط أنفاسه ويمسح دمعة من عينين لم تكن تحلمان إلّا بضحكة طفل وبالزنابق، ويكمل فيقول "أخشى ألا يصمد جسمي كل هذا التعذيب والمهانة، فقد خسرت من وزني قرابة العشرين كيلو في هذه الفترة القصيرة. إنهم يتعمدون تجويعنا واذابة أرواحنا ويتمنون أن نسقط كما سقط العشرات من رفاقنا في السجون قبلنا". سمعتها وبكيت، وأنا الذي واكب هذا الشقاء الفلسطيني قرابة خمسة عقود.
لقد كانت سجون الاحتلال دومًا مراكز لقمع المناضلين الفلسطينيين ومؤسسات خارجة عن قانون الانسانية وقيمها السائدة، وكانت تتحول في زمن المواجهات الطارئة مع نضالات الحركة الأسيرة الى "قبور مفتوحة" أو لأقفاص للقمع "وللترويض"، ولكن أولئك المناضلين كانوا يدخلونها بإرادات من فولاذ ويربون فيها الأمل والفرح وكانوا يواجهون سجانهم فيها بصمود لامس، عبر التاريخ، المعجزات فينتصرون عليه رغم القمع والقهر. كانوا سجناء لكن أرواحهم كانت حرة، وكانوا واثقين بالغد وبفجره؛ أما اليوم فقد تحولت السجون الى قبور باردة يزج بها الأسرى وهم لا يعرفون فيما إذا كانوا سيخرجون أحياء أم يبقون فيها جثامين محتجزة رهائن في ثلاجات الاحتلال.
هكذا يعيش الأسرى في زمن الدم وفي ظل حركة أسيرة ضعيفة حتى التلاشي، وشعبهم والعالم تشغلهم المجازر والجرائم الكبرى.
اما أنا فباق معهم؛ أكتب عنهم بمداد من قهر واصرار ووفاء، علني أمسح دمعة من عيني حر يبكي على عصر تتربع فيه المذلة ويغزو فيه العجز بلاد العرب والمسلمين، وقد قالوا: إن "عين الجواد فرّارة".
#جواد_بولس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟