أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ابراهيم ازروال - مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي















المزيد.....



مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي


ابراهيم ازروال

الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 01:42
المحور: قضايا ثقافية
    


مما لا شك فيه أن تطوير الذكاء الاصطناعي، سيؤدي إلى تغييرات جذرية، من أماراتها الدالة البطالة والعطالة، وتفرد أقليات متعلمة تعليما نوعيا وعاليا بمراكز عالية. ويصعب كثيرا توقع تفاصيل ما سيقع في المستقبل القريب، في ظل التقلبات المتواصلة، والتنافس الجماعي، لاعتبارات اقتصادية وسياسية و جيو-سياسية، حول تطوير الذكاء الاصطناعي، ومعرفة وضعية الاقتصاد ونوعية الكفاءات المطلوبة. وبما أن المعارف المهنية، تتغير في أقصر مدة، فمن الصعب، المراهنة على ربط التعليم بالتشغيل مثلا.
كيف ستواجه الرأسمالية العولمية ، عطالة الجموع المتزايدة ؟ هل ستسهم الروبوتات الشبيهة بالبشر، في تعقيد الوضع، وإيجاد وضع اقتصادي –اجتماعي غير مسبوق؟ هل يكفي امتصاص البطالة والتغلب على تبعاتها النفسانية والاجتماعية والثقافية، من خلال منح الدخل الأساسي الشامل وتوجيه المعطلين إلى أنشطة اجتماعية لا تساعد كثيرا على ترقية المعارف والكفاءات وتحسين جودة الحياة، أم لا بد من إيجاد بدائل تمكن الإنسان من الاحتفاظ بكرامته الإنسانية وريادته الحضارية؟
هل يمكن الاطمئنان إلى وعود مناصري تطوير الذكاء الاصطناعي و رقمنة العمل ،وتعميم الأتمتة ،أم لا بد ، في الواقع ، من الانتباه إلى المخاطر الناتجة عن أتمتة ورقمنة ،تضاعفان اختلالات الاقتصاد الرأسمالي –العولمي ؟ هل رقمنة وأتمتة العمل ، ضرورتان اقتصاديتان و تاريخيتان و حضاريتان ، أم مسارات فرضتها المنافسات الدولية والتطلعات الاقتصادية والجيو –سياسية و الرغبات الفردية لمؤسسات ما بعد الإنسانية ؟هل ستسهم رقمنة وأتمتة العمل في تحسين حيوات الناس ،أم أنهما ستولدان تفاعلات ومخاضات و مسارات اقتصادية و اجتماعية وثقافية وحضارية ، لن يتمكن الفاعلون السياسيون والاقتصاديون من التفاعل في الغالب مع متطلباتها ، بالنظر إلى الفوارق المهولة بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي ، وإلى نوعية التعليم والتكوين ،المقدمين في المؤسسات التعليمية ، إن في الغرب أو في الجنوب ،راهنا ؟
استشكال المعلن واستقصاء المسكوت عنه:-I
مما لا شك فيه، أن الذكاء الاصطناعي يسرع الابتكار بشكل مستدام، إلا أن هذه القدرة الابتكارية، يمكن أن تولد اعتلالات اجتماعية و سياسية وتاريخية –حضارية، لن تكون النخب ما بعد الإنسانية، قادرة، تحقيقا، على معالجتها.
هل يمكن تسويغ التوسع في الأتمتة، بضرورة الانكباب على الجوانب الاستراتيجية والتحرر من أعباء الاعتناء بالمهام التكرارية والروتينية؟
مما لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولا عميقا في الصناعات والخدمات والنماذج الإنتاجية المعتمدة عالميا.
هل سيكون الذكاء الاصطناعي موجه دورة جديدة من النمو الاقتصادي، مرافقة بديناميات اقتصادية غير مسبوقة ؟ هل سيمكن الذكاء الاصطناعي من زيادة الإنتاجية، بعد تفكيك النماذج الإنتاجية والتدبيرية القديمة؟
هل ينهض تخفيض المدد والتكاليف وتبسيط المساطر والمسارات الإنتاجية، دليلا على جدوى المراهنة الكلية على الذكاء الاصطناعي، والتغاضي عن المخاطر المترتبة عنه على المدى المتوسط والمدى البعيد؟
هل ينهض إدراج الابتكار التكنولوجي في النماذج الاقتصادية، دليلا على صلاحية النموذج الاقتصادي المعتمد حاليا، علما أن تبعات التحول الجذري للبنيات الاقتصادية، فادحة على المستوى الاجتماعي والسياسي والثقافي والتاريخي –الحضاري؟ هل سيولد الاقتصاد الرقمي l’économie digitale، مناصب شغل ، على المدى المتوسط وعلى المدى البعيد ، علما أن التطويرات الجذرية الجارية ،تحمل على الاعتقاد بصعوبة إيجاد وظائف في زمان يتحكم الذكاء الاصطناعي العام أو الفائق في إدارة مساراته .؟
ما المحركات العميقة، لتطوير الذكاء الاصطناعي وتوظيفه، في الحياة الاقتصادية؟ هل يتوجب الاقتناع بالمعلن ،أم لا مناص ، من استجلاء المسكوت عنه ،و معرفة المقاصد الذاتانية والنفعانية لنخب محكومة بطوباويات وضعانية ؟
يرى مناصرو الأتمتة والرقمنة وتحويل الاقتصاد تحويلا رقميا شاملا ، أن الأتمتة، تمكن من التحرر من المهام التكرارية وتتيح للناس التركيز على المهام ذات القيمة المضافة ؟ هل يمكن التعويل على المساهمة البشرية ، مهما كانت نوعية و رفيعة ،في زمان سيهيمن فيه الذكاء الاصطناعي العام على المسارات الإنتاجية والتدبيرية ؟
لا مراء في تأثير الذكاء الاصطناعي في تنظيم العمل، فقد تمت أتمتة ما يقرب من 80٪ من المهام الإدارية والتكرارية، مما يفرض تطوير سياسات واستراتيجيات جديدة، مختلفة كليا عن السياسات واستراتيجيات عالم ما قبل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
هل سيكرس الذكاء الاصطناعي وما يتولد عنه من مكاسب في الإنتاجية les gains de productivité تنافسية المقاولات والشركات، في العاجل والآجل؟
الذكاء الاصطناعي والعمل:-II
يمكن الذكاء الاصطناعي الموظف في المقاولات والإدارات من تحقيق ما يلي:
-تحليل المعطيات؛
-إيجاد حلول فعالة وناجعة للمشكلات المتوقعة؛
-عقلنة العمليات؛
-تحسين الإنتاجية؛
-أتمتة المهام التكرارية؛
-تعضيد عمليات أخذ القرار وتقديم المشورة لصناع القرار.
يقتضي توظيف الذكاء الاصطناعي في المقاولات أو الشركات، اللجوء إلى إضمامة من التقنيات، من بينها:
1-التعلم الآلي Machine Learning: :هو فرع من الإعلاميات يركز، على استخدام الخوارزميات، من أجل تمكين الذكاء الاصطناعي من محاكاة أو مضاهاة طرائق التعلم البشرية.
2-المعالجة الآلية للغة الطبيعية (NLP):وهي شكل من الذكاء الاصطناعي يستعمل التعلم الآلي من أجل فهم اللغة البشرية والتواصل بها .
3-الذكاء الاصطناعي التوليدي : وهو شكل من أشكال الذكاء الاصطناعي ،ويمكن من إنشاء محتويات ومضامين أصلية ،تفاعلا واستجابة لطلب المستخدمين .
4-أتمتة العمليات الروبوتية (RPA):وهي تقنية أتمتة ذكية متمحورة حول العمليات ، تستعمل غالبا في أداء المهام المكتبية التكرارية .يتم هنا استخدام روبوتات البرامج لأتمتة المهام التكرارية ،وتتمثل المهام المنجزة هنا في : إدخال البيانات واستخراجها ومعالجة الملفات والمستندات والتحقق من صحة البيانات ومقارنتها وإعداد التقارير ومعالجة العمليات الروتينية في أنظمة الأعمال .
يمكن الجمع بين هذه التقنيات، من توظيف الذكاء الاصطناعي، في مكان العمل، من أجل إنجاز مهام بسيطة (تصنيف ملفات الموظفين والترجمة ...إلخ)، ومهام أكثر تعقيدا مثل تقديم المشورة لصناع القرار من أجل تطوير وتحسين مسارات وسيرورة العمل داخل المقاولة.
مما لا شك فيه، أن الذكاء الاصطناعي، يؤثر على أنحاء مختلفة في سوق الشغل، مما يطرح مشكلات تدبيرية وقانونية واجتماعية كبرى. فقد تزايد الإقبال على أتمتة المهام التكرارية والروتينية، وتم إحداث تغييرات جوهرية في الكفاءات المهنية، واستخدام أدوات التحكم الخوارزمية، كما تم التركيز على الكفاءات الرفيعة ذات القيمة المضافة العالية.
يؤثر الذكاء الاصطناعي في طرائق العمل في المقاولات والشركات والوحدات الإنتاجية والإدارات، وفي تدبير الموارد البشرية، ورسم الاستراتيجيات وكيفية التفاعل مع المحيط الاقتصادي. كما يؤثر في سوق الشغل، وفي المحيط الحاف بالمقاولات، وفي الاقتصاد العالمي.
ولا يمكن في هذا السياق، إغفال الإدارة الخوارزمية Le management algorithmique: ودورها في تغيير أنماط التدبير داخل المقاولات والمؤسسات.
تقتضي الإدارة الخوارزمية استخدام البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي، في تنظيم العمل وتوزيع المهام ومراقبة المسارات وتقييم الأداءات والتدخلات وفعاليتها. ومن البين، أن لهذا التدبير ،آثارا بينة ، على مسار العمل داخل الشركات والمنصات الرقمية ، وعلى إنجازات العمال والأجراء والمتعاونين.
تتأثر الوظائف المعرفية، بآثار الذكاء الاصطناعي التوليدي، بعد أتمتة الوظائف القابلة للأتمتة .وهكذا تم تعويض مهام متعلقة بالكتابة والتحرير ، والتحليل ،والترجمة والبرمجة ،بلا صعوبة .
لا تكتفي الآلة الآن ،بالتنفيذ ، بل تتعلم وتتكيف وتؤثر، عمقيا، في عمليات الإنتاج .
من الجلي أن الذكاء الاصطناعي، حل محل كثير من الخريجين المفترض تعيينهم في وظائف تمهيدية، في شركات الاستشارات أو المحاماة. فهو من يهيئ العروض التقديمية، وينجز البحوث، ويعد التقارير.
هل بدأ الاستبدال الكبير، بعد أن طال تأثير الذكاء الاصطناعي المهام اليدوية و المهام الفكرية-المعرفية؟
وفي هذا السياق، يعتزم سام ألتمان، رئيس شركة أوبن أيه آي OpenAl، استحداث مليون روبوت شبيه بالبشر وكلها مزودة بالذكاء الاصطناعي. وقد برهنت الروبوتات على كفاءة فائقة، تجلت في إنجاز عمليات جراحية بدون توجيه أو مواكبة بشرية، بنجاح كبير.
(فالعصر الحالي هو عصر الانفجار التكنولوجي الذي سوف يتمخض عن ظهور نمط جديد من المجتمع الإنساني يتراجع فيه دور الإنسان البشري ويزداد دور الإنسان الآلي ، الذي سوف يتمتع بدرجة عالية من الذكاء الصناعي بفضل الجهود والتجارب التي يجريها الآن ومنذ سنوات طويلة علماء وباحثون يدركون تمام الإدراك أن النتيجة النهائية المحققة من تلك التجارب سوف تكون في غير مصلحة الجنس البشري الذي ينتمون إليه والذي سوف يخلي موقعه من الحياة (لإنسان) جديد أكثر قدرة وكفاءة من الإنسان الآدمي الذي أبدعه .) -1-
الذكاء الاصطناعي وإلغاء الوظائف:-III
يتم بصورة متسارعة إلغاء وظائف كثيرة، بعد تكثيف توظيف الذكاء الاصطناعي. ثمة وظائف أو مهن مهددة بالإلغاء، نتيجة التوظيف النسقي للذكاء الاصطناعي: مثل: الترجمة والكتابة والتصميم الكرافيكي وصناعة النماذج le maquettisme ...إلخ .
ولما كانت الشركات حريصة على ضمان تنافسيتها ومسايرة التحولات التقنية والتكنولوجية الراهنة، فإنها تراهن، في المقام الأول، على تجديد آلياتها والاعتماد على الأتمتة والاعتماد على العمالة ذات الكفاءات والمقدرات الرقمية العالية.
لا يقود توظيف الذكاء الاصطناعي إلى إلغاء الوظائف في قطاعات كثيرة، وتقليص التوظيفات، بدعوى التحويلات التكنولوجية المتولدة عن تطوير وتوظيف الذكاء الاصطناعي، فقط بل الى التـأثير في بنية العمل، والعلائق الاجتماعية وعلى القاعدة الاجتماعية للديمقراطية.
من الملاحظ تزايد إقدام الشركات الكبرى على تسريح العمال والمتعاونين، بدعوى عدم قدرتهم على التجاوب والتفاعل مع الذكاء الاصطناعي.
وتدرج حالات فقدان الشغل بسبب إدخال الذكاء الاصطناعي ضمن الفصل لأسباب اقتصادية كما في القانون الفرنسي.
تولد التسريحات الناتجة عن إدماج الذكاء الاصطناعي في المقاولة، إشكاليات قانونية وأخرى سوسيو –نفسية، من اللازم معالجتها، تفاديا لتبعاتها الاجتماعية والسياسية، على المدى القريب والمدى المتوسط، وإشكالياتها التاريخية –الحضارية على المدى البعيد.
المصانع المظلمة: -IV
إن المصانع المظلمة Dark factories ، أو المصانع غير المأهولة هي منشآت اقتصادية مؤتمتة بالكامل ،وتدار بواسطة الروبوتات و الذكاء الاصطناعي وتتحكم الخوارزميات في اتخاذ القرارات فيها .وتتميز هذه المصانع ،بعملها بقدر قليل من العمالة ، وبلا إضاءة ولا تدفئة . ومن المتوقع أن يتم التوسع في استعمال المصانع غير المأهولة، خاصة في القطاعات الدوائية والغذائية.
وتهدف المصانع المظلمة إلى تحقيق ما يلي:
- تحقيق أقصى قدر من الإنتاجية؛
- تخفيض التكاليف؛
- ضمان إمكانية تتبع la traçabilité فعالة ودقيقة للإنتاج.
ولما كانت المصانع غير المأهولة، تمكن من الاستغناء عن الوظائف البشرية، وتسمح برفع الإنتاجية والجودة، وتجنب المشكلات الراجعة إلى تدبير الموارد البشرية، فقد صار التعويل على التصنيع الذكي ذي الإنتاجية الفائقة إحدى الاختيارات القابلة للتعميم مستقبلا.
ومن المحقق، أن المصانع المظلمة تمثل محطة جوهرية في الثورة الصناعية الرابعة، حيث تتحكم الآلات وأجهزة الاستشعار الذكية les capteurs intelligents والذكاء الاصطناعي في عمليات الإنتاج.
تمثل المصانع المظلمة منعطفا استراتيجيا، في تدبير الإنتاج والتحكم فيه ، وتقليص مساهمة الإنسان في مساراته إلى أقصى حد ممكن.
لقد راهنت شركات كثيرة على الأتمتة ، وقام بعضها بأتمتة عشرات خطوط التجميع les chaînes de montages ،تفاديا لغلاء العمالة وندرة الكفاءات ظاهرا ونشدانا للربح ،في الواقع .
وفد ازداد التعويل على الروبوتات الصناعية وأتمتة المهام الصناعية الرئيسية بالصين وبسواها، مما يكشف عن الرهانات الحافة بالشغل في عالم يتجه، نحو الأتمتة والتعويل شبه الحصري على الروبوتات الشبيهة بالبشرles robots humanoïdes..
ومن البين، أن هذه المصانع تؤدي إلى فقدان الوظائف الصناعية، والى إعادة تشكيل سوق الشغل.
-Vمخاطر الذكاء الاصطناعي :
ينطوي الذكاء الاصطناعي على مخاطر جلية وظاهرة على عالم الشغل والحياة الاقتصادية؛ فأيا كانت المكاسب أو المزايا المحققة نتيجة تطوير الذكاء الاصطناعي وتوظيفه من أجل الرفع من إنتاجية الشركات والتقليص من كلفة الإنتاج، فإن المخاطر المتمثلة في تعميم البطالة وإرباك المنظومات التعليمية ومسارات التكوين والتأهيل والإدماج المهني والاجتماعي، وغياب توافقات كونية حول مستقبل الحضارة الإنسانية، تستحق تداولا كونيا، يتجاوز، في الواقع إرادة ومقاصد الرأسماليين أو العاملين على إنجاح مشاريع ما بعد الإنسانية.
ومن تبعات ومخاطر، توظيف الذكاء الاصطناعي في عالم الشغل، إمكان اتساع الفوارق الاجتماعية والطبقية، وإقصاء الجموع المفتقرة إلى الكفاءات التقنية والرقمية العالية، من سباق التنافس الاقتصادي والاجتماعي.
يقتضي تأثير متى l’ effet Mathieu، ازدياد الأثرياء والمحظوظين ثراء ووجاهة، بسهولة أكبر بفضل ما توافر لهم من رأسمال ومكانة سابقة، مما يفضي إلى اتساع الفجوات الطبقية والتفاوتات الاجتماعية وغياب التماسك الاجتماعي.
فالواقع، أن الذكاء الاصطناعي، يعمق الفجوات المهارية بين من يتقنون هذه الأداة من أجل تطوير قدراتهم ومهاراتهم الوظيفية أو المهنية، ومن يستخدمونها بعشوائية أو بدون أهداف إجرائية دقيقة أو استراتيجية معرفية واضحة.
لم تعد الأتمتة شبه الكاملة ، مشروعا صعب التحقيق ، بل صارت إمكانية متاحة ؛ فقد راهنت شركات كبرى على الربوتات الصناعية وعلى الذكاء الاصطناعي ، من أجل الإنتاج ، دون تدخلات بشرية وازنة .
-VIالبدائل المقترحة :
ما البدائل المتاحة، بعد تزايد التسريحات وإلغاء الوظائف وتقليص التوظيفات الجديدة؟ ألا يمكن أن يفضي تعميم الذكاء الاصطناعي والتعويل على الروبوتات الاصطناعية والشبيهة بالبشر ، إلى تحول اقتصادي –اجتماعي، غير مسبوق، من سماته البارزة: تعميم البطالة وتكريس سلطة الآلات والذكاء الاصطناعي وانسحاب الإنسان من دائرة الفعل والريادة الحضارية؟
ويمكن في هذا السياق، التنصيص على المقترحات والبدائل التالية:
1-تأهيل الكفاءات في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والهندسة المتقدمة :
يراهن البعض على تأهيل الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات، من أجل تحقيق التكامل بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي. من اللازم، من منظور المراهنين على التكوين والتأهيل العاليين، الاعتماد على التكوين النوعي والخاص، لكفاءات، قادرة على تقديم الإضافات النوعية، وعلى الإبداع الخاص.
2-خلق وظائف نوعية جديدة في التصميم والبرمجة والتحليل :
يراهن البعض على إمكان خلق وظائف نوعية في التصميم والبرمجة والتحليل، وعلى إمكان خلق تفاعل إيجابي وفعال وتكامل خلاق بين الذكاء البشري وبين الذكاء الاصطناعي. وينفي الكثيرون إمكان خلق وظائف قادرة على الصمود أمام تسونامي الذكاء الاصطناعي؛ فطالما كان التطوير ديدن الشركات الكبرى والدول المتنافسة على الريادة الاقتصادية والجيو –سياسية والتحول التكنولوجي، فمن الصعب، توقع إمكان إيجاد مهن توفر للإنسان إمكان توظيف قدراته وكفاءاته، ولا سيما إن تم الاستمرار في التطوير التقني للذكاء الاصطناعي.
-3اختيار مهن لا يستطيع الذكاء الاصطناعي راهنا القيام بها : ثمة وظائف ومهن ، ستصمد طويلا ، أمام تسونامي الذكاء الاصطناعي ،ولا سيما العمل اليدوي (طهي الطعام مثلا) ،أو العناية بالآخرين مثل الأشخاص المسنين والمعاقين والمهمشين ،والضيافة و العروض الفنية الحية والتواصل المباشر مع المجموعات و الزمر.
-4تجميد الذكاء الاصطناعي le moratoire sur l’intelligence artificielle :
يراهن بعض الخبراء والأخصائيين على تجميد الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال توقيف مؤقت لأبحاث تقنيات الذكاء الاصطناعي.
فقد دعت شخصية بارزة في عالم السياسة والعلوم و الثقافة والأعمال، في سنة 2025،إلى توقيف مؤقت للأبحاث المخصصة لتطوير الذكاء الاصطناعي الخارق Super- intelligence ،بالنظر إلى المخاطر والأضرار و الآثار السلبية المتوقعة لتطويره على مستقبل الإنسانية و الحضارة الإنسانية .
تكشف عريضة مستقبل الحياة Future of Life Institute، عن التخوف المتزايد في صفوف صناع القرار والعلماء والعارفين بالذكاء الاصطناعي، ووعيهم بالتبعات المتوقعة، إن لم يتم ترشيد الأبحاث وتوجيه التطويرات، والحد من المغامرات المعرفية والعلمية لرواد تطوير الذكاء الاصطناعي.
فمادام الذكاء الاصطناعي لا يتوافر على إجماع عالمي يمكن من إدارة الأبحاث بطريقة آمنة وحافظة للمكتسبات الحضارية للإنسانية، وعلى السند الشعبي الديمقراطي، فمن الأفضل، حسب بعض المفكرين، توقيف أو تعليق الأبحاث مؤقتا.
5-المراهنة على العمل المدني والمجتمعي والاجتماعي :
يرى البعض أن منافسة الذكاء الاصطناعي، راهنا ومستقبلا، إمكانية غير متاحة، وأن تفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء الإنساني أمر بديهي وثابت .ولما كانت نهاية العمل المعهود محتملة ،فمن اللازم ،في نظر ، هؤلاء استثمار القدرات والكفاءات والذكاءات العاطفية للأفراد ،في الرعاية والاعتناء بالآخرين وتقديم خدمات اجتماعية مؤدى عنها أو مجانية .وستمكن هذه المبادرات الأفراد المذررين ، من حماية أو استنقاذ أنفسهم من الاغتراب أو الاكتئاب أو الإحساس بالهدر الاجتماعي أو بالهدر الوجودي ،وتعزيز الروابط بين الأفراد و تصليب الروابط الاجتماعية .
(...توجيه هذه المعرفة وجهات تتفق مع احتياجات المستقبل، وبخاصة في مواجهة التغيرات الديموجرافية المتوقعة ،ليس فقط بالنسبة للزيادة في عدد السكان أو حركات الهجرة المتزايدة ،ولكن أيضا مواجهة المواقف التي سوف تنجم عن توقعات طول فترة الحياة ، وازدياد حالات الشيخوخة واحتياجاتها من الرعاية الفيزيقية والاجتماعية والسيكولوجية وضرورة توفير أعمال تتعلق بتقديم هذه الخدمات .) 2--
-6الخدمة المدنية : يفضل لوك فيري تبني، الخدمة المدنية، بدلا من الدخل الأساسي الشامل(RUB) .يفضي هذا الدخل في نظره ،إلى تبعات نفسية ،غير محتملة ،ومعاناة متمثلة في فقدان تقدير الذات ، والاغتراب والاكتئاب و الهدر الوجودي وخلخلة النسيج الاجتماعي الفاقد للتماسك أصلا .
يقترح لوك فيري ، برنامجا للخدمة المدنية للبالغين ممن فقدوا وظائفهم بفعل الأتمتة وتعميم الذكاء الاصطناعي في القطاعات الإنتاجية والخدماتية .وسيتم تمويل هذا البرنامج ، في تصوره ، من الضرائب المفروضة على الشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي والروبوتات الصناعية أو الشبيهة بالبشر .
تمكن الخدمة المدنية، من الحفاظ على الأجرة، وتقدير الذات، والاندماج في نسيج اجتماعي متماسك.
هل يمكن إدماج الإنسان في نسيج اجتماعي فقد الإنسان آليات تدبيره و قيادته ،من خلال تمكينه من خدمة مدنية ،تستنفذه من التطوح في المهاوي ، دون أن تساعده على الترقي ومواصلة مساره المعرفي من خلال التعمق في الاستقصاء و التحري العلمي من خلال التعويل على ابتكاراته وإنتاجاته والبحث الوجودي من خلال مواصلة تأمل معوقات التشخصن والأنسنة و التوق الجمالي من خلال إنتاج جماليات متفردة ؟.
7-الدخل الأساسي الشامل Le revenu universel de base :
يصر البعض على تعميم الدخل الأساسي الشامل، على العاطلين وسواهم بسبب الرقمنة و الأتمتة و توظيف الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتدبير. لا مناص، في منظورهم، من تمكين الجموع المعطلة، من مبالغ مالية منتظمة، للحد من اتساع الفجوة في توزيع الثروة. ومن الجدير بالذكر، أن فرض الدخل الأساسي الشامل، يحظى بموافقة قادة الذكاء الاصطناعي مثل سام ألتمان وإيلون ماسك، رئيس شركة تسلا، وعراب الذكاء الاصطناعي جيفري هنتون .
8-الدخل الأساسي الحاسوبي :
بما أن الدخل الأساسي الشامل يخلق مشكلات كبرى، اتجه البعض ولاسيما سام ألتمان، إلى اقتراح الدخل الأساسي الحاسوبي؛ وهو يقتضي، توزيع موارد الذكاء الاصطناعي على الأفراد بدلا من المال كما في الدخل الأساسي الشامل. يتمكن كل شخص، بمقتضى هذا الدخل، من الحصول على حصة من طاقة وقوة الحاسوب والذكاء الاصطناعي. يتمكن الأفراد من الاستفادة مباشرة أو من خلال بيع حصتهم من القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي، من الفرصة المتاحة للاستجابة لحاجياتهم. ومن الجلي، أن إنجاح هذا المشروع، يتطلب تحويل قوة المعالجة إلى أصل مالي يشبه الأسهم أو العملة.
-VIIتقييم توظيف الذكاء الاصطناعي :
1-موقف المتفائلين :
يركز المتفائلون على العوائد الإيجابية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في المقاولات والشركات والإدارات؛ فعلاوة على تحسين الإنتاجية وتقليص التكاليف الإنتاجية، فإن توظيف الذكاء الاصطناعي، يوفر إمكانية توفير وظائف جديدة.
2-موقف المتشائمين :
خلافا للمتفائلين، المحتفلين بالفرص والنجاحات المحققة راهنا والمأمولة مستقبلا، يركز المتشائمون على الصعوبات المهنية المصاحبة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الشركات والمقاولات والإدارات وعلى التسريحات وإلغاء الوظائف وتقليص التوظيفات الجديدة، وإمكان تعميم البطالة مستقبلا، وتعميم استعمال الروبوتات الشبيهة بالبشر وتطوير الذكاء الاصطناعي العام.
ويتوقع البعض حدوث اعتلالات أو كوارث اجتماعية، ناتجة عن تعميم البطالة، وإضعاف الروابط الاجتماعية، وهيمنة المحتويات الاصطناعية، واستشراء التوتاليتارية الرقمية ،وتذرر القيم الحضارية .
3-موقف المترددين :
يقر المترددون بالوقع القوي لتوظيف الذكاء الاصطناعي على مسارات العمل ، وعلى الآثار الإيجابية لاستعمال التكنولوجيا الرقمية ، من أجل أتمتة المهام التكرارية والرفع من الإنتاجية والتقليص من الجهد الفيزيقي والذهني الملازم لإنجاز الكثير من المهام التكرارية ؛ إلا أنهم لا يغفلون الإشكاليات القانونية و الاقتصادية و التدبيرية و الاجتماعية و التاريخية –الحضارية ، الحافة بالثورة الاقتصادية الرابعة (الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتطورة وأنترنيت الأشياء L’ internet des objets والتكنولوجيا الحيوية la biotechnologie ) .
-VIIIحوافز توظيف الذكاء الاصطناعي :
لماذا تحرص المقاولات والشركات والإدارات على توظيف الذكاء الاصطناعي، في الإدارة والإنتاج؟
كثيرا ما يتم التركيز على المسوغات التالية رغم جزئيتها وقصورها عن الإحاطة بالدوافع المتعددة والمعقدة الثاوية وراء هذا الافتتان بالتوسع في توظيف آليات الثورة الاقتصادية الرابعة وتسطير أولويات فئوية لا علاقة لها بحاجيات الجموع:
1-تفادي الأخطاء البشرية : ثمة اختلالات في إدارة الموظفين والأجراء، وأخطاء في البيانات والمتابعة، يمكن، التغلب عليها بيسر إن تم الاعتماد على برنامج خوارزمي في إدارة الموارد البشرية. يوفر هذا النظام إمكانيات كبرى لتجويد الأداءات وتلافي الاختلالات ، وذلك من خلال ما يوفره من إدارة دقيقة وسريعة للمعلومات ورؤية شمولية تسهم ، تحقيقا ، في تحقيق الانضباط الإداري .
2-رفع الإنتاجية : تمكن أتمتة المهام التكرارية من ربح الوقت، وتسريع إيقاع العمل وتجويد الأداء المهني.
3-تخفيض التكاليف : يمكن الذكاء الاصطناعي، من تدبير الموارد تدبيرا فعالا، وتجنب التبذير والهدر المالي.
4-الصيانة التنبئية la maintenance prédictive: وتقتضي توقع الأعطاب التقنية في الأجهزة والمعدات قبل وقوعها. ولما كانت تمكن من تقليل أوقات التوقف وتطويل عمر المعدات، فإنها تسهم، تحقيقا ، في تحسين الكفاءة وخفض التكاليف .
ويرجع هذا التعويل الكبير والاستحواذي على الذكاء الاصطناعي، إلى الرغبة في تكثير الأرباح الاقتصادية في المقام الأول، وتحصيل المكاسب السياسية والجيو –سياسية ، دون الانتباه إلى المفاعيل النفسية و الاجتماعية و الحضارية ،لإقصاء الإنساني L’humain و تكريس هيمنة الآلات ,وتكريس هيمنة الروبوتات.
-IXمواقف فكرية :
1-جيريمي ريفكين ونهاية العمل :
توقع المفكر الأمريكي جيريمي ريفكين في " نهاية العمل " ،المنشور سنة 1995،فقدان جزء كبير من الوظائف ووقوع البطالة الجماعية ، بسبب تعميم التكنولوجيات الجديدة والأتمتة والحوسبة .فكلما زاد الإنتاج من خلال توظيف التكنولوجيات الجديدة ،تعمم إلغاء الوظائف ،وتفضيل الذكاء الآلي على الذكاء البشري .ويرى أن العصف المهني ،لن يعفي قطاعات الصناعة و قطاع الخدمات .لن تطال مفاعيل الحواسيب والبرمجيات ، القوة الفيزيقية فقط ، بل ستطال كذلك القوى الذهنية .
كانت البطالة الناتجة عن الثورات التكنولوجية السابقة، تمتص من قبل قطاع اقتصادي جديد. وهكذا استوعب القطاع الصناعي الفلاحين المبعدين من العالم القروي بعد الاعتماد على الميكنةla mécanisation ؛ كما استوعب قطاع الخدمات ،العمال المسرحين من مهنهم بسبب التعويل المتزايد على الأتمتة l’automatisation .ولئن وفرت الميكنة بديلا ومكنت الجموع الفلاحية ،من أعمال بديلة ، فإن الأتمتة لن توفر البدائل ، مما يعني انتهاء العمل .
فهل أثبت توظيف الذكاء الاصطناعي المتزايد في القطاعات الإنتاجية و الإدارية، صلاحية توقع ريفكين ،أم أن رؤيته إلى مستقبل العمل غير مسوغة بالنظر إلى اعتمادها على منطلقات غير متماسكة ؟
يرى دارون أسيمو غلو ،الاقتصادي الأمريكي –التركي الفائز بجائز نوبل في الاقتصاد عام 2024،أن الأتمتة تؤثر، عمقيا ،في بنية الأجور وتسهم في تفاقم اللامساواة في الدخل .
وعليه ،فإن انخفاض الأجور حتمي ،بحكم التنافس الحاد على المهام المتبقية ، بعد أتمتة كثير من المهام .
إن السؤال الجوهري: ليس هو المتعلق بإمكان إلغاء وظائف كثيرة نتيجة الإقبال على الأتمتة والرقمنة و استعمال الذكاء الاصطناعي ، بل هو المتعلق بإمكان استفادة الجميع من النمو المحقق بواسطة الذكاء الاصطناعي ،حسب ماريو فورتان .
هناك إذن من يخشى تفاقم مظاهر اللامساواة الأجرية les inégalités salariales وما يمكن أن يتمخض عنها من احتقانات جماعية وهشاشة اجتماعية.
2-فيليب أغيون :الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي :
يصدر فيليب أغيون ، الخبير الاقتصادي الفرنسي الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2025 ، عن رؤية متفائلة ،مفادها أن الذكاء الاصطناعي سيكون محركا رئيسيا للنمو الاقتصادي .فبما أن الذكاء الاصطناعي ،يسهم في إنتاج الأفكار وفي التجديد والابتكار ، فمن الضروري أن يفضي إلى زيادة كبرى في النمو سنويا . ويتوقع حدوث تحول اقتصادي كبير لا تعميم البطالة كما يرى كثير من الخبراء، فهو يتوقع تأثير انخفاض التكاليف وزيادة الطلب، على التوظيف.
لمواجهة التحولات، لا بد في نظره، من تكييف المهارات l’adaptation des compétences، وإصلاح النظام التعليمي والتعويل على التعليم والتكوين المستمرين. إن الذكاء الاصطناعي، محرك قوي لنمو غير مسبوق، في تصوره.
يصدر فيليب أغيون Philippe Aghion ،عن مقاربة مكرو- اقتصادية متمحورة حول التدمير الإبداعي أو الخلاق la destruction créative و التكييف من خلال التكوين .
يرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل رافعة مثالية لنمو الناتج المحلي الإجمالي (PIB) والابتكار، شريطة اعتماد سياسات عمومية قوية وناجعة، وإصلاح التعليم إصلاحا ملائما وفعالا، والاستثمار المنتج في البحث العلمي.
يبالغ أغيون في ربطه تجديد تنظيم العمل، بالابتكارات التكنولوجية؛ فالواقع أن تجديد تنظيم العمل والرفع من المردودية و الإنتاجية في تجارب رائدة مثل التيلورية le taylorisme و التويوتية le toyotisme ،تحقق من خلال التغييرات التنظيمية ،بالدرجة الأولى .
يرى هذا الخبير الاقتصادي، أن الذكاء الاصطناعي، لن يولد بطالة معممة حادة، كما يرى نقاد التحول الرقمي، بالنظر، في نظره، إلى أن الأتمتة ستشمل قطاعات محددة ولن تطال كل القطاعات، من جهة، وإلى أن الابتكارات التكنولوجية، عادة ما ترافقها مهن جديدة، حسب سيرورة التدمير الإبداعي أو الخلاق (مهنة علم البيانات le métier de data scientist مثلا .) ، من جهة أخرى.
لا يساعد التدمير الإبداعي الجديد، على خلق وظائف أو مهن جديدة، تعوض الوظائف والمهن ، المفقودة ، بعد إحلال الابتكارات التكنولوجية محل الآليات والتقنيات القديمة كما هو معتاد في المسار الاقتصادي الموصوف من قبل عالم الاقتصاد النمساوي جوزيف شومبيتر.
ستشمل الأتمتة قطاعات كثيرة ، و المهن المفترض خلقها ، ستخضع لا محالة حسب الخبراء ، لمنطق إحلال الآلة محل الإنسان ، وشحوب الإنساني .وبما أن الثورة الرقمية شاملة ، فإنها تمس المهام العرضانية les tâches transversales .
لماذا يراهن أغيون على الذكاء الاصطناعي وأدواره الحاسمة مستقبلا في تسريع النمو؟
يمكن الذكاء الاصطناعي في نظره ، من زيادة الإنتاجية وإيجاد فرص اقتصادية و إمكانيات إنمائية غير مسبوقة ، بفعل عمليات التغيير والتحويل التي يحدثها .فالواقع أن الذكاء الاصطناعي ،يحل تقنيات إنتاجية متجددة وفعالة محل التكنولوجيات وأنماط الإنتاج القديمة والمتقادمة.
يرى فيليب أغيون أن الذكاء الاصطناعي يُسرع عملية التغيير الجذري من خلال تعويض التقنيات وأساليب الإنتاج القديمة بابتكارات عالية الأداء، مما يزيد الإنتاجية ويخلق فرصًا اقتصادية جديدة .وهكذا يمكن التدمير الإبداعي la destruction créatrice، من تجاوز ما تقدم ، تقنيا و رقميا ، وتبنى آليات وأنماط إنتاج ، عالية الأداء .
ومما لا شك فيه أن الرقمنة والابتكار التكنولوجي سيسهمان ، في تسريع مسارات الاقتصاديات المعاصرة في نظره.
ليس الذكاء الاصطناعي، في تصوره ، مجرد أداة لأتمتة المهام ، ولكنه فوق ذلك ، قادر على إعادة تأهيل بنية الأسواق والمقاولات .ويؤكد على دقة القرارات المعتمدة في المحيط الرقمي .
وبما أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحتاز كميات هائلة من المعطيات والبيانات، فإنها تمتلك قدرات تحليلية تنبئية ،تسمح لها ، بمعرفة توجهات ومسارات الأسواق وحاجيات الزبائن بدقة غير مسبوقة .
من المحقق، في نظره، أن تعمل هذه الظاهرة على إعادة تشكيل الحياة الاقتصادية، من خلال، تسريع تحويل السياسات والتدابير والاستراتيجيات الكلاسيكية، واعتماد نماذج، مبتكرة ومتجددة ومتقنة، قائمة: على المرونة والحركية والشخصنة أو التخصيص.
لتفادي الاعتلالات الجارية ، يرى أغيون ، حتمية تحقيق توازن دقيق بين ما يلي :
-تشجيع الاستثمار، في البنية التحتية المتعلقة بالحوسبة؛
-ضمان منافسة فعالة؛
-تفادي التنظيم المفرط الحائل غالبا، دون تقبل منافسين جدد.
لا يمكن إنشاء نسق أو منظومة قادرة على استثمار كل ممكنات الذكاء الاصطناعي، دون تحقيق التوازن الأمثل بين هذه المتطلبات الثلاثة.
يرفض لوك فيري آراء فيليب أغيون حول تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الشغل .فبينما يرى لوك فيري أن الذكاء الاصطناعي يمثل قطيعة أنثروبولوجية جوهرية une rupture anthropologique ذات مفاعيل سلبية مرجحة على العمل و الحياة الاقتصادية ،فإن فيليب أغيون ، يتمسك برؤية متفائلة ، قائمة على إمكان خلق مهن جديد وتحقيق أشكال من النمو بفضل ما يوفره الذكاء الاصطناعي من فرص وإمكانيات تقنية عالية .
ومن المحقق أن الذكاء الاصطناعي، لا يلغي المهام التكرارية أو الروتينية، فقط بل يلغي، كذلك، المهام المعرفية les tâches cognitives .
وخلافا للثورات السابقة ، فإن الذكاء الاصطناعي ، يمس ، حسب لوك فيري ، الإنسانية في أخص خصائصها : اللغة و الذكاء .
إن التسونامي التكنولوجي و القطيعة الأنثروبولوجية ،سيحدثان ، لا محالة ،تحولا اقتصاديا شاملا ؛مما سيفرض إعادة النظر الجذرية في بنية وتصورات العمل وفلسفته وعلائقه بالديمقراطية .
-3إريك سدان :الذكاء الاصطناعي والهوية الأنثروبولوجية للإنسان :
يلح إريك سادان Eric Sadin على المنعطف الفكري والإبداعي الناتج عن تفعيل أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، في نهاية سنة 2022،في إنتاج اللغة والرموز والصور .
إن للذكاء الاصطناعي، مفاعيل سلبية، على الإنسان، حسب إريك سادان ، تتمثل ،عمقيا ، في تفويض وتقويض اللغة و عدم التمييز البصري ، وتعطيل الهوية الأنثروبولوجية للإنسان .كيف سيواجه إنسان ، تقوضت لغته ،وعجز عن تحديد مصادر صور أعدتها الخوارزميات ، وفقد أخص خصائصه وهويته الأنثروبولوجية ، أن يكون مبدعا وأن يتصدى لمخاطر الذكاء الاصطناعي وأن يحافظ على قدرته التنافسية مع آلات تفوقه ذكاء وإنتاجية وكفاءة وقدرة على التخطيط و الفعل ؟
إن الذكاء الاصطناعي التوليدي، تهديد وجودي مؤكد للعمل، حسب إريك سادان، بسب قدرته على تحويل المهام الفكرية-المعرفية، وإقصاء الإنسان عن الإنتاج والإبداع. لقد أحدث الذكاء الاصطناعي، في تصوره، أزمة عمل غير مسبوقة، و"نهاية العمل الوظيفي " ،ووفر فرص اختزال الإنسان إلى مجرد متغير محاسبي لا غير .
تصدر الرؤية النيو-ليبرالية عن انهمام عميق ، بتكثير المكاسب والأرباح وخفض التكاليف ،دون إيلاء أي اهتمام لما يمكن أن ينتج عن التفعيل اللاعقلاني للذكاء الاصطناعي ،من مفاعيل نفسية واجتماعية و سياسية وأنثروبولوجية .
-Xالتركيب :
يرتبط العمل بنموذج مجتمعي، وبتدبير سياسي –اجتماعي للعلائق والروابط، وبتشكل محدد للنسيج الاجتماعي. ليس العمل مجرد إنتاج لسلع وخدمات، بل هو كذلك إنتاج لقيم، اجتماعية وجماعية.
إن العمل هو الأساس الأخلاقي والقاعدي لتماسك المجتمعات المعاصرة؛ وذلك من خلال ما يوفره من روابط وتكاملات سميت بالتضامن العضوي La solidarité organique.
يسهم العمل في الإحساس بالانتماء إلى المجموعة وبالجدوى الجماعية، ويحفز الفرد على التفاعل مع الشؤون الجماعية؛ مما يولد ترابطات أو تعالقات وظيفية ، مختلفة كليا ، عن التشابهات المألوفة في المجتمعات الفلاحية التقليدية .ما مصير الترابطات و العلائق والتضامنات العضوية ، في مجتمعات أنهت سلطة العمل وكرست سلطة الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتحول الرقمي الفائق ؟
ألا يؤثر التوظيف النسقي للذكاء الاصطناعي في الحياة الاقتصادية، على النموذج الاجتماعي وعلى الأساس الاجتماعي للديمقراطية؟ ألا تراهن الرأسمالية –العولمية ، الآن ، على "صنمية" الرقمي ؟ألن تكرس "صنمية" الرقمي ،لا استلاب الإنسان فقط ،بل تدهوره الحضاري و اعتلاله الأنثروبولوجي ودونيته الإبداعية ؟
ولئن اعتنى مفكرون كثر، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية بالتفكير فيما جرى، فإننا مطالبون الآن، بالتفكير فيما جرى بعد تفعيل الذكاء الاصطناعي التوليدي، وبالأخص فيما سيجري مستقبلا، حين ستنفرد الروبوتات الشبيهة بالبشر بالإنتاج و يصير الذكاء الاصطناعي العام حقيقة مقررة وتصبح الطموحات التهجينية (الجمع بين الإنسان والآلة ) لما بعد الإنسانية ،واقعا يتخطى الخطاطات و المواضعات الفكرية الكلاسيكية .
يثير الذكاء الاصطناعي مخاوف كثيرة، في وسط العاملين. فمن المحقق أن كثيرا من المهن، سوف تتراجع، ولن يجد أصحابها في الغالب بدائل مقنعة وناجعة، طالما أن الثورة الصناعية الراهنة تمس كل القطاعات بلا استثناء.
سيقود تطور الذكاء الاصطناعي، إذن، إلى بطالة مؤقتة أوعطالة مزمنة، غير قابلة للمعالجة. إن كثيرا من المهن (الطب والمحاسبة والترجمة ..) مهددة بالتراجع، بعد التطورات الحاصلة والمرتقبة في الذكاء الاصطناعي. ولا يمكن التعويل كثيرا، على التطورات المرتقبة في خلق مناصب شغل كثيرة ،في اعتبار بعض الأخصائيين ، خلافا لما تحقق في الثورات الصناعية السابقة.
ما معنى التعويل على الذكاء الاصطناعي في إحداث نقلة جوهرية في الاقتصاد والإنتاج والخدمات، علما أن الرأسمالية العولمية ، لا تملك أي حل عملي للمشكلات الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية المتراكمة : البطالة والتفاوتات الطبقية و تراجع التعليم وعدم مطابقة مضامينه لمتطلبات الحياة الاقتصادية و الإدارية ونواقص الأنظمة الصحية والمشكلات البيئية المستعصية ؟
ألا يتوجب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، في قطاعات محددة، بإمكان الاستثمار فيها، مساعدة الإنسانية على تحسين وتجويد بعض الخدمات الحيوية ولا سيما الخدمات الصحية (معالجة الأمراض المستعصية مثل السرطانات مثلا) ؟
أليست المراهنة على الذكاء الاصطناعي، راهنا ، مؤشرا ، على تفاقم اللاعقلانية ، وتجاهل الأولويات لاعتبارات اقتصادية ومالية، والإقبال على التنافس المؤدلج عوض الانكباب على معالجة المشكلات الإيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية المستفحلة ،في المركز الأوروبي والأمريكي وفي الأطراف على السواء ؟
راهن البعض على العولمة، بعد تفكك الطوبى الماركسية، في تحسين الوضع الاقتصادي –الاجتماعي، للجموع، في المراكز والأطراف، وتطوير القدرات والمهارات والتمكين من المبادرات والفرص الاقتصادية الناجحة. وأكدت الوقائع، تصاعد التفاوتات الطبقية، واتساع دوائر الفقر والعوز والخصاصة، شمالا وجنوبا.
ومن اللافت للنظر، تلويح دعاة تطوير الذكاء الاصطناعي، بميزاته وجدواه الثقافية والمعرفية والاقتصادية والاجتماعية، وبفرص تجويد الحياة، المتوقع خلقها بفضله.
والحال أن المراهنة العالمية ، راهنا ، على الذكاء الاصطناعي ،راجعة إلى اعتبارات تنافسية اقتصادية وسياسية وجيو-سياسية وطموحات وجودية –وضعانية لنخب خاصة ،ولا تصدر عن اعتبارات معرفية أو اجتماعية أو ثقافية عمومية.

الهوامش:
1- أحمد أبو زيد ، المعرفة وصناعة المستقبل ، كتاب العربي ، العدد 61يوليو 2005،ص.194-195.
-2 أحمد أبو زيد ، مستقبليات ،كتاب العربي ، العدد 80أبريل 2010 ،ص.160.



إبراهيم أزروال
أكادير –المغرب



#ابراهيم_ازروال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي
- هادي العلوي و التاوية
- وعود وحدود التنوير الفرنسي
- في الاستغراب والاستغراب المعكوس
- جذور و أهداف علم الاستغراب عند حسن حنفي
- الرواية ورهانات الكينونة
- لوك فيري ونيتشه
- حسن حنفي ونقد الاستشراق
- استجلاء الوعي في سينما المخرج محمد خان
- المعالجة الدرامية لقصة -أهل القمة- لنجيب محفوظ
- المعالجة الدرامية لقصة -الحب فوق هضبة الهرم - لنجيب محفوظ
- هادي العلوي والفكر الهندي
- التجديد اللغوي في - المعجم العربي الجديد - لهادي العلوي
- ورطات العلائق في فيلم -أربعاء الألعاب النارية - لأصغر فرهادي
- الإنسانية الانتقالية ونسيان تراجيديا الحياة والموت
- أشواق الذات في فيلم - أرض الأحلام - لداوود عبد السيد
- استشراف المستقبل وإشكاليات الحرية في فيلم -انفصال - لأصغر فر ...
- لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي -الجزء الثاني
- لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي الجزء الأول
- الذات والتاريخ في -رحلة من الحمراء الى إيلغ -لمحمد المختار ا ...


المزيد.....




- عمّان تدعو إلى تحرك دولي لحماية سكان غزة
- واشنطن وعمّان توقّعان اتفاقًا جديدًا.. مساعدات أمريكية للأرد ...
- لبنان وإسرائيل.. نزع سلاح حزب الله أولوية
- -سي إن إن-: البنتاغون استنزف مخزون الصواريخ الاعتراضية الرئي ...
- السلطات السورية تفرج عن القس نهاد حسن بعد نحو أسبوعين من توق ...
- مجلس الوزراء السعودي: اتفاق نزع السلاح في غزة خطوة نحو تنفيذ ...
- نائب وزير الخارجية الروسي: إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا هدف ...
- تحليل: تصعيد زيلينسكي يهدد أوروبا بأضرار بيئية وعواقب وخيمة ...
- النمسا تسجل أعلى درجة حرارة في تاريخها عند 41 مئوية والجفاف ...
- لا سلم ولا حرب.. كيف يقرأ الإيرانيون إدارة بلادهم للأزمة؟


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ابراهيم ازروال - مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي